العنوان بتخطيط استعماري: شبح الجوع يخيم على عالمنا العربي والإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
مشاهدات 54
نشر في العدد 781
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
عقب الحرب العالمية الثانية وبعد حصول عدد كبير من الدول العربية
والإسلامية على استقلالها، شعرت الدول الاستعمارية بفداحة الخسائر التي منيت بها حين
افتقدت تبعية هذه الدول لها، كما خسرت باستقلال هذه الدول ما كانت تنهبه وتغتصبه من
خيرات الشعوب التي كانت واقعة تحت سيطرتها؛ لهذا عمدت الدول الاستعمارية إلى وضع سياسة
خططت لها بإحكام بغرض استمرارية فرض نفوذها بطريقة غير مباشرة على المنطقة العربية
والإسلامية، وذلك بالعمل على إضعاف أدوات الإنتاج الاقتصادية من زراعة وصناعة في دول
المنطقة؛ حتى لا تجد هذه الدول بُدًّا من الاعتماد في غذائها وصناعاتها وحتى في حاجاتها
الأساسية على الدول الاستعمارية.
ومن جانب آخر أثمرت مخططات الدول الاستعمارية عن وجود غزو ثقافي
وفكري واجتماعي لا تقل خطورته عن الغزو العسكري، وذلك بترويج الكتب والأفكار والبدع
التي تهدف إلى النيل من النزعات الدينية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمعات العربية
والإسلامية.
تدهور خطير في الزراعة
ففي مجال الزراعة نجحت الخطط الاستعمارية في إضعاف الإنتاج الزراعي
في المنطقة العربية، بحيث أصبحت كل الدول العربية تقريبًا تستورد معظم احتياجاتها من
المواد الغذائية، بما فيها مصر والسودان وهما الدولتان اللتان توجد فيهما جميع المقومات
اللازمة للزراعة.
وعلى الرغم من أن الزراعة كانت تشكل في الماضي عصب الحياة الاقتصادية
في كثير من البلدان العربية، فإنها الآن أصبحت لا تفي بحاجات شعوبها من الإنتاج الزراعي.
ومن المعروف أن تنوع الموارد المائية اللازمة لري الأراضي الزراعية من السمات التي
تتميز بها المنطقة العربية، فالبلدان العربية إما تتخلل أراضيها مجاري الأنهار ومياه
الآبار، وإما تسقط عليها أمطار موسمية، يضاف إلى ذلك أن البحار الكثيرة المنتشرة في
المنطقة العربية أصبحت مياهها تشكل موردًا إضافيًّا من موارد الري، بعد استخدام التكنولوجيا
المتطورة في تحويل مياه البحار المالحة إلى مياه صالحة لحياة الإنسان والحيوان والنبات.
ومع ذلك لم تستغل هذه الموارد الاستغلال الذي يسد حاجات الشعوب العربية
من الإنتاج الزراعي؛ وبهذا يكون الاستعمار قد نجح في أن يكون الإنتاج الزراعي في الوطن
العربي متخلفًا على الرغم من توافر إمكانياته، لما يترتب على هذا من نتائج اقتصادية
واجتماعية وسياسية وأمنية.
وإذا ألقينا نظرة تحليلية على مساحة الوطن العربي البرية لوجدناها
1.3 بليون هكتار، وهذه المساحة تعادل 10.3% من مساحة اليابس من العالم
كله وهذه المساحة الكبيرة التي تمتد من المحيط الأطلسي غربًا إلى الخليج العربي شرقًا
يبلغ امتدادها نحو سبعة آلاف كيلومتر، أي ما يوازي سدس محيط الكرة الأرضية، وهذا يعني
أن مساحة الوطن العربي أكبر من مساحة القارة الأوروبية بكاملها وأيضًا أكبر من مساحة
الولايات المتحدة الأميركية، ولكن على الرغم من ذلك فإن جملة الأراضي المزروعة لا تتناسب
مطلقًا مع كبر مساحة الوطن العربي، وهي لا تزيد عن 3.8% من مجموع مساحة الأراضي العربية،
أما النسبة الباقية وهي 96.2% من مساحة الأراضي فهي لا تزرع بأي نوع من المحاصيل.
ومما يؤسف له أن مساحة الأراضي المزروعة فعلًا في الوطن العربي لا
تشكل أكثر من 8.3٪ فقط من الأراضي التي يمكن زراعتها، وهذا يعني أن نحو 91.7% من جملة الأراضي الزراعية
العربية لا تستغل ولا تزرع، وهذه الأرقام تبين الفارق الكبير الذي يترجم مدى التدني
الذي أصاب الإنتاج الزراعي في الوطن العربي بالمقارنة بالمعدل العالمي.
ناقوس الخطر يدق
ورغم خطورة الوضع والصورة القاتمة التي يظهر بها الإنتاج الزراعي
العربي إلا أن سبل الإنقاذ ما زالت مشلولة، والأصوات المنادية بالعلاج مازالت مبحوحة،
والأمر يزداد تدهورًا عامًا بعد عام، فقد كان العجز التجاري العربي فيما يتعلق بالمنتجات
الزراعية في أوائل السبعينيات 400 مليون دولار، ولكن هذا العجز ارتفع بشكل مخيف عام
1982 ليصبح 18.2 مليار دولار، ومن الملاحظ أن واردات العالم العربي من السلع الأساسية
والضرورية والتي لا غنى للشعوب عنها ترتفع بشكل مطّرد. فواردات القمح والسكر ارتفعت
من ٦,٦ مليار دولار إلى ۲۱٫۲ مليار دولار عام ١٩٨١، بينما
زادت الواردات من الأسماك ومنتجات الأخشاب اللازمة لمشاريع البناء من ٧,٢ مليار دولار
إلى 24.2 مليار دولار.
وعلى هذا فقد دق ناقوس الخطر محذرًا من أن مشكلة الزراعة إذا لم
تواجه بكل الإمكانيات والقدرات- وإذا ما استمر الحال على نفس النهج حتى سنة ٢٠٠٠- فإن
المواطن العربي لن يجد الطعام الكافي الذي سيشتريه؛ ذلك لأن الولايات المتحدة وأستراليا
وكندا وهي الدول التي كانت تنتج القمح كسلعة ضرورية بكميات كبيرة لم تتوسع في إنتاجها
الزراعي، بل إن العالم كله يواجه انخفاضًا الآن في إنتاج الغذاء في الأسواق الدولية؛
ولهذا فإن الاعتماد على القدرات الذاتية لدول الوطن العربي والتكامل فيما بينها هو
البديل الوحيد لمقاومة رياح أخطار الأزمات الغذائية التي يمكن حدوثها في ظل الوضع الزراعي
الراهن والمتدهور.
قرارات التأميم إسفین استعماری
أما في المجال الصناعي: فقد شهدت بعض الدول العربية
إبان نيلها الاستقلال بوادر نهضة صناعية شاملة قامت على سواعد أبنائها المخلصين، بحيث
تمكنت هذه الدول وخلال فترة قصيرة لم تتجاوز بضع سنوات من النهوض صناعيًّا؛ لدرجة أنها
باتت تصدر فائضها الصناعي لباقي دول العالم، لكن الدول الاستعمارية والتي تقسم العالم
فيما بينها في صورة احتلال غير حقيقي ولكنه مقنع تسعى جاهدة لإجهاض بوادر أي ثورة صناعية
في أي من الأقطار العربية والإسلامية، وذلك حتى تظل هذه الدول خاضعة للنفوذ الاستعماري،
ولكي تجد المنتجات الصناعية للدول الاستعمارية أسواقًا رائجة لها في هذه المنطقة.
ولهذا لا يألو الاستعمار جهدًا في أن يزج بعناصر غير وطنية إلى السلطة
في البلاد التي يريد أن يخضعها لنفوذه كي يتسنى له تنفيذ مخططاته بدقة، ولهذا فإن هذه
العناصر العميلة تصدر من التشريعات والقوانين المقيدة وقرارات التأميم ما يضع الخطط
الاستعمارية على أول السبيل الصحيح في تحقيق أهداف السيطرة الاستعمارية، وهو ما يزكي
روح التخلف في المجال الصناعي ويساعد على تقهقر عجلة الصناعة في المنطقة إلى الخلف.
من ناحية أخرى فإن المخططات الاستعمارية تضع في اعتبارها إشعال جذوة
العداء بين الأشقاء في المنطقة العربية والإسلامية، كما تعمل جاهدة على إذكاء الصراعات
التي تدور بالفعل؛ وذلك بغرض إيجاد سوق رابحة لترويج منتجاتها من الأسلحة، ثم لإضعاف
القوة العربية والإسلامية؛ لهذا فإن جميع التحركات العربية والإسلامية الرامية إلى
رأب الصدع في الصفوف ومحاولة الخروج من عنق الزجاجة المهدد بالانفجار في أي وقت، جميع
التحركات الرامية إلى ذلك تجد في طريقها العقبات التي هي في الواقع من زرع الاستعمار،
حتى لا تقوم للدول العربية والإسلامية قائمة، وحتى يظل الحال كما هو إما خضوع للشرق
أو للغرب، دون وزن للاستقلال الذاتي والسيادة الحتمية؛ وبهذا يضمن المستعمر فرض نفوذه
على المنطقة.
الرجوع إلى الله هو الحل
لكل هذا لا بديل من صحوة نعود فيها إلى الله وإلى أنفسنا، ونستيقظ
للمخططات من حولنا ونتلمس الطريق الصحيح؛ حتى نقضي على الهدف الاستعماري الشرير ونحافظ
على استقلالنا، ولا مفر من الاعتماد على النفس لدفع عجلة التنمية بعيدًا عن المعسكرات
وبمنأى عن الأحلاف والصراعات الكبرى، وإلا فالطوفان آتٍ والمصير مجهول والعافية وخيمة!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل