; لقاء سراييفو .. والخيار بين الحرب العادلة والسلام الجائر! | مجلة المجتمع

العنوان لقاء سراييفو .. والخيار بين الحرب العادلة والسلام الجائر!

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

مشاهدات 55

نشر في العدد 1070

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

السابع والعشرون من الشهر الفائت كان يومًا مشهودًا في سراييفو التي تابعت وقائع اجتماع ضم لأول مرة منذ اندلاع الحرب ما يقرب من أربعمائة من أرفع قيادات المسلمين السياسية والدينية والأكاديمية والعسكرية في البوسنة والهرسك، وذلك عبر المؤتمر الأول لما أطلق عليه «التجمع الإسلامي» والذي شكل مؤخرًا ليمثل منبرًا خاصًا بالمسلمين متميزًا عن القنوات السياسية الأخرى، والتي ينضوي تحتها أعضاء من القوميات المختلفة التي تعيش في البوسنة والهرسك.

وتنبع أهمية اللقاء من كونه أتى في منعطف تاريخي حاد يمر بالمسلمين في البوسنة والهرسك، وكان عليه أن يقرر قبل يوم من اجتماع برلمان البوسنة والهرسك موقف المسلمين النهائي من مشروع الاتفاق المطروح الذي ينص على تحويل الدولة البوسنية من جمهورية إلى اتحاد فضفاض من ثلاث جمهوريات شكلت على أسس قومية.

وعبر الجلسات العلنية التي شاركت فيها «المجتمع» وخلال الأحاديث الجانبية مع بعض القيادات الحاضرة، كان من الممكن رصد الاتجاه العام الذي تتجه إليه القيادة البوسنية، والذي يصب في خانة الرفض المطلق لمشروع القرار.

أما صيغ الرفض فقد تفاوتت؛ فالبعض كان يناصب العداء لفكرة أي مشروع يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تقسيم البلاد، في حين أن تيارًا آخر كان يسجل موافقته على مبدأ التقسيم على اعتبار أنه أقل الحلول المطروحة سوءًا شرط أن يكون ذلك التقسيم عادلاً، فيما كان يرى آخرون -يمكن القول- أنهم لا يمثلون ثقلاً حقيقيًّا وجوب الموافقة على أية أطروحات معروضة والقبول بها، وحجتهم في ذلك أن المشاريع التي تطرح على المسلمين تسير باطراد إلى الأسوأ، بمعنى أن المعروض الآن هو أسوأ من مشروع فانس وأوين، وهو كان أسوأ مما عرض من قبله وهكذا. ولقد كان مدهشًا أن أقصى درجات الرفض كانت تأتي من النواب والقيادات الآتية من أشد المناطق التي تعرضت لأهوال الحرب وخسارتها؛ من نواب جوراجدي وموستار ومدن الشرق الأقصى. وقد امتدت جلسات التجمع الإسلامي إلى وقت متأخر من مساء يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر سبتمبر، وللتواصل في صباح اليوم التالي يعقبها مباشرة جلسات برلمان البوسنة والهرسك التي انتهت ظهر اليوم التالي.

وأتت نتائج التصويت على مشروع القرار خلال جلسات التجمع لتؤكد بأغلبية تمثل 63.46% من المشاركين موافقتهم على مشروع الاتفاق شرط إعادة الأراضي التي كان المسلمون يمثلون فيها أغلبية سكانية وتعرضت لأعمال التطهير العرقي، في حين وافق 15.18% على مشروع القرار دون تحفظ ورفض 22.36% من المشاركين مشروع القرار بصورة مطلقة. أما البرلمان فقد أعلن سبعة من أعضائه رفضهم المطلق، وأربعة وافقوا دون تحفظ على المشروع، فيما صوت ثمانية وخمسون عضوًا على الموافقة بشرط إعادة كل الأراضي التي احتلت بالقوة «حتى ولو لم يكن المسلمون يمثلون فيها أغلبية».

وبذلك كانت النتائج الواقعية تقول إن البرلمان رفض لاستحالة تحقيق الشرط، وأن رفضه كان أقوى من رفض التجمع الإسلامي الذي طالب فقط بإعادة الأراضي التي كان المسلمون يشكلون فيها أغلبية.

لماذا نعم؟ ولماذا لا؟

ورغم سخونة أجواء المناقشة وحماس المشاركين إلا أن مشاعر الحيرة والاضطراب كانت حاضرة وغالبة؛ فالقرار مصيري ومن غير المسموح ارتكاب أي خطأ. وعبر الكلمة الجامعة التي ألقاها الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش وكلمات الأعضاء يمكن تبيان الأسباب التي تدعو إلى الرفض وتلك التي تدعو إلى القبول. أما الأسباب التي تدعو إلى الموافقة فهو الخوف من أن يكون مصير المسلمين هو الفناء، بعد أن غيبت القنابل الصربية قرابة مائتي ألف ضحية غير آلاف من الجرحى وأصحاب العاهات فضلاً عن المهاجرين واللاجئين الذين يتخوف من عدم عودتهم. والسبب الثاني الذي يدعو إلى الموافقة حسب الآراء التي ترددت في هذين المؤتمرين هو أن الحصار الصربي من ناحية والصدامات بين المسلمين والكروات في وسط البوسنة التي أدت إلى قطع طرق الإمدادات من ناحية أخرى يهددان باحتمال خسارة المزيد من الأراضي مما يضعف موقف الوفد المسلم في أي مفاوضات قادمة وتجبره على القبول بما هو أسوأ من الآن.

كما أن آمال التدخل العسكري من قبل العالم أو بعض الأصدقاء قد تبخرت تمامًا كما انتفى تمامًا احتمال رفع المقاطعة المفروضة على المسلمين لشراء أسلحة من الخارج. يضاف إلى ذلك أن عدد اللاجئين والمهاجرين يزداد كل يوم ولا ينقص، فيما فصل الشتاء يهدد بحدوث مأساة إنسانية أبشع من سابقتها في العام الماضي، وحيث كان هناك كميات احتياطية من الطعام والمحروقات. وفي هذا الصدد نوه الرئيس البوسني أن الضغوط الدولية وصلت إلى درجة التهديد بإيقاف المساعدات الإغاثية إلى البوسنة والهرسك بحجة أن الأعمال القتالية تحول دون توصيلها إلى مستحقيها.

هل هناك بارقة أمل

وفي مواجهة ذلك فإن هناك أسبابًا تدعو إلى الرفض القطعي، منها أن مشروع الاتفاق المطروح يقر بالتقسيم العرقي للبلاد، ويهدد بالتالي تفكك البوسنة والهرسك، كما أن الأراضي الممنوحة للمسلمين مطوقة إستراتيجيًّا من كل جانب ولا تتمتع بمقومات دولة قادرة على البقاء، يضاف إلى ذلك أن القدرات العسكرية والاقتصادية للعدوين الصربي والكرواتي في هبوط مضطرد ومعنويات جنوده في انخفاض، في الوقت الذي تزداد فيه قدرات الجيش البوسني بعد أن نجح في تشغيل عدة مصانع لإنتاج السلاح والذخيرة بشكل جزئي. وفي النهاية وضع الرئيس البوسني المشاركين أمام الخيار بين حرب عادلة وسلام غير عادل، ويمكن القول إن المشاركين صوتوا لصالح الحرب وإن جاء ذلك في صورة (نعم).

العناصر الأساسية للاتفاق المطروح

  • جمهورية البوسنة والهرسك تصبح اتحادًا يضم ثلاث جمهوريات يعترف بها دوليًا كدولة واحدة، فيما يتفق لاحقًا على جنسيتها وعلمها وشعارها وعاصمتها.
  • سيعتمد الاتحاد النظام الديمقراطي في الحكم، وتقسم سلطاته إلى ثلاث وحدات مستقلة هي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويحكم الاتحاد مجلس رئاسي مكون من ثلاثة أعضاء وبرلمان مكون من مائة وعشرين عضوًا وحكومة ومحكمة دستورية ومحكمة لحقوق الإنسان، ويتمتع الاتحاد بحرية النشاط السياسي وتوزع السلطات بين القوميات المختلفة بناءً على نسبها السكانية.
  • حدود الجمهوريات الثلاث مفتوحة، وتضمن حرية التنقل للمواطنين وللأموال والمعلومات وتتمتع الهوية الشخصية التي تصدرها كل جمهورية بفاعليتها ضمن الجمهوريات الأخرى التي يشملها الاتحاد.
  • الجمهوريات الثلاث التي تشكل الاتحاد ليست دولًا مستقلة إلا أنها تتمتع بمواصفات أكثر من تلك التي تتمتع بها الجمهوريات المكونة لأية فيدرالية، وكل جمهورية لها هويتها الخاصة وصلاحيتها وسلطاتها الدستورية والتشريعية والتنفيذية ضمن حدودها، كما أن لها شخصية عالمية محدودة وصلاحيتها في عقد الاتفاقات محدودة، ويحق لها الانفصال لكن ضمن شروط محدودة.
  • بالنسبة لمطلب الجمهورية المسلمة بالتحصل على منفذ على البحر الأدرياتيكي ونهر السافا فهناك ثلاثة حلول:

أ- الحصول على جزء من أرض شبه جزيرة كليك مع إمكانية استخدام طريق ستولاتس – نيوم.

ب- الحصول على منطقة حرة في ميناء بلوتشي التابع لكرواتيا تستأجره لمدة 99 سنة.

جـ - بناء مرفأ للجمهورية المسلمة على نهر النيرتفا عند منطقة (فيشينشا) التي تبعد 4 كيلو متر من ميتكوفيتشي مع حرية المرور ضمن نهر نيرتفا خلال كرواتيا.

  • بالنسبة لسراييفو وبلدياتها التسع «باستثناء بلدية بالي التي يتخذها الصرب معقلاً لهم» وكذلك مدينة موستار فتخضعان لمدة عامين تحت إدارة المجموعة الدولية، وبالنسبة لإدارة لسراييفو تحددها الأمم المتحدة، وإدارة موستار تحددها المجموعة الأوروبية على أن يتم التوصل إلى حل نهائي في شأنهما خلال هذين العامين.
  • تعقد أول انتخابات في هذه الجمهوريات خلال عامين من بداية تطبيق الاتفاق، وتكون تحت مراقبة الأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية، ويتم انتخاب جميع السلطات والبلديات بناءً على التوزيع النسبي للقوميات المختلفة، ويحق لكل الأحزاب المسجلة ممارسة نشاطها السياسي داخل الاتحاد شرط أن تكون برامجها وأنشطتها متوافقة مع دستور الاتحاد.
  • يتم حل كل التشكيلات العسكرية الموجودة وتُجَرَّد من أسلحتها.
  • توضع طرق المواصلات في البداية تحت مراقبة القوات الدولية، وحدد لذلك أحد عشر طريقًا بالإضافة إلى مطار سراييفو، والسكة الحديدية بين ميتكوفيتشي - دويوي - شامتس.
  • تشكيل لجنة عالمية لمراقبة احترام حقوق الإنسان في الاتحاد.
  • يشمل الملحق العسكري وقف جميع الأعمال القتالية والفصل بين القوات والإعلان عن عدد ونوع ومكان الأسلحة والوحدات العسكرية وانسحاب القوات كل إلى حدودها وسحب الأسلحة الثقيلة وتنظيف حقول الألغام.
  • بالنسبة للجدول الزمني للاتفاق العسكري فالمقترح:

1.    سبعة أيام لوقف إطلاق النار بالكامل.

2.    تسعة وعشرون يومًا لتحديد خطوط انسحاب الأسلحة الثقيلة وبداية إصلاح طرق المواصلات.

3.    من ثلاثين إلى ستين يومًا للانتهاء من انسحاب القوات والأسلحة الثقيلة.

  • يشمل هذا الاتفاق الوثيقتين الموقعتين بين المسلمين والصرب وبين المسلمين والكروات لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمعتقلين وحرية مرور القوافل الإغاثية.

هل تمتلك الجمهورية المسلمة المقترحة أسباب بقائها الاقتصادية؟

  • الكثافة البشرية على أراضيها ستكون أربعة أضعاف مثيلتها في الجمهوريتين الصربية والكرواتية المجاورتين.
  • في حالة عودة المهاجرين واللاجئين سيسكن في كل كيلو متر مربع للمسلمين 300 شخص، في حين سيسكن في الجمهورية الصربية 40 مواطنًا في كل كيلو متر مربع.
  • ستتحصل الجمهورية المسلمة على 25% من الإمكانيات السكنية التي كانت تتمتع بها جمهورية البوسنة والهرسك، وغالبية هذه الوحدات السكنية تم تدميرها بنسبة كبيرة، ولهذا سيكون في البيت الواحد ستة مواطنين في حين سيكون في الجمهورية الصربية المجاورة مواطنان.
  • مساحة الجمهورية المسلمة حوالي 29% من مساحة البوسنة والهرسك.
  • الثروات الطبيعية التي ستتميز بها: الغابات والفحم الحجري والأراضي الزراعية.
  • من مجموع الأراضي الزراعية الجيدة التي تتمتع بها البوسنة والهرسك التي تبلغ 816 ألف هكتار والصالحة لإنتاج الحبوب والغذاء ستحصل الجمهورية المسلمة على 6% فقط في حين سيحصل الصرب على 72%.
  • بالنسبة للغابات وإمكانية إنتاج الأخشاب فإن الدولة المسلمة سيكون بها حوالي 30% من المجموع الكلي.
  • ستتحصل الدولة المسلمة على 22% من الطاقة المائية الصالحة لإنتاج الكهرباء.
الرابط المختصر :