العنوان الفقيه الداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي (1)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 77
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 20
السبت 21-يوليو-2012
- ولد بمصر عام 1335هـ/ 1917م وقد أسماه والده «محمد الغزالي» تيمنًا بحجة الإسلام «أبو حامد الغزالي» وكان أكبر إخوته السبعة
- أتم حفظ القرآن في العاشرة من عمره وحصل على «العالمية» من كلية أصول الدين عام 1941م وعلى «إجازة الدعوة والإرشاد» عام 1943م
- تفتحت مواهبه الأدبية والفكرية في إطار جماعة الإخوان المسلمين التي التقى بمؤسسها الإمام حسن البنا عام 1937م
- في هذه الجماعة أصبح الشيخ الغزالي أحد كبار كتابها وفيها تحمل نصيبه من المحن والابتلاءات التي أصابتها
- خرج من مصر عام 1974 حتى 1988م ليدرس بالجامعات العربية وامتد عطاؤه إلى مختلف البقاع حتى أصبح واحدًا من أبرز علماء القرن العشرين
الشيخ الغزالي هو الفقيه الداعية المجدد محمد الغزالي السقا (١٣٣٥- ١٤١٦هـ/ ١٩١٧- ١٩٩٦م)، ولد في قرية «نكلا العنب»، مركز إيتاي البارود، محافظة البحيرة بدلتا مصر، في يوم السبت 5 ذي الحجة ١٣٣٥هـ، ٢٢ سبتمبر ۱۹۱۷م، ولقد أسماه والده «محمد الغزالي» تيمنًا بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وكان أكبر إخوته السبعة.
ولقد أتم حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، والتحق بمعهد الإسكندرية الديني -التابع للأزهر الشريف- ليحصل على الابتدائية سنة ۱۹۳۲م، وعلى الثانوية سنة ١٩٣٧م. وليلتحق بكلية أصول الدين بالقاهرة في نفس العام، فيحصل على «العالمية» سنة ١٩٤١م، وعلى إجازة الدعوة والإرشاد سنة ١٩٤٣م.
ومارس الشيخ الغزالي الدعوة الإسلامية أثناء طلبه العلم بكلية أصول الدين، فعمل إمامًا وخطيبًا بأحد مساجد القاهرة، فلما تخرج عين إمامًا وخطيبًا بوزارة الأوقاف عام ١٩٤٢م بمسجد «العتبة الخضراء» بوسط القاهرة، وتدرج في مناصب الدعوة، فتولى التفتيش بالمساجد والوعظ بالأزهر، ووكيلًا، فمديرًا للمساجد فمديرًا للتدريب، فمديرًا للدعوة والإرشاد فوكيلًا للوزارة لشؤون الدعوة.
وتفتحت المواهب الأدبية والفكرية للشيخ الغزالي إبان طلبه للعلم، وكان ذلك في إطار جماعة الإخوان المسلمين التي التقى بمرشدها العام الإمام الشهيد حسن البنا سنة ١٩٣٧م، وفي هذه الجماعة أصبح الشيخ الغزالي أحد كبار كتابها وفيها تحمل نصيبه من المحن والابتلاءات التي أصابتها، فأمضى قرابة العام بمعتقل «الطور» سنة ١٩٤٩م، وأقل من عام في سجن «طرة» إبان التحقيقات مع الشهيد سيد قطب عام ١٩٦٥م.
ومع استقلال الشيخ الغزالي عن جماعة الإخوان -كحركة- وتفرغه للدعوة والتأليف، فقد عاش ناقدًا ومعارضًا لنظام ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م، يتلقى الهجمات من كتابها، وتنتصر له جماهير المساجد التي يخطب فيها حتى ضاقت الدولة بمعارضته، فمنعته من الخطابة بجامع «عمرو بن العاص» وسحبوا اختصاصاته في وظائف الدعوة، حتى وجد نفسه جالسًا على «حصير» دون مكتب في «سندرة» ملحقة بمسجد «صلاح الدين» بالقاهرة، فجلس على هذا «الحصير» يشتغل بالتأليف!
ولما أحس باقتراب الخطر منه -إبان التحقيقات في قضية الفنية العسكرية- سعى إلى الخروج من مصر سنة ١٩٧٤م، ليدرس بالجامعات العربية، حتى عاد واستقر بمصر سنة ۱۹۸۸م، وإبان هذه السنوات الخمس عشرة (١٩٧٤ - ١٩٨٨م) امتد عطاء الشيخ الغزالي إلى مختلف بقاع عالم الإسلام، حتى لقد أصبح واحدًا من أبرز علماء الإسلام في القرن العشرين.
ولقد شرف بعضويته العديد من المجامع العلمية الإسلامية، مثل «مجمع البحوث الإسلامية» بالأزهر الشريف، «والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية» بالأردن، و«المجلس العلمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي»، و«الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية».. إلخ.
كما حصل على العديد من الأوسمة والجوائز، مثل:
- وسام الأسير، وهو أعلى وسام بالجزائر، سنة ١٩٨٨م.
- جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام سنة ۱۹۸۹م.
- جائزة الامتياز من باكستان سنة ۱۹۹۱م.
- جائزة الدولة التقديرية من مصر سنة 1991م.
- جائزة على وعثمان حافظ المفكر العام سنة ١٩٩١م.
وذهب الشيخ الغزالي إلى الأمم المتحدة ممثلًا للأزهر الشريف، فخطب في عيدها الخمسين سنة ١٩٩٦م، وأمضى مع مسلمي أمريكا ثلاثة أسابيع.
وبعد أسابيع من عودته من أمريكا سافر إلى المملكة العربية السعودية، للمشاركة في المهرجان الوطني للثقافة، حيث صعدت روحه إلى بارئها، وبيده القلم والورقة يكتب نقاطًا يدافع بها عن الإسلام -في ۱۷ شوال سنة ١٤١٦هـ/ 9 مارس سنة ١٩٩٦م، فدفن بالبقيع في المدينة المنورة عاصمة النبوة الخاتمة، التي أمضى حياته داعية لها، وحارسًا لتعاليمها، ومجاهدًا في سبيل نصرة دينها (1).
المعارك الفكرية
ومع رقة الشيخ الغزالي وعاطفته الجياشة، وقلبه النوراني، فلقد كانت حياته سلسلة من المعارك الفكرية التي كان فيها أسدًا مرابطًا على ثغور الإسلام يعرض حقائقه، ويصد عنه سهام الأعداء.
ففي مواجهة الاستبداد المالي والمظالم الاجتماعية، كانت أولى معاركه الفكرية، التي قدم فيها مؤلفاته: «الإسلام والأوضاع الاقتصادية»، و«الإسلام والمناهج الاشتراكية»، و«الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين». و«الإسلام في مواجهة الزحف الأحمر».
وفي مواجهة الجمود والتقليد والحرفية النصوصية، كانت معاركه الفكرية التي قدم فيها كتبه «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين» و«السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»، و«قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة».
وفي مواجهة الاستبداد السياسي، قدم الشيخ الغزالي كتبه «الإسلام والاستبداد السياسي». و«حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة».
وفي مواجهة الهيمنة الغربية والتغريب والتنصير، قدم الشيخ الغزالي كتبه «من هنا نعلم»، و«حقيقة القومية العربية»، و«دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين»، و«الغزو الفكري يمتد في فراغنا» و«مستقبل الإسلام خارج أرضه وكيف نفكر فيه».
وفي مواجهة الذات الإسلامية، التي تشوهت بالتخلف الموروث والاستلاب التغريبي، قدم الشيخ الغزالي مشروعًا فكريًا لتجديد هذه الذات الإسلامية، فكانت كتبه «خلق المسلم»، و«عقيدة المسلم»، و«التعصب والتسامح»، و«جدد حياتك»، و«في موكب الدعوة»، و«فقه السيرة»، و«ليس من الإسلام»، و«هذا ديننا»، و«من معالم الحق»، و«كيف نفهم الإسلام»، و«نظرات في القرآن»، و«كيف نتعامل مع القرآن»، و«نحو تفسير موضوعي السور القرآن الكريم»، و«المحاور الخمسة للقرآن الكريم»، و«مع الله.. دراسات في الدعوة والدعاة»، و«معركة المصحف»، و«كفاح دين»، و«الإسلام والطاقة المعطلة»، و«الجانب العاطفي من الإسلام»، و«سر تأخر العرب والمسلمين»، و«قذائف الحق»، و«هموم داعية».
وهكذا كان الشيخ الغزالي؛ القلب التقي والعقل الذكي، والأسد المرابط على ثغور الإسلام، يعرض حقائقه، ويصد عنه سهام الأعداء الذين اجتمعوا عليه وتكالبوا على أمته كي لا تنهض من جديد.. ومن كلماته المعبرة عن هذا المعنى:
«إن الإسلام قلب تقي وعقل ذكي، وإن تحديات الدعوة الإسلامية تجيء -قبل أي زحف خارجي- من داخل أرض الإسلام، على أن التحدي الأعظم للإسلام كله هو في يقظة كل القوى المعادية له، وتلبيتها النية على اغتياله!
لقد صحت اليهودية والنصرانية والشيوعية والوثنية، وتملكتها رغبة مجنونة للقضاء على هذا الدين، وانتهاز ما يسود بلاده من غفلة وفرقة لتوجيه الضربة الأخيرة!
وإن الوعظ هو أخف الوجبات التي يتطلبها الإسلام في عصرنا! فالجهد الأول المطلوب هو تحريك قافلة الإسلام، التي توقفت، في وقت تقدم فيه حتى عبيد البقر! وسوف تتلاشى هذه التحديات كلها يوم يعتنق المسلمون الإسلام، ويدخلون فيه أفواجًا، حكامًا وشعوبًا» (٢).
وإذا كان الشيخ الغزالي قد قدم إبداعه الفكري؛ خطبًا ومواعظ ودروسًا في المساجد والجامعات وكتبًا ومقالات، وأحاديث في الإذاعات والتلفاز، وفتاوى تجيب عن التساؤلات.. فإنه -فوق هذه الوسائل من فنون القول -قد طرق في سنوات عمره الأخيرة «فن المحاورات»، وذلك عندما نظم «المعهد العالمي للفكر الإسلامي» سلسلة من المحاورات مع الشيخ، حاوره فيها عدد من تلاميذه الذين اتخذوا مكانهم في الحياة الفكرية الإسلامية، والذين خبروا مشروعه الفكري، فاستطاعوا في محاوراتهم معه أن يستخرجوا من عقله الفذ إضافات لما سبق وسطره في الكتب والمقالات، لقد قام بمحاورة الشيخ في هذا المشروع الأساتذة: د. محمد إمام، د. محمد عمارة، د. عبد المعطي بيومي، الأستاذ فهمي هويدي، د. رفعت العوضي، الأستاذة صافيناز كاظم، د. حسن الشافعي.
فكانت حصيلة هذه المحاورات، التي غطت مختلف ميادين الفكر الذي أبدع فيه الشيخ الغزالي هذا الكتاب الذي تقترب صفحاته من أربعمائة صفحة، والذي مثل ويمثل إبداع الشيخ الغزالي في «فن المحاورات»، كما يمثل إضافات بالغة الأهمية للمشروع الفكري الذي حملته مؤلفات هذا الإمام العظيم.
وإذا كان مفيدًا -بل وضروريًا- في التقديم بين يدي هذه «المحاورات» -محاورات الشيخ الغزالي» - إلقاء بعض الأضواء على بعض معالمها فإننا نقف عند الإشارات التي تلقي بعض الأضواء على ما نراه مهمًا، وربما جديدًا في هذه المحاورات.
ثمرة قرآنية
لقد تكون الشيخ الغزالي -عقلًا ووجدانًا- في مدرسة القرآن الكريم، حتى لا نبالغ إذا قلنا: إنه قد جاء ثمرة طيبة من ثمرات هذا القرآن الكريم، ولذلك فإن علاقته بهذا القرآن لم نقف فقط عند التلاوة والترتيل والحفظ والفهم والتفسير، وإنما كانت معايشة لهذا القرآن الكريم حتى ليحكي هو عن هذه العلاقة الخاصة الروحية والحميمة والمتميزة، فيقول: «كنت أحيانًا أطوف حدود القرية، مخترقًا المزارع، وكنت أحيانًا أقرأ القرآن بصوت عال، وأنا أحفظه والحمد لله حفظًا حسنًا، كأني ورثت هذا عن أبي، وأذكر يومًا ما حتى أنني حكيت هذا للأستاذ البنا وأنا أمشي في الحقل كنت أقرأ سورة «الإسراء»: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)
خيل إلى أن كل شيء حولي يسجد، ولولا أني ألبس جبتي لسجدت وجعلتها تتسخ بالطين من الأرض المزروعة» (٢).
الموقف من التراث
ولقد كان التراث الإسلامي بحرًا غاص فيه الشيخ الغزالي، وكان داعية إلى احتضان هذا التراث، وإلى استدعاء إجاباته على علامات استفهام العصر وعلى المستجدات المعاصرة، دون التخندق في تراث مذهب واحد دون سواه.. وعن هذه الحقيقة قال: «أنا -في الدعوة- أنتقل بين بيئات كثيرة، ومن مصلحتي أن أتعرف على وجهات النظر عند أئمتنا كلهم، لماذا أقف عند أبي حامد الغزالي وحده؟ على أن أستوعب الغزالي وابن تيمية وابن حزم وابن الجوزي وأبا حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل» (4).
كذلك، كان الشيخ الغزالي داعية إلى النقد العلمي لهذا التراث الإسلامي، فهو إبداع أمة، لا يتمتع بالقداسة التي اختص بها الوحي القرآني والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني، «لذلك ينبغي أن يكون هناك نقد علمي لهذا التراث، فلا مانع من أن أنقد تراث الأحناف، وتراث المالكية، وتراث الشافعية نقدًا علميًا، وهذا النقد شيء، أما أن أشتم فهو شيء آخر.. النقد هو البحث عن الحقيقة ولفت الأنظار إليها، مع إيماني بأن الخطأ والصواب مأجوران في تراثنا وعند ربنا».
الهوامش
(۱) انظر: تفاصيل ذلك في كتابنا «الشيخ محمد الغزالي.. الموقع الفكري والمعارك الفكرية»، طبعة دار السلام القاهرة عام ١٤٣٠هـ/ ٢٠٠٩م.
(۲) المرجع السابق، ص ٥ - ٢٤.
(۳) المرجع السابق، ص ۳۳.
(٤) المرجع السابق، ص ٩٦، ٩٨.
(٥) المرجع السابق، ص ۲۹۱.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل