العنوان بَدر.. ولكن بغير رجال
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997
مشاهدات 67
نشر في العدد 1236
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 28-يناير-1997
معالم على الطريق
تشرف الأماكن بالرجال، وتخلد المعارك بالأبطال، وتقوى الأمم بالسواعد الفتية وتنهض الشعوب بالعقول الزكية، ويحمل التاريخ الذكريات والأمجاد العاطرة، ويسطر الأعمال والأفعال الباهرة التي تشكل القلاع الحصينة للزمن، وتؤسس الصروح العظيمة للأيام، ولقد كان المسلمون قلة قليلة مهاجمين مضطهدين من بقاع الأرض وسهولها وديارها ولكنهم استطاعوا أن يوقفوا التاريخ ليسمع حديثهم، ويوقظوا الدنيا لتعي تعاليمهم ويردعوا الأعداء لتحترم إرادتهم، روى البيهقي وغيره عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصحون إلا فيه، فقالوا: ترى نعيش حتى نبیت مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: 54: 55) قال البيهقي وفي مثل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة النحل: 42:41)، ذكر المفسرون أنها نزلت في المعذبين بمكة حين هاجروا إلى المدينة بعدما ظلموا فوعدهم الله تعالى في الدنيا حسنة يعني بها الرزق الواسع، فأعطاهم ذلك.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى الرجل عطاءه من المهاجرين يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله تبارك وتعالى في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، نعم، تمكن الرجال بفضل الله من إيقاف الظلم والطغيان، ومجالدة الباطل والبهتان، والصبر والمصابرة حتى تغيرت الأحوال وتبدلت الأيام، ولقد كان إصرار المسلمين رغم ضعفهم عجيبًا استطاعوا به بلوغ الآمال، يروي المحدثون أن اليهود والمشركين من أهل المدينة كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمرهم الله تبارك وتعالى بالصبر والعفو والصفح، فقال تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (سورة آل عمران: 186)، وقال عزّ وجلّ
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: 109)، وقال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (سورة البقرة: 109)، أي الإذن بقتالهم وضرب الجزية عليهم، وكان مخطط المسلمين في مواجهة البغي والعدوان مخططاً إلهيًا بشريًا يسير مع السنن، ويتعامل مع الحوادث والنزعات الجاهلية والعنصرية والسلطوية التي كانت متحكمة في الحياة البشرية في زمنهم، فبدأ المسلمون بالدعوة لتغيير الأفهام، ولفت العقول، وإحياء العزائم وبعث إنسانية الإنسان، وتربية أجيال من الرجال لتغيير هذا الركام المتسلط على المجتمعات والمتحكم في المصائر، فلما اشتد عودهم بدأت المناوشات لإرجاع الكرامة المسلوبة، والعزة المنهوبة، والحق المستباح قال العلماء: لما قويت الشوكة للمسلمين واشتد الجناح أذن الله لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 39: 40).
قال العلماء: فلما اشتد عودهم أكثر واستعدوا وأعدوا لرد الظلم عدته، فرض الله عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة البقرة: 190)، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة لأنهم اجتمعوا على المسلمين كافة، وتآمروا عليهم مجتمعين، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (سورة التوبة: 36)، وهذا الأمر وإن كان مكروهًا وتأباه طبيعة الدعوة إلى الله ولكنه لا مناص منه لحماية الدعوة وعدم استئصال شأفة المسلمين وسيادة الباطل، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (سورة البقرة: 216)، وكان أن كانت واقعة بدر الكبرى، تلك الواقعة التي ذاق المشركون فيها الهول على يد السواعد المؤمنة وعلموا أنه قد برز في الأفق صنف جديد من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وظهر ذلك من حديثهم على مشارف المعركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال قائلهم: «والله یا رسول الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، ولهذا عرف القائد الملهم أن هؤلاء الرجال هم رجال النصر وأكد القرآن هذا المعنى حين قال: «سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر»، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الشيخان من طريق عروة نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض المعركة وقال: «هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله»، ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، قال عمر: فو الذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حددها رسول الله وجعلوا يصرعون عليها، ثم جعلوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث بعضهم على بعض، ووقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يناديهم بعدما جيفوا يقول: يا فلان يا فلان يا أبا جهل ابن هشام، يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يعدد أسماءهم، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، وفي هذا يقول حسان بن ثابت:
يناديهم رسول الله لما *** قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلام الله حقًا *** وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا *** صدقت وكنت ذا رأي مصيب
وكانت بدر التي تسمى في التاريخ بيوم الفرقان بهؤلاء الرجال وهذه العزائم التي أزالت الظلم وأزاحت وساوس الشيطان، واليوم تأتي ذكرى بدر ويحتفل المسلمون ببدر ولكن بغير رجال بدر، وبغير عزائم بدر، ولهذا لم يكن عندنا فرقان أو نصر، فهل نستطيع أن نسير على الدرب ونرجع إلى الصراط نسأل الله ذلك.