العنوان المجتمع التربوي ( 1874)
الكاتب أ. د. محمد بديع
تاريخ النشر السبت 24-أكتوبر-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1874
نشر في الصفحة 50
السبت 24-أكتوبر-2009
معان تربوية
في أسماء السور القرآنية.. (۳)
بقلم: أ. د. محمد بدیع: ينشربالترتيب مع موقع إخوان أون لاين
هذه خواطر ملكت علي نفسي في ظروف صعبة وساخنة قال عنها الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: إن هذا القرآن نزل في جو ساخن ولا يفهم إلا في مثل هذا الجو الساخن الذي نزل فيه..
نعيش مع أسماء سور القرآن الكريم كعناوين لدروس تربوية لابد من تدبرها والانتفاع بها في واقع الأمة، وسأحاول بعون الله وتوفيقه أن أناقش أسماء سور القرآن الكريم، ولماذا سميت بهذا الاسم؟ ولماذا أسماء بعض سور القرآن الكريم؟ وهل لذلك من آثار تربوية؟
الأنفال والتوبة
سورة الأنفال
مشكلة «الأنفال».. وكيف عالجها القرآن الكريم:
إن مشكلة الأنفال، هي المشكلة المتكررة في الصراع على متاع الدنيا في كل وقت وحين، حتى ولو بين المجاهدين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولو بعد حدوث النصر المبين وهزيمة المشركين، يمكن أن تشغلنا الدنيا ونختلف عليها وتسوء في النزاع عليها أخلاقنا كما حدث، فنزلت سورة الأنفال: تنازعنا أنفال بدر حتى ساءت فيها أخلاقنا فأنزل الله عز وجل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ (الأنفال: 1)، فكيف كان علاج القرآن بتربيته للصحابة في هذا الموقف العصيب؟ لقد جاء الرد والعلاج حاسمًا ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الأَنفَالِ قُل الأَنفَالُ لِله وَالرَّسُول) (الأنفال: 1)، إغلاق باب
الخلاف وسحب المسألة كلها، وردها إلى الله ورسوله، ثم تبدأ جرعات العلاج، أتدرون ما سبب الخلاف؟.. إنه حب الدنيا، إنه نسيان فضل الله وأصلحوا ذات بينكم فهو أهم وأخطر، ففساد ذات البين هي الحالقة التي
تحلق الدين ثم قيسوا أنفسكم على صفات المؤمنين ينفقون ويضحون يتحابون، لا يطمعون، لا يبخلون لا يتباغضون ثم تعالوا لنرد الفضل إلى صاحبه سبحانه وتعالى. ما أصل هذه المعركة التي أثمرت هذه الغنائم التي اختلفتم عليها وتنازعتم؟ هل كنتم أنتم الراغبين في الحرب؟ ألم تكونوا کارهين؟ كيف جاءكم النصر، أليس من عند الله؟ فعلام الخلاف ولا فضل لكم في شيء؟ وبعد ٤٠ آية من نفائس التربية الإيمانية القرآنية الغالية التي تهز القلوب وتطهر الأرواح وتزكيها، جاء الرد بتوزيع الغنائم ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَمْتُم مِّن شَيْءٍ ﴾ (الأنفال: ٤١)، أتدرون ماذا فعل الصحابة الذين كانوا يقتتلون على الغنائم؟ لقد رفض بعضهم أخذ نصيبه الذي قسم له من الغنائم بعد أن وعى الدرس واغتنى قلبه ولو افتقرت يداه وهذا هو الحل الجذري لكل مشكلات الدنيا المادية.
اترك المشكلة، وارجع إلى الأصل، فهذه صفات المؤمنين التي تدخل بها الجنة؟ عندها ستجد الجواب وتجد الحل لكل الصراعات الدنيوية المادية.
سورة التوبة
حلاوة هذا اللفظ وهذا الاسم الذي سميت به السورة التوبة، أي الرجوع إلى الله بعد الضياع وحلاوة الطمع في كرم الله بالمغفرة بعد الوقوع في الذنب فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (رواه الترمذي بسند صحيح)، فكل من تخافه إذا أخطأت في حقه تهرب منه إلا الله عز وجل، إذا أخطأت في حقه وخفت منه فررت إليه فإنك لا تستطيع أن تفر منه ﴿فَفِرُوا إلىّ الله﴾(الذاريات: ٥٠).
هذا الاسم نبحث عنه في السورة، ونجد أن التوبة التي تشرف بها الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، ذات العسرة سعدوا بها أيما سعادة، بل وضرب الله بهم مثلًا في الصدق والعودة المخلصة لله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)، وإن كنت أحيل حضراتكم في قصة الثلاثة الذين خلفوا إلى شرح أي حديث أو تفسير للآيات القرآنية لنعرف قصتهم وتنفذ أمر الله بأن نكون معهم ومثلهم، ولكني التقط بعض الآثار التربوية والعبر من قصتهم بما يناسب المقام.
الاعتراف بالخطأ
«الأنفال» رمز للصراع المزمن والمتكرر على متاع الدنيا والانشغال بشؤونها في كل وقت وحين.
«التوبة» دعوة مفتوحة ومستمرة للرجوع إلى الله بعد الضياع.. وحلاوة الطمع في كرمه ومغفرته
أولًا: الاعتراف بالخطأ بل القسم لإدانة الذات «والله يا رسول الله ما كنت أيسر حالًا مني يومها، ولكني كنت أقول: غدًا أخرج أو بعد غد أخرج»، «لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا فأنا رجل ذو لسان، ولكني خفت
إن قلت غير الحق أن يفضحني الله».
ثانيًا: سبب التخلف سبب عن الغزوة حيل وخطوات الشيطان وتلبيس إبليس مستغلًا الشهوات أو الشكوك والشبهات فهو الذي وسوس لكعب بن مالك بأنه يمكنه غدًا أن يخرج ويلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وركب المجاهدين معه، ويمكن بعد غد أيضا، ولكن جاء له بعد التسويف بحيلة هي عكس الأولى، فجاء بالشيء ونقيضه وزينه وقبلت النفس الراغبة في القعود بالتبرير، فقال له: الآن لا تستطيع أن تلحق بهم، وبلع الطعم وقعد فإياكم والتسويف في عمل الخير، فإن الموت يأتي بغتة، كما حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
صبر الثلاثة
ثالثًا: صدق التوبة ظهر بجلاء ووضوح في صبر الثلاثة على عقوبة المجتمع المسلم لهم تأديبًا. مع حبه لهم، كما ظهر بعد توبة الله عليهم، هل تتصور مقاطعة تستمر لمدة اثنين وخمسين يوما من كل الصحابة حتى الزوجات، فضلا عن عدم مخاطبتهم لهم؟ رابعا: الفرحة بالتوبة عند المذنب الراغب في التوبة بصدق، وهل قتل الرجل الراغب في التوبة بعدما قتل تسعا وتسعين نفسا، هل قتل عابد بني إسرائيل إلا لأنه أغلق دونه باب التوبة وهو حريص ومُصرّ عليها مهما حدث؟ وأما بقية أسماء السورة التي تناولت قضية المنافقين الفاضحة - الكاشفة. فكما أنها شرفت التائبين باسم التوبة كشفت المنافقين بصفاتهم ومنهم... ومنهم... ومنهم، ولهذا فالحرص الحرص على التوبة والبعد البعد عن كل صفات المنافقين فيكفي أن يُقسم الناس في أول سورة البقرة: (ثلاث آيات للمؤمنين وآيتان للكافرين، وثلاث عشرة آية للمنافقين).
كيف تربي الثلاثة الذين خلفوا؟
على مائدة القرآن ومأدبته، نجلس نحن الجوعى الغذاء الروح والعطشى لنبع الوحي الصافي لنتغذى ونرتوي كما فعل سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، حتى المخطئون منهم ثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك في وقت شدة وحر وانشغال بالدنيا؛ فعاشوا في هم
وغم طيلة سفر الغزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد زادت على الشهرين ذهابا ومكنا وعودة من حدود الروم مع الجزيرة العربية، فما تمتعوا ولا فرحوا بهذا القعود مع أهليهم وزوجاتهم وأولادهم وأموالهم لأن فيهم إيمانا، ولهم ) نفس لوامة تؤنبهم على الخطأ فتتغص عليهم لذة الدنيا إذا كانت في ظل المعصية، بينما غيرهم يجمع الحسنات، ويتحمل المشقات حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نصرة لدين الله، بل ودفاعا عنهم هم أنفسهم.
ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام بما نالوا من أجر وثواب زادت الحسرة في نفس الثلاثة الذين تخلفوا حتى تنكرت لهم الأرض التي يمشون عليها وإخوانهم وزوجاتهم، بل وضاقت عليهم أنفسهم فما الذي جنوه من التخلف عن الغزوة إلا الهم والنكد والضيق وضياع الأجر؟ بل الخوف والرعب من عدم قبول التوبة، ولكن هذه الأيام والليالي الاثنين والخمسين مدة المقاطعة لم يستطع الشيطان أن يهزمهم فيها، بعد أن صدقوا العزم على التوبة وتحملوا العقوبة من الله ورسوله كي يتطهروا من ذنوبهم، ولم يتمادوا في الخطأ والتمسوا لأنفسهم العذر أن أهليهم الصحابة لم يعاملوهم معاملة طيبة، وتنكروا لهم وكأنهم لا يعرفونهم.. فما الذي يجبرهم على تحمل ذلك؟ وكان الاختبار الذي أرسله الله لكعب بن مالك على يد ملك الغساسنة، وقال له الحق بنا نواسك وقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان، فقال: هذه أيضًا من الفتنة.. وهكذا نجحوا في الامتحان ونزلت التوبة من السماء في خير يوم طلعت عليهم فيه الشمس يوم التوبة النصوح وقبول العمل، ثم التنبيه على كل المؤمنين أن يكونوا أمثال هؤلاء في الصدق الله حتى ولو أخطؤوا فإنهم من خير الخطائين وهم التوابون، وهؤلاء خير بني مع آدم.
احذر أن تقعد عن فرائض الله حتى لا تكون من الذين يثبطهم الله ويكره انبعاثهم في الخير.
القعود عن الفرائض
اسمع أخي هداك الله - إلى أصل القضية: إن من يقعد عن أداء فرض ويفرح بذلك سيجد نفسه مع من قال الله عز وجل فيهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ ﴾(التوبة: ۸۱)، أي من يقعد عن تنفيذ فرائض الإسلام والدعوة لا يظن أنه ربح أو استفاد أو استراح، إن عقوبته أن يحرم من شرف الخروج مرة أخرى كي يفهم حقيقة الأمر، وإن الخروج للطاعة مكسب والقعود خسارة، وإلا لكانت العقوبة أن يخرج رغما عنه في المرة القادمة.
وهنا ملحوظة عجيبة، أن هؤلاء لا يقولون: إنهم أرادوا القعود أو عدم الجهاد ولكنهم سيبررون لأنفسهم وللناس سبب القعود بأن الجو كان حارًا والأفضل أن نخرج في وقت غير هذا حرصًا على الجهاد وأفضل وأنجح، بينما القرآن يفضح حقيقة أمرهم في قول الله عز وجل عنهم إخراجًا لمكنون ما في نفوسهم، وإخراجًا لضغائنهم بفرح – وكرهوا، أحاسيس قلبية قبل أن يخبرنا بما قالوا وهو ما ظهر لنا وما يسمعه الناس، فهو سبحانه عليم بذات الصدور يفضح المنافقين في سورة الفاضحة (التوبة)
رسائل المحبة من القلوب المحبة (۹)
إلى أختي في الله.
إيمان مغازي الشرقاوي
- خلق الله المرأة وحفظ لها إنسانيتها باختلافها عن الرجل ونأى بها أن تكون مشاعا فهما يتكاملان ولن يتساويا.
هذه رسائل محبة نبض بها قلبي مشاعر حب، وترجمها لساني كلمات ود، وأملاها على قلمي البسيط فسطرها بمداد الأخوة وزرعها على أرض الورق حروفًا لتثمر علمًا وعملًا.. هي رسائل أود أن تصل إلى أعماق النفوس عبر أثير الحب في الله، وأن تدخل كل بيت عبر أشعة النور في أرجاء كونه الشاسع، علها تجد طريقا إلى قلب القلوب.
إنها رسالة حب أرسلها لكل من يقرؤها مغلفة بمشاعر فياضة لا تقدر، وحب عظيم في الله عز وجل لا يساويه حب، وأخوة رفيعة القدر لا توزن بمال، ولم لا، وقد جعلنا الله تعالى جميعا كالنفس الواحدة والجسد الواحد، وحثنا أن يكون كل منا مرآة لأخيه يرى فيها وجهه الآخر ويلتمس من خلال النظر إليها محاسنه وعيوبه، فما يجمل أحدنا هو جمال للآخر، وما يعيبه إنما في الحقيقة يعيب الآخر كذلك، لأننا جميعًا إخوة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )(الحجرات: ۱۰).
وكما قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (مسلم). لذا فإنني أود ممن يقرأ رسالتي هذه أن يقرأها من جانب الحب الذي يغلفها، وأن يحسن قراءتها، ويحسن الظن بمن كتبتها، والأحسن من هذا وذاك أن ينتفع بما فيها من لمسات المحبة التي تدعو قارئها للارتقاء في العمل والوصول به إلى أعلى الدرجات، وهي أولًا وأخيرًا رسالة حب!
ها أنا إليك أسوقها..: فسم الله تعالى عند قراءتها واستحضري النية الخالصة لها، ثم انظري بعين قلبك وعقلك لمحتواها وحروفها، وأصغ سمعك المضمون كلماتها، ولا تملي أختاه أو تسامي لطول سطورها، فهي كما قلت لك من قبل إنها رسالة حب.. وها أنا إليك أسوقها ﴿وَذَكَرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾(الذاريات: 55).
أختي الحبيبة.. حين خلق الله تعالى المرأة حفظ لها إنسانيتها وجعلها مختلفة عن الرجل ونأى بها أن تكون مشاعا بين الجميع، وهذا ما لا يدركه الكثيرات من النساء في هذه الأيام حيث ترتفع الأصوات ويزداد لغطها وصخبها، وتجري صويحبات تلك الأصوات المخدوعة مناديه بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة وما ذاك إلا من تلبيس إبليس نعوذ بالله تعالى منه، لكن المرأة المسلمة المكرّمة من فوق سبع سماوات المتعالية بدينها الفخورة به، لا تغريها تلك النعرات ولا تنساق وراء كل ناعق فقد كفل الله تعالى لها حقها من قبل أن تولد وإلى أن تموت وإن كان البعض لا يعلم ذلك، وهو إن علمه فقد يفهمه فهما خاطئا، فاته فيه أن المرأة إنما تكمل الرجل والرجل يكملها، ولن يتساويا بأية حال، لا شكلا ولا صفة ولا وظيفة.. ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ ﴾ (آل عمران: ٣٦)
أنت بحجابك كالدرة المصونة...
- الفتاة المسلمة درة مصونة لا تطالها أيدي العابثين ما دامت داخل صدقتها تحتجب فتظل متميزة في كل أمرها.
- الحجاب عبادة لله وما عليك إلا الطاعة وليس من الضروري معرفة أسرارها فالأصل أنها تؤدى امتثالًا لأمره جل وعلا.
- لباس المرأة الشرعي ما يغطي سائر الجسم سوى ما ظهر منها ولا يصف ولا يشف ولا يختص بالرجال أو بغير المسلمات.
ومن أجل ذلك التكريم شرع الله تعالى للمرأة المسلمة ما تتميز به عن الرجل في لباسها وكذلك عن غيرها من بنات جنسها من غير المسلمات فهي كالدرة المصونة التي لا تطالها أيدي العابثين ما دامت داخل صدقتها تحتجب ليس هذا فحسب، بل إنها متميزة في كل أمرها، في مشيتها وكلامها في حركاتها وسكناتها، في زينتها وخمارها بل في لباسها كله وحجابها، حيث إن ذلك اللباس نزل في قرآن ربها عز وجل، ووصفه لها رسولها صلى الله عليه وسلم، ورأته بعين قلبها على زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن - خير النساء وهن خير قدوة لها من نساء الأرض جميعا، هذا اللباس المميز له شروط بينها العلماء عند تفسيرهم لآيات الحجاب التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، إذ اهتم القرآن بذلك الأمر - أمر لباس المرأة المسلمة - ولم يتركه الله تعالى لهوى النفوس ولا لشهواتها، لكنه عز وجل وهو سبحانه أعلم بالمرأة والرجل شرع لنا ما يصلحنا، فأنزل ذلك في كتابه الكريم، فقال لنبيه: ﴿يَا أيّهَا النبّي قلْ لأزوَاجك وبناَتْك ونسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذلك أَدْنَى أَن يُعْرَفَنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 59)، وبين أحكام زينة المرأة فقال: ﴿وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ منها وَلْيَضْرِ بْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زينتهن إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو أبناء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إخوانهن أو بني أخواتهنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم: عَلَى عَوْرَات النساء ولا يضربن بأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى الله جميعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(النور: 31).
ولست الآن بصدد بيان معنى هذه الآيات أو تفسيرها، وإنني أود فقط أن ترجعي إلى كتب التفسير بنفسك وإلى شيوخنا الأجلاء التعلمي المعاني الجليلة التي تضمنتها كل آية، لتتبعي علمك بعد ذلك بالعمل الخالص لوجه الله دون تأجيل أو تسويف، ودون تقديم مبررات لتأخرك وتقدم المتسابقات من حولك وأنت واقفة تنظرين.
الحجاب.. عبادة
قد نتهاون في أمر اللباس أو نعتبره أمرًا ثانويًا لا تضييق فيه على المرأة فعليها أن تختار ما تلبس وأن تلبس ما تشاء دون قيود أو ضوابط، وربما نظر البعض للحجاب على أنه من باب التزمت والتشدد، وهذا وهم وخطأ، إذ إن الحجاب عبادة، وكل عبادة لها ضوابطها وشروط عملها وقبولها، وهذا هو ما دفعني لكتابة هذه الرسالة، خاصة بعد انتشار بعض المفاهيم الخاطئة عن الحجاب والمحجبات، ومع تغير الحجاب شكلًا ومضمونا، وظهور التكلف فيه حتى أصبح يشكل عبئًا هو الآخر على اقتصاد بعض الأسر لفقده سمة البساطة في صنعه، والتواضع في ثمنه، بالإضافة إلى فقده معظم الغرض من يعجب ارتدائه فهو ما كان حجابًا إلا لأنه عورة المرأة عن العيون، ويحجب قلبها عن الشر، وجوارحها عن السوء، ويحجب المجتمع من المفاسد وقد جاءت شريعة الإسلام تدعو إلى درئها قبل وقوعها حفاظًا على المصلحة العامة، ولا شك أن الحجاب بضوابطه الشرعية بدرأ الكثير من المفاسد عن المرأة نفسها أولا، وعمن حولها في محيط أسرتها ومجتمعها العائلي الصغير، ثم عن المجتمع كله بعد ذلك، لذا فقد فرضه الله تعالى عليها فرضًا لا اختيار لها في قبوله أو رده وأمرها بالالتزام دون تسويف أو تردد، وهذا واجب في كل أمر رباني، لذا فإنه سبحانه ينبهنا ويدعونا إلى الاستجابة لأوامره ويحذرنا من عاقبة العصيان أو التمرد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
وعلى ذلك، فإن المرأة المسلمة تلتزم بالحجاب تعبدا لله وطاعة، وإن شق عليها ذلك في حالات ضيقة فعليها الصبر والثبات فإن الجنة حفت بالمكاره وطريق النار محفوف بالشهوات، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا، فقد تناول علماء الإسلام في مختلف العصور والأزمان موضوع حجاب المرأة المسلمة باهتمام كبير، ووضعوا له الضوابط والشروط التي استنبطوها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وسأذكر لك مثالًا واحدًا من هؤلاء العلماء وقد عرف باتباع منهج الإسلام في الوسطية والتيسير، إنه فضيلة الشيخ العلامة د. يوسف القرضاوي حفظه الله فاستمعي معي إليه وهو يقول: وقد حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصف وما يشف عما تحته من الجسد ومثله ما يحدد أجزاء البدن وبخاصة مواضع الفتنة منه... وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، (رواه مسلم).
أوصاف اللباس الشرعي
وها أنا ألخص لك أختي خلاصة ما قاله شيخنا الجليل، فقد بين أن اللباس الشرعي هو الذي يجمع أوصافًا عدة، منها:
1- أن يغطي جميع الجسم، عدا ما استثناه القرآن في ما ظهر منها وأرجح
الأقوال أنه الوجه والكفان
٢ - ألا يشف ويصف ما تحته، وألا يحدد أجزاء الجسم ويبرز مفاتنه، وألا يكون رقيقا شفافًا كتلك الثياب التي رمتنا بها حضارة الجسد والشهوة - أعني الحضارة الغربية. التي يتسابق مصممو الأزياء فيها في تفصيل الثياب التي تبرز تفاصيل الجسم بصورة تهيج الغرائز وتثير الشهوات الدنيا فلابساتها كاسيات عاريات، وهي أشد إغراء وفتنة من الثياب الرقيقة الشفافة.
3- ألا يكون مما يختص بلبسه الرجال وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهات من النساء بالرجال، كما لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ونهى المرأة أن تلبس لبسة الرجل والرجل أن يلبس لبسة المرأة.
5- الا يكون لباسًا اختص بلبسه النساء غير المسلمات، فإن قصد التشبه بهؤلاء فهو محظور في الإسلام الذي يريد الرجال ونسائه التميز والاستقلال في المظهر والمخبر، وقد قال: من تشبه بقوم فهو منهم (أبو داود).
٦- أن تلتزم مع هذا اللباس الوقار والاستقامة في مشيتها وفي حديثها، وتتجنب الإثارة في سائر حركات جسمها ووجهها، فإن التكسر والميوعة من شأن الفاجرات لا من خلق المسلمات قال تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرضْ﴾ (الأحزاب: ۳۲).
7- ألا تتعمد جذب انتباه الرجال إلى ما خفي من زينتها بالعطور أو الرنين أو نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ من زيَنتهنّ﴾. فقد كانت المرأة في الجاهلية حين تمر بالناس تضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها فنهى القرآن عن ذلك لما فيه من إثارة لخيال الرجال ذوي النزعات الشهوانية ولدلالته على نية سيئة لدى المرأة في لفت أنظار الرجال إليها وإلى زينتها ومثل هذا الحكم ما تستعمله المرأة من ألوان الطيب والعطور ذوات الروائح الفاتحة لتستثير الغرائز وتلفت انتباه الناس إليها، وفي الحديث: المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا، يعني زانية (أبو داود). هذا ملخص كلام الشيخ.. القرضاوي. وقد أضاف بعض العلماء على تلك الشروط شروطًا أخرى، مثل: ألا يكون الثوب نفسه زينة، وهذا طبيعي فليس من المعقول أن نستر الزينة بزينة أخرى وألا يكون لباس شهرة، وهي التي من شأنها أن تثير الفخر والمكاثرة والمباهاة بين الناس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة (رواه أحمد).
وأخيرًا.. عليك أن تعلمي أن الحجاب عبادة، والأصل في العبادات التعبد، وما علينا إلا الطاعة فيها لمن شرعها سبحانه وتعالى والامتثال لمن أمر بها وليس من الضروري معرفة أسرار كل عبادة أو الحكمة منها أو الغرض من شكلها أو كيفيتها فالأصل أنها تؤدى امتثالًا لأمر الله تعالى، وأنها ابتلاء العبودية الإنسان لربه، إذ يبتلينا بما لا تعلم سره من التكاليف، وهو سبحانه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: 23).
وسواء علينا أعرفنا الحكمة منها أم لم ندركها فإنه سبحانه وتعالى جعل في شرعه لنا الخير كل الخير وفي هذا يقول الإمام ابن القيم يرحمه الله: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكمة ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها. ومصالح كلها، وحكمة كلها.
قفي أختاه وقفة جادة مع نفسك..
لباس المرأة الشرعي ما يغطيسائر الجسم سوى ما ظهر منها ولا يصف ولا يشف ولا يختص بالرجال أو بغير المسلمات.
أختاه.. انظري لنفسك بالله عليك لتعرفي هل تنطبق هذه الشروط والمواصفات على ما تلبسين من ثياب؟ أمام غير المحارم من الرجال، ثم أجيبي بصدق على تلك التساؤلات واستحضري نظر الله تبارك وتعالى إليك:
- من الذي أمرك بالحجاب؟ ولماذا أمرك به؟ وما سر اهتمام القرآن الكريم وكتب الفقه والدين بمسألة اللباس؟ وما هو مفهوم الحجاب عندك.. هل هو مجرد غطاء للشعر فقط، ولأليس معه ما أشاء؟
- هل لنا العذر في التخلي عن تلك الشروط متى يحلو لنا؟ وما رأيك في الموديلات الجديدة للجلباب في هذه الأيام بما فيه من تطريز وزخارف براقة وزينة لافتة للنظر وتكلف وضيق؟
- هل للأفراح والأعراس لباس خاص تلبسه المرأة المسلمة تختلف شروطه عن تلك الشروط؟ أم أن الحجاب هو الحجاب في أي وقت ولاية مناسبة؟ وأقصد بالأفراح هنا الأفراح المختلطة التي يكون الرجال فيها والنساء في مكان واحد يرى بعضهم بعضا. - هل يجوز لي أن أتغاضى عن تلك الشروط لأجل الناس، والموضة والمناسبات والتيار السائد، أو حتى أتزوج؟
هل الماكياج، وأحمر الشفاه يتناسب مع شروط اللباس الشرعي؟ وهل الشعر العاري أكثر إغراء أم الشفاه المحددة الملونة الحمراء؟ وهل غطاء الشعر بحجاب قصير لا يغطي الرقبة والصدر مع الغلو والتكلف في زينته، ينطبق على الشروط المذكورة؟
- هل اتخاذ المرأة من البنطال الضيق والبدلة (الجاكيت) القصير لباسا لها عند الخروج من المنزل داخل ضمن مواصفات اللباس الشرعي لها؟ ولا يخفى علينا أنه يجسم جسد المرأة أثناء حركتها ومشيتها وجلوسها، خاصة إذا كانت البدلة قصيرة لا تغطي الركبة.
- هل يتفق ربط بعض فتياتنا ملابسها حول خصرها وجسدها؟ وهل ارتداء الملابس الضيقة التي تحدد الصدر والعورة يتفق واللباس الشرعي الذي يريده الله؟ وما هو دور أولياء أمورهن من الآباء والأمهات تجاه ذلك؟
- هل يؤدي حجابك دوره الحقيقي فيصونك عن المزاح مع الرجال الأجانب، أو الضحك والحديث معهم بلا حدود وتحفظ الشباب وهل يمنع الفتيات عن الصداقة. مع بطريق مباشر - في الجامعة مثلا - أو غير مباشر كما يحدث على النت والمحمول أم أنه مجرد غطاء للشعر وكفى؟
- هل ربط حجابي - غطاء الشعر - للوراء خلف رقبتي مع إظهار الرقبة بلا غطاء وربما الأذنين أو بعضهما وأحيانا القرط المتدلي منهما، هل يعد هذا حجابًا شرعيًا؟ وهل تربية الأظافر وصبغها وتزيينها بـ المونكير، يصح مع الحجاب؟ وهل يجوز إبداء تلك الزينة في اليد إن كانت المرأة معذورة لا تصلي؟ إن لم تعرفي الإجابة فلا بد من سؤال أهل الذكر في كل ما سبق من هذه التساؤلات لنعبد الله تعالى على بصيرة وبينة.
وفي النهاية أتساءل: أين دور الأب المربي والأم القدوة، والأخ الناصح والأخت العاملة والصديقة المعينة، والمعلمة الداعية؟ أين دور هؤلاء جميعًا من تلك المظاهر؟ وما مدى المسؤولية المعلقة بأعناقهم أمام الله عز وجل يوم القيامة ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالَ وَلَا بَنُونَ﴾ (الشعراء: 88). كما أود أن أهمس في أذنك أختاه أن ما ذكرته إنما هو حديث النفس الواحدة البعض منها، ونجوى الجسد بعضه إلى جزئه الآخر، وإلى قطعة غالية منه، إنه حديث من القلب ربما وصل إلى القلب أو لامس شغافه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل