العنوان جرائم الحرب بين السياسة والقضاء
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 09-نوفمبر-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1526
نشر في الصفحة 36
السبت 09-نوفمبر-2002
على خلفية مبيعات الأسلحة الصربية للعراق
فوجئت الأوساط السياسية والقضائية بطلب كلود جوردا رئيس محكمة جرائم الحرب الخاصة بيوغسلافيا في لاهاي من مجلس الأمن رسميًا إصدار قرار يجبر يوغسلافيا على الالتزام بتعهداتها الدولية، فهو يوافق «ديل بونتي» كبيرة المدعين بالمحكمة، الرأي بأن حكومة بلجراد لا تتعاون مع محكمة لاهاي بخصوص طلبها اعتقال وتسليم المتهمين بارتكاب جرائم حرب. كانت الناطقة باسم بونتي قد ذكرت في وقت سابق أن كبيرة المدعين طلبت من جوردا تقديم طلب المجلس الأمن يدعو لفرض ضغوط على بلجراد يجبرها على التعاون مع محكمة لاهاي.
فما الأسباب التي جعلت كلود جوردا يتبنى هذا الموقف؟.
سراييفو: عبد الباقي خليفة
يعتقد كثير من المراقبين أن العدالة الدولية في وضعها الراهن نسبية إلى حد كبير، وأن العوامل السياسية تؤثر فيها تأثيرًا كبيرًا، إذ ما كان لدكتاتور يوغوسلافيا السابق ميلوسوفيتش أن يعتقل وينقل إلى السجن في لاهاي، لو أنه انصاع للمطالب الغربية وهي اعتزال السياسة والاختفاء مثل غيره من المجرمين: كرانيتش وميلاديتش. ومثل ما اقترحته السفارة الأمريكية في سراييفو على بليانا فلافاشيتش عندما طلبت منها الاختفاء، حتى لا تعتقل وتنقل للاهاي، ولكنها رفضت الاقتراح الأمريكي؛ لأنها كما قالت «ليست فأرًا»!. ومن ذلك يفهم أن جرائم الحرب، أصبحت سلعة سياسية، شوهت وجه العدالة التي يحلم بها المستضعفون.
الوجه الآخر للعدالة المسيسة هو بيع صرب البوسنة، وحكومة بلجراد أسلحة وقطع غيار الطائرات ميج ۲۱ للعراق بمبالغ طائلة، وقد استمر تدفق الأسلحة إلى بغداد منذ سنة ۲۰۰۰ وإلى أن اكتشفت المخابرات الأمريكية ذلك. وقد نفى صرب البوسنة أوّل الأمر وجود صفقات أسلحة مع العراق، ولكن عملية الاقتحام التي قامت بها القوات الأمريكية العاملة في البوسنة المصنع أورواو بمدينة بيالينا شرق البوسنة، التي يسيطر عليها صرب البوسنة كشفت عن وجود علاقة عسكرية بين بغداد وصرب البوسنة بالتعاون مع بلجراد، ومن ذلك وثائق عبارة عن نسخ من اتفاق بين المصنع ووزارة الدفاع العراقية. وقد تم حتى الآن إقالة أربعة جنرالات، اثنان منهم من صرب البوسنة واثنان من يوغسلافيا، وكان هؤلاء الجنرالات مجرد كباش فداء لعلاقات أكثر تعقيدًا. فمن غير الممكن أن تكون حكومة صرب البوسنة وحكومة بلجراد لا تعلمان شيئًا عن مبيعات الأسلحة ومع ذلك لم يتم اتخاذ أي إجراءات عقابية ضد الصرب حتى الآن.
ويتساءل المسلمون: ماذا لو كانوا هم من باع الأسلحة للعراق؟ ومع ذلك هناك تهديدات مبطنة للبوسنة وليس لصربها فحسب، وهو ما جعل المسلمين يتساءلون عن ذنبهم في هذه القضية، التي أعادت إلى أذهانهم سياسة المساواة بين المجرم والضحية، أو كما يقولون «سياسة جحا مع حماريه».
استياء صربي من جوردا
من جهته أعرب وزير خارجية يوغسلافيا جوران سفيلانوفيتش عن استيائه من دعوة جوردا مجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات ضد بلاده. وقال: «تعاوننا مع محكمة لاهاي ليس مثاليًا، ولكننا لم نرفض التعاون». وينفي المسؤولون الصرب في بلجراد وجود عدد من المطلوبين لدى محكمة لاهاي فوق الأراضي اليوغسلافية بمن فيهم قائد قوات صرب البوسنة إبان الحرب الجنرال راتكو ميلاديتش لكن كبيرة المدعين كارلا ديل بونتي أكدت في أكثر من مناسبة أن جميع المطلوبين بمن فيهم الجنرال ميلاديتش موجودون فوق الأراضي اليوغسلافية، وفي حماية المؤسسة العسكرية بالبلاد.
جولة فاشلة
وكانت ديل بوتي قد ختمت جولة لها في عدد من العواصم بالبلقان من بينها تيرانا، وبلجراد، وبريشتينا، وسراييفو، وزغرب، وأجرت محادثات مع المسؤولين المحليين والدوليين في تلك العواصم؛ حيث أكدت في العاصمة الكرواتية زغرب التي كانت آخر محطة في جولتها، ضرورة إذعان السلطات الكرواتية للقرارات الدولية وتسليم قائد الأركان الكرواتي الجنرال يانكو بويتكو (۸۳) سنة الذي تتهمه محكمة جرائم الحرب في لاهاي بقتل ۱۰۰ من صرب كرواتيا سنة ١٩٩٣، وقالت ديل بونتي: إن «تحذيرات وزارة خارجية الاتحاد الأوروبي للحكومة في زغرب جدية، وأن مسألة دخول كرواتيا في الاتحاد الأوروبي على المحك».
من جهته قلل ماتي غرانيتش رئيس الحزب الكرواتي الديمقراطي المركزي، من التهديدات الأوروبية، وقال: «على محكمة لاهاي النظر في الاعتراضات الكرواتية ومنها الوضع الصحي للجنرال بويتكو الذي يشكو من مرض السكري والقلب، إضافة لكونه رمزًا لنضال الشعب الكرواتي من أجل الحرية والاستقلال». وذكرت مصادر كرواتية أن حالة الجنرال بويتكو متدهورة وأنه يرفض الذهاب للمستشفى مفضلًا الموت، على الإهانة في حال تسليمه المحكمة لاهاي، وأنه يفضل الموت على الحياة في حال تعرضت بلاده لعقوبات دولية. وكانت ديل بونتي قد وصلت إلى سراييفو، في إطار جولة شملت «تيرانا»، و«بلجراد» و«بريشتينا»، ثم انتقلت إلى «زغرب» بعد انتهاء محادثاتها في سراييفو، وقد التقت بونتي مع ممثلي المجموعة الدولية في البوسنة، ومع حكومة صرب البوسنة. وحملت ديل بونتي تهديدًا واضحًا الصرب بأن «صبر محكمة لاهاي يكاد ينفد» وأن «الردود التقليدية على طلبات اعتقال وتسليم المتهمين بارتكاب جرائم حرب لم تعد مقبولة».
وقالت بونتي التي لا تلقى أذانًا صاغية من القوى الدولية التي تخشى تحقيق مكاسب للمسلمين في حال تم القبض على جميع مجرمي الحرب وتأمرهم بالاختفاء، قالت: يجب استخدام سلاح المساعدات في الضغط على صرب البوسنة لتسليم المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وفي مقدمتهم «رادوفان كرانيتش»، زعيم صرب البوسنة سابقًا. وأكدت بونتي طلبها من محكمة لاهاي تقديم شكوى لمجلس الأمن ضد يوغسلافيا، وأن تدرج الشكوى في الجلسات القادمة، لمجلس الأمن. وكانت بونتي قد التقت في برشتينا عددًا من المسؤولين الدوليين وبحثت معهم إمكان اعتقال المزيد من عناصر جيش التحرير الألباني المتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد صرب كوسوفًا عامي ۱۹۹۸ و۱۹۹۹ أثناء الصراع الذي دار بين الطائفتين آنذاك، كما التقت في تيرانا الرئيس الألباني الفريد ميسيو وطلبت من الحكومة الألبانية إعداد ما لديها من وثائق وشهود ضد الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش كما التقت ديل بونتي في زيارتها لبلجراد وزير خارجية يوغسلافيا جوران سفيلانوفيتش، ورئيسي الوزراء والأركان اليوغسلافيين. وأعربت بونتي عقب لقائها المسؤولين الصربيين أنها غير راضية عن مستوى تعاون بلجراد مع محكمة جرائم الحرب في لاهاي، كما أعربت عن اعتقادها مجددًا بأن «راتكو ملاديتش»، قائد قوات صرب البوسنة سابقًا «موجود في صربيا بشهادة مسؤولين صرب» وطالبت بضرورة اعتقال وتسليم جميع المتهمين بارتكاب جرائم حرب.
من جهته أكّد رئيس الوزراء الصربي زوران دجنجيتش تعاون حكومته مع محكمة لاهاي، وأنها «تعمل ما في وسعها لتحقيق تقدم في هذه القضية». وتطالب محكمة لاهاي حكومة بلجراد باعتقال وتسليم 15 متهمًا من صرب البوسنة تقول إنهم في صربيا. ويعتقد أن جولات ديل بونتي هي للضغط فحسب، وضبط منطقة البلقان، وأن بإمكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، إجبار الصرب والكروات على تسليم المتهمين بارتكاب جرائم حرب، لو علم الصرب والكروات أن تهديداتهم حقيقية. ومع أن جوردا دعا مجلس الأمن للنظر في قضية عدم تعاون بلجراد، إلا أن المجلس لم يرد على طلبه، كما أنه لم يهتم كثيرًا بمبيعات الأسلحة الصربية للعراق؛ لأنه لا يريد أن يضعف الصرب، بل قطع أنفاس المسلمين أينما كانوا.