; مخاطر داخلية تهدد الانتفاضة | مجلة المجتمع

العنوان مخاطر داخلية تهدد الانتفاضة

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 936

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 10-أكتوبر-1989

 

المفروض -عقلًا ومنطقًا ومصلحة- أن تهدف الفعاليات المختلفة التي يدعو لها أي طرف في الانتفاضة إلى التصدي للوجود اليهودي واستنزافه. ومن غير المقبول أبدًا أن تتحول الفعاليات التي تدعو لها بعض الجهات إلى وسائل للكسب الحزبي الضيق، أو تتحول إلى عملية مزايدة على الأطراف الأخرى في الانتفاضة.

والمشكلة التي سنطرقها اليوم، مشكلة في غاية الخطورة؛ لأنها تهدد الانتفاضة نفسها، ليس بسبب اليهود وقمعهم وتنكيلهم، ولكن بسبب المسلكيات الخاطئة للبعض طيلة الفترة الماضية.

كنا ولا زلنا نثمن موقف حركة حماس من الفعاليات والمطالب التي يطرحها الإخوة في القيادة الموحدة، حيث كانت تؤيد هذه الفعاليات إذا رأت فيها مصلحة عامة للشعب، وتدعو إلى إنجاح هذه الفعاليات والالتزام بتلك المطالب، بل كانت تطلب من جماهيرها ومؤيديها التفاعل معها. وفي المقابل، إذا ما قدرت حماس أن ما تدعو إليه القيادة الموحدة لا يخدم المصلحة العامة، فإنها تقوم بالنصح لرموز القيادة الموحدة دون تعمد إعلان موقفها المعارض ودون الدعوة إلى مواقف تتناقض مع ما دعت إليه القيادة الموحدة، وذلك إيثارًا للمصلحة العامة وللوحدة ودفعًا لكل ما من شأنه أن يجلب الخلاف والفرقة. وكنا نطمع أن يكون هذا الموقف من حماس دافعًا للإخوة في القيادة الموحدة ليبادلوها نفس الموقف. فماذا حدث؟!

دعونا نتناول أهم قضيتين برزتا على السطح في الفترة الماضية وأوشكتا أن تفجرا خلافًا ومشكلة تهدد الانتفاضة نفسها.

التعليم والمصالح الحزبية

القضية الأولى هي "التعليم"، فمن المعلوم أن حركة حماس انفردت بالدعوة إلى عودة التعليم والتزام الطلاب بمدارسهم، حرصًا منها على مواجهة سياسة التجهيل التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد طلابنا الصامدين. ومن أجل ذلك، أعلنت حماس أن الإضراب الشامل لا يشمل المدارس والمؤسسات التعليمية حرصًا على مصلحة الشعب وعلى استمرار التعليم. ومقابل ذلك، قامت "المجموعات الضاربة" التابعة للقيادة الموحدة بالاعتداء على الممتلكات العربية والمدارس، فحطموا عددًا من السيارات التابعة للمعلمين الذين كانوا يتوجهون إلى المدارس لتعليم أبنائنا، وحرقوا 6 سيارات لمعلمين قرب قرية شوبكة في طولكرم، ودخل عدد منهم على المدرسين والمدرسات في مناطق متفرقة وهم يحملون "البلطات" و"الجنازير" و"السكاكين" وأشهروها في وجوههم وتوعدوا وهددوا. ومن ثم قاموا بإخراج الطلاب من على مقاعد الدراسة بحجة الدعوة إلى "تصعيد الانتفاضة"!

ففي مدرسة الوكالة في طولكرم، قامت لجان حماس بالدعوة إلى انتظام الدراسة، وبالفعل توجه الطلاب إلى المدارس إلا أنه في ساعات الصباح توجهت "المجموعات الضاربة" إلى المدرسة وقاموا بإجبار الطلاب على الخروج من المدرسة، فقامت أمهات وآباء الطلاب وبمساعدة شباب حماس بإعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، فما كان من "أبطال القوات الضاربة!" إلا أن ألقوا قنبلة غاز باتجاه التلاميذ الصغار مما أدى إلى اختناق عدد منهم! وكانت قنبلة الغاز قد تم إلقاؤها من قبل قوات الاحتلال ولم تنفجر، فغنمها أفراد القيادة الموحدة من أجل أن يقوموا هم بإلقائها على الطلاب! وبالرغم من ذلك استمرت الدراسة حتى حضرت قوات الاحتلال وساعدتهم في إفشال التعليم.

وعلى إثر هذه الممارسات التي حدثت في معظم المناطق، انتشر شعور عام بتقدير الدور الريادي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في المحافظة على التعليم وتقدير مصلحة الشعب.

وقد علق أحد الطلاب على الممارسات الخاطئة التي قام بها أفراد القيادة الموحدة قائلًا بانفعال شديد: هل يريد أفراد القيادة الموحدة من أبناء شعبنا أن يصبحوا عمالًا في المصانع الإسرائيلية؟!

أحد الأساتذة الذين تعرضوا للتهديد والمضايقات قال: أنا أقدر دور حماس الواعي، وأتساءل هل من الوطنية إشهار الخناجر بوجه المعلم الذي صمد أمام الحرب الاقتصادية التي شنتها قوات الاحتلال عليه؟! هل من الوطنية محاربة رمز التعليم والثقافة؟! هل من الوطنية محاربة الذي أعطى عمره وفكره لأبناء المجتمع بينما ينشغل هؤلاء بحساب أرصدتهم من أموال الدعم.

وتقول معلمة في إحدى مدارس الشمال: لم نكن نتوقع أن يصل بهم الحال إلى هذا الحد من فقدان العقلانية والتعقل، حيث اقتحموا المدارس وشتموا المدرسين والمدرسات وهددوا التلاميذ الصغار!

وكانت قد وزعت منشورات باسم القيادة الموحدة تدعو إلى إلزام المدارس بأيام الإضراب الشامل. ويشتكي معظم الآباء من المستوى التعليمي المتدني لأبنائهم خاصة بعد فترات الإغلاق الطويلة التي فرضتها قوات الاحتلال على المدارس والمؤسسات التعليمية، مما أفقد الطلاب في المدارس الابتدائية المعلومات التي تعلموها في بداية التحاقهم بالمدارس. وكانت سلطات الاحتلال قد قامت بمسخ العام الدراسي، وجعلته لمدة 3 شهور بدلًا من 9 شهور.

والحقيقة أن الارتياح الشعبي والطلابي والتجاوب الكبير الذي قوبلت به دعوة حماس باعتبار أيام الإضراب الشامل لا تشمل طلاب المدارس والمدرسين، كان سبب هذه الممارسات الخاطئة لأفراد القيادة الموحدة، فهم لم يتقبلوا هذا النجاح الكبير لحماس وهذا الالتفاف الرائع حولها. فحاولوا منع الطلاب من التوجه إلى مدارسهم ليس لإنجاح الإضرابات وليس لمصلحة الانتفاضة، وإنما لتفويت هذا النجاح وعدم احتسابه في رصيد الحركة الإسلامية.

الإضراب الشامل كل يوم؟!

القضية الثانية التي تشكل عنصر تهديد للانتفاضة هي "الإضراب الشامل". فقد صار الناس كل يوم يسمعون عن إضراب شامل، الأمر الذي يكلف الناس أكثر مما يطيقون. والحقيقة أنه طيلة الفترة الماضية كان الناس يتجاوبون بشكل ممتاز مع الإضرابات والفعاليات حرصًا منهم على إنجاح الانتفاضة وحبًا في التضحية والبذل وأملًا بتحقيق أكبر الخسائر في جانب العدو المحتل. ورغم أن التجاوب الشعبي مع فعاليات الانتفاضة ما زال مستمرًا وقويًا، إلا أن الناس صاروا يضجرون من كثرة الإضرابات وكثرة الفعاليات دون وجود تنسيق بينها، الأمر الذي أربك الناس فأصبحوا لا يستطيعون تنظيم أمور حياتهم، وأوقعهم في حرج شديد.

لا تنسيق

ولإيضاح هذه القضية أكثر نقول إن الجهات التي تقود الانتفاضة وتحدد فعالياتها هي حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والقيادة الموحدة. والأمر المؤسف أنه حتى الآن لم يتم التنسيق بين الطرفين في موضوع الفعاليات؛ فكل طرف يحدد الفعاليات والإضرابات التي يراها دون أن يضع في اعتباره فعاليات الطرف الآخر. وهذه وتلك مطلوب من الشعب نفسه أن يلتزم بها وينفذها.

وحسب معلوماتنا، فإن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" قد دعت أكثر من مرة إلى لقاء تنسيق مع الإخوة في القيادة الموحدة من أجل الاتفاق على طبيعة وحجم فعاليات الانتفاضة لمراعاة الناس وطاقاتهم واستعداداتهم وعدم إيقاعهم بالحرج والضيق خاصة في موضوع الإضرابات الشاملة، بحيث يتم التوصل إلى اتفاق يحدد لكل طرف عدد الإضرابات الشاملة، إلا أن الإخوة في القيادة الموحدة تخلفوا عن حضور هذه اللقاءات رغم موافقتهم المسبقة عليها.

والمتابع لبيانات القيادة الموحدة يلاحظ بوضوح أنها تحرص على حشو بيانها بالعديد من الفعاليات والإضرابات لشغل معظم الأيام التي تقع بين موعد البيان والذي يليه، لتضييق المجال على حركة حماس وبدائلها لتحديد أيام الإضرابات والفعاليات.

عقلية: مصلحة الاتجاه

هذه بعض المشكلات الخطيرة التي تهدد الانتفاضة من داخلها؛ لأنها وكما هو ملاحظ تهدد الوحدة الوطنية والتماسك الشعبي وتهدد استمرار التجاوب الجماهيري مع فعاليات الانتفاضة، كما تنذر بالخلاف والتقاتل -لا سمح الله- وتنذر بالفتنة التي تحاول أن تطل برأسها القبيح لتفعل بشعبنا ما لم تفعله أسلحة اليهود.

وأعود للتأكيد على أن النظرة الحزبية الضيقة ومحاولات البعض تجيير عطاءات الانتفاضة لتحقيق مكاسب خاصة "بالاتجاه"، هذه النظرة وهذه العقلية هي التي تدفع بكل هذه السلبيات لتطفو على السطح ولتعكر صفاء الانتفاضة. ونحن نثير هذه المشاكل والإشكالات ليس رغبة بالتشهير بطرف أو محاولة المزايدة عليه وإنما نأمل من هذا تنقية الانتفاضة من شوائبها، ونحاول تفكيك الألغام التي تقف في طريقها.

وكنا في مرة سابقة قد أثرنا موضوع السجون وما يتعرض له أبناء الاتجاه الإسلامي من مضايقات واستفزازات، وها نحن نثير قضية "التعليم" وقضية الإضرابات الشاملة، وكل هذه الأمور تحتاج إلى وقفة حكيمة وجادة من العقلاء من أبناء الشعب الفلسطيني من أجل "ضبط" الجهة التي تفتعل هذه المشاكل، وتسبب حالة الإرباك والتوتر في الداخل.

نحن لا نطلب أمرًا محالًا، نحن نطلب من أولئك أن يضعوا عقولهم في رؤوسهم، وأن يقدروا مصلحة شعبهم أولًا وأخيرًا. وإذا كان خلاف الاتجاه الإسلامي والاتجاهات الأخرى في الفكر والاستراتيجية وطبيعة النظرة للقضية الفلسطينية وطريقة التعامل معها، إذا كان ذلك الخلاف أمرًا واقعًا ولا مفر منه، فلا يعني ذلك عدم الالتقاء في نقاط المصلحة المشتركة خاصة في مثل المواضع التي أشرنا إليها. وأية مصلحة أهم عند الطرفين من استمرار الانتفاضة، واستمرار التصدي للاحتلال، وتحقيق الوحدة والتماسك الشعبي؟!

 

 

الرابط المختصر :