العنوان معانٍ تربوية في أسماء السور القرآنية.. (2): الأنعام والأعراف
الكاتب أ. د. محمد بديع
تاريخ النشر السبت 17-أكتوبر-2009
مشاهدات 61
نشر في العدد 1873
نشر في الصفحة 48
السبت 17-أكتوبر-2009
هذه خواطر ملكت علي نفسي في ظروف صعبة وساخنة قال عنها الأستاذ سيد قطب يرحمه الله «إن هذا القرآن نزل في جو ساخن ولا يفهم إلا في مثل هذا الجو الساخن الذي نزل فيه»..
عشت مع أسماء سور القرآن الكريم كعناوين لدروس تربوية لابد من تدبرها والانتفاع بها في واقع الأمة لأن هذا القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه معجز في كل جانب تنظر فيه، والجانب التربوي يؤكد المهمة الأولى والأساسية التي نزل من أجلها القرآن ليصنع الفرد المسلم، والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، والأمة المسلمة على عين الله عز وجل، وذلك بالتزام القرآن والسنة اللذين إن تمسكنا بهما لن نضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا.
- الأنعام أسلوب تربوي جميل لمنهاج حياة يعيش به المسلم شاكرًا لله لما فيه من نعمة وعافية وستر
- الأعراف تذكير بالجنة والنار والحسنات والسيئات والدقة والعدل في الموازين الربانية يوم القيامة
وسأحاول بعون الله وتوفيقه أن أناقش أسماء سور القرآن الكريم، ولماذا سميت بهذا الاسم؟ ولماذا أسماء بعض سور القرآن الكريم؟ وهل لذلك من آثار تربوية؟ وسوف نتناول في هذا المقال سورتي الأنعام والأعراف.
سورة الأنعام:
الأنعام اشتقاق لغوي جميل، وكذلك النعم، والنعم هي الأفضال من جزيل النعمة ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾(النحل: الآية 18)، فما لنا بنعم الله. فهل تصورنا وتخيلنا كم يدفعنا القرآن دفعًا حتى لا نعتبر النعم الدائمة حقا مكتسبا، يقول لنا القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إلهُ غَيْرُ الله يأتيكم بضياء أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ (القصص: الآية 71 )، مجرد هذا الأسلوب من التفكير يكسر الإلف والعادة ويمنع الغفلة عن النعم الدائمة، ويدعو الإنسان إلى الشكر، ويوقظ القلب والعقل والتخيل ماذا سيكون الحال إذا فقدنا النعمة الموجودة؟
وهذا أسلوب تربوي جميل بل منهاج حياة يدلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: «اللهم إني أصبحت - أمسيت - منك في نعمة وعافية وستر» اعتراف بالموجود من نعم الله وفضله لأشكره عليه قبل أن أطلب المفقود، فأتم على نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة»، ليس كل طلباتنا دنيا زائلة، ولكن يعلمنا أيضًا عليه الصلاة والسلام أن نقرن طلباتنا من خيري الدنيا والآخرة.
فلو تخيلنا دنيانا هذه بغير الأنعام التي منها طعامنا وشرابنا ومنها بيوتنا ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ ظَعْنكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ وَاللهِ﴾، ومنها كساؤنا ﴿وَمِنْ أَصْوَافَهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)﴾ (النحل: الآية 80 )، وأثاثنا ومتاعنا ومن جلودها أحذيتنا والغذاء متنوع لا يغني عنه غذاء آخر أبدًا ..
لحوم، وألبان وأجبان، ودهون واللبن شراب سائغ فيه بركة، وكامل العناصر الغذائية والصوف والوبر والشعر والمنسوجات ولنا فيها منافع أخرى كثيرة؛ لذلك سبق عبدالله بن عباس رضي الله عنهما هذا العصر الحديث بخمسة عشر قرنًا عندما قال لنا : «ثوروا القرآن».. أي أثيروه لتستخرجوا كنوزه قبل أن يحدثنا أهل الغرب حديثا عن العصف الذهني، كانت هذه تربية عبدالله بن عباس رضي الله عنهما لأصحابه ولنا ؛ حتى تنتبه عقولهم وتقدح زناد أفكارهم.
سورة الأعراف:
الأعراف جبل بين النار والجنة يقف عليه أناس تساوت حسناتهم بسيئاتهم فلم يستطيعوا دخول الجنة بذرة حسنة واحدة تضاف لتثقل ميزان الكفة اليمنى، ولم توجد ذرة سيئة واحدة تذهب بهم إلى النار، وهذه غاية الدقة والعدل في الموازين الربانية.
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء: الآية (47))، إذن اسم الأعراف لمن لم يعرفه يثير الخوف والرعب من هذا الموقف الرهيب بين الجنة والنار يرى الاثنين، ويتعرف عليهما وقد عرف كل مصيره، ولكن هذا الانتظار القاتل كم سيبقى؟ وقد يطول، ولكن الأخطر والأخوف إلى أين سينتهي؟ والأمر متعلق بمشيئة الله فقط، وقد انتهى الحساب وهم يطمعون في ذرة تضاف هنا وهناك، ويصور القرآن هذا المشهد تصويرًا يهز النفوس البشرية ولا أعمق من هذا : ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ (سورة الأعراف: الآية 46).
وتأمل أخي هدانا الله وإياك هذا اللفظ : ﴿ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ألا ترى الشوق والأمل والأماني تنطق بين حروفه؟ وأكمل الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)﴾ ، أرأيت هذه الحالة النفسية؟ ثم انقل قلبك وبصرك للآية التالية: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَالِمِين (47)﴾ (الأعراف: الآية 47)، هل توقفت معي أمام هذا الفعل المبني للمجهول؟ لماذا؟ لأنهم لا يرغبون أن ينظروا هناك فهم يعرفون ماذا يعني النظر إلى الجهة الأخرى إذا صرفت أبصارهم، ومن العجيب أن نسمع الحديث عن الجنة والنار بأفعال الماضي ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾ (الأعراف: الآية ٤٨)، ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ (الأعراف:الآية ٤٤)، فبماذا تحس من أثر هذه الكلمات؟ لا شك أنها تعمق اليقين بيوم الدين والجزاء، فالفعل الذي لم يحدث رغم مرور أكثر من ١٤ قرنًا ولم يحدث بعد يحكي عنه القرآن أنه حدث ومضى، فهل بعد ذلك من يقين ترسخه آيات الذكر الحكيم في قلب المؤمن صادق الإيمان بوعد رب العالمين؟
المسارعة للحسنات:
فيا من تقرأ سورة الأعراف الآن إنك ما زلت في الدنيا، ويمكن أن تهزم شيطانك وتحطم كسلك وقعودك، وتسارع إلى كسب الحسنات التي قد تحتاج ذرةً واحدةً منها يوم القيامة لتنجو من الوقوف على الأعراف والله لأدري بماذا تكسب ذرة الحسنة، إن التسبيحة أو التحميدة الواحدة لتملأ ما بين السماء والأرض، إذا لا تضيع آلاف الأطنان من الحسنات في الدنيا ثم تتحسر يوم القيامة لحظة الأعراف على مثقال ذرة حسنة واحدة وها هي السيدة عائشة رضي الله عنها تعلم المسكين الذي تعجب من حالها وهي تدفع إليه ثمرة واحدة فقالت له: «كم فيها من ذرات!» ويحضرني حديث آخر جميل وكل أحاديثه جميلة وهو الذي بأمته رؤوف رحيم، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته»(رواه الترمذي ومسلم).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأعدت له الدرجة العالية الرفيعة والمقام المحمود قال: وما أنا بأغنى عن الأجر منكما، فهل أنت أغنى من رسول الله ؟ هيا قم وسارع نجانا الله وإياك من غضبه وسخطه ومن نار جهنم بل ومن الوقوف على الأعراف.