العنوان أبي كما عرفته.. عدد 1720
الكاتب شيخة عبدالله المطوع
تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006
مشاهدات 74
نشر في العدد 1720
نشر في الصفحة 31
السبت 23-سبتمبر-2006
ها هي الذاكرة تعود بي إلى الوراء، إلى ذلك اليوم الذي جلسنا فيه إلى مائدة الغداء، نستمع إليه باهتمام بالغ وإنصات عجيب وهو يحدثنا عن رحلاته حول العالم وتنقلاته من قطر إلى آخر وكيف أنه -يرحمه الله- ابتدأ بالتجارة والبيع والشراء، وهو في ريعان الشباب وباكورة العمر جاب البلاد، واختلط بالعباد، وبهمة فتية ومعونة إلهية استطاع أن يقهر الصعاب، ويجني الثمار.
وقبل أن ينهي حديثه العذب، وكلماته الصادقة قال: أبنائي.. اعلموا أني في حلي وترحالي، أثناء السفر والحضر، لم أدع فرضًا لله إلا وأديته أيًا تكن الظروف ومهما تكن الأحوال، لا أذكر أني أخرت صلاة عن موعدها.. حتى صلاة الفجر، أؤديها برًا أو جوًا، على متن الطائرات أو في قاعات المطارات..
ثم استأنف حديثه قائلًا: «لا أعلم أبنائي إن كانت بي كبوة أو زلة، وهذا من فضل الله علي، حيث كنت أسافر وحيدًا شابًا، والدنيا مفتوحة أمامي على مصراعيها والأموال بين يدي، ولكن خشيتي لله جعلتني لا أقدم على أي عمل لا يرضيه سبحانه»..
ختم كلامه -يرحمه الله- ونحن نردد في أنفسنا: «نعم يا أبي ولك نشهد»... نشهد لك بالاستقامة ما حييت بيننا، عشت دومًا خائفًا من الله، وجلًا محافظًا على الفرائض، فعولًا للخير، محبًا لله ورسوله، مبغضًا للكفر والفسوق والعصيان...
عشت حياتك كلها على هذا النهج، وعلى وتيرة واحدة، لم تتوان يومًا ولم تتكاسل، لم تتخاذل في دين الله وتتساهل، لا أذكر فتورًا في همتك أو تلكوا في دعوتك.. لذلك عشت حياة كريمة، مليئة بالإنجازات حافلة بالعطاءات...
أبشر أبي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30).
المدعون كثيرون، والمحبون يملؤون الآفاق، ولكن الأعمال وحدها تُصدق ذلك الادعاء أو تكذبه، لذلك عندما جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قائلًا: يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» (رواه مسلم).
فالاستقامة كما قيل في الأمثال هي «عين الكرامة»، وكما قال ابن تيمية يرحمه الله: «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة».
ثمانون عامًا يا أبي وأنت على نهجك سائر، وعلى عقيدتك وإيمانك محافظ قيمك.. أفكارك.. وعاداتك لم تتأثر ولم تتغير مهما تغير الزمان والمكان.. نغيب عنك ثم نرجع إليك فنرى «عبد الله العلي» كما هو كالبنيان الثابت والجبل الراسخ.. لا يهده الريح كما يقولون، ولا تزعزعه المحن ولا تهده النكبات..
ليرزقنا الله بعضًا مما رزقك ويمنحنا من الاستقامة والثبات الذي منحك، ونسأله سبحانه أن يهدينا سبيلك وسبل النبيين والصالحين المتقين ممن سبقك.. ونرجوه لك في قبرك مد بصرك، ويجمعنا بك في مستقر رحمته وندعوه جل وعلا أن يوسع ويجعلنا خير خلف لخير سلف... إنه ولي ذلك والقادر عليه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل