العنوان رمضان شرع لهذا ... صيام النهار
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 101
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 50
السبت 13-سبتمبر-2008
- بقدوم الشهر المبارك حل الأمن وعمت الرحمة وتنزلت السكينة وحلت البركات.
- الصيام الحقيقي يثمر تقوى الله ويمنع من الإثم ويقي من الوقوع في الفواحش.
- من صام صيامًا حقيقيًّا فإنه يؤهله بفضل الله لتخطي الاختبار بنجاح.
خلق الله تعالى الإنسان وصوره في أحسن صورة، وحباه بالعقل الذي به يفكر، والقلب الذي به يعي، وفضله على سائر مخلوقاته، كما وضع فيه من أسرار قدرته العظيمة ما لا يستطيع مخلوق أن يدرك كنهها.
فوهبه الله الروح التي لم يطلع عليها أحدًا من خلقه، ولا أنبياءه ورسله، بل طلب من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أن يجيب سائليه عنها بقوله تعالي: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥).
ليفحم كل خصم تسول له نفسه أنه قد بلغ من العلم مداه، حين وضع يده على بعض ما سخر الله له في هذا الكون، فإنه مهما وصل فعلمه قليل، وأن كل من لم يدرك سر تلك الروح المعجزة، الكائنة في جسد كل دابة، وكل من لم يصل إلى سر الحياة التي تدب بين أوصالها ويمسك بمفتاحها؛ فعلمه ناقص لا محالة وقليل لا ريب.
ولقد نبهنا الله تعالى إلى هذه الحقيقة التي تغيب أحيانًا عن البعض، فيظن أنه قد ملك مفاتيح الكون لمجرد ذرة من علم حصل عليها أمام ملكوت الله الواسع، فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» (البخاري)، «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة» (أحمد).
ومع تلك الخلقة السوية ركب الخالق سبحانه وتعالى في الإنسان ذلك المخلوق المكرم شهوة الطعام والشراب والنكاح، ليصير روحًا وجسدًا، فلا يكتب له البقاء في الدنيا إلا بهما معًا؛ إذ لا يتحرك بين الناس بروحه فقط، ولا يحيا بينهم بجسد من غير روح، هكذا أراد الخالق العظيم أن ترى آيات الله في خلقه بين أيدينا ليل نهار، يعيها من شرح الله صدره للإيمان، ويغفل عنها من قست قلوبهم، قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الزمر: ٢٢).
يصلح الجسد والروح
وقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل من الروح والجسد متطلبات، فللبدن غذاء، والروح أيضًا غذاء، وحين يمرض الجسد، فقد خلق الله له دواء، كما جعل للروح كذلك عند مرضها دواء. لكن سلامة الروح أهم وآكد من سلامة البدن، فحين يموت الجسد فإن الروح تفارقه إلى عالم آخر، وتبقى مخلدة إما في نعيم، وإما في جحيم - والعياذ بالله - إلى أن تقوم الساعة؛ لذا فقد شرع الله تعالى لها ما يسمو بها ويرفعها إلى أعلى عليين؛ ليضمن لها الفوز والفلاح، ومن ذلك فريضة الصيام.
حين يهب الله تعالى للإنسان كل يوم حياته من جديد، فيحييه من بعد الموتة الصغرى التي تزوره كل ليلة، ويرد عليه روحه بعد أن أماته بالنوم، فيقوم ولسانه يلهج بالثناء على الله الذي أحياه، قائلًا من اعماق قلبه: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور»، «الحمد لله الذي عافاني في جسدي، ورَّد إليَّ روحي، وأذِن لي بذكره» ثم إنه عادة ما يسرع بتناول طعام الإفطار؛ ليسد جوعه ويقوي جسمه، لكن الروح أيضًا تناشده الغذاء ولو أبصر لوجد فيما شرع الله لنا من صلاة يبدؤها بصلاة الصبح، وصيام أقله شهر رمضان، وذكر لا ينقطع ليل نهار، ودعاء بطلب العون، ووصال وقرب للراحة والاطمئنان والأنس، ومن هنا كانت فريضة الصيام عاملًا من عوامل الصلة بالله المنعم؛ حيث تسمو الروح به على شهوات الجسد، وتستعلي عليها، فتصارعه ويصارعها من أجل راحته وتغلبه وتتغلب عليه بعد مجاهدة كبيرة.. قد تطول وقد تقصر حسب حال المجاهد ذاك.
وتكون نتيجة هذه الجولة من المجاهدة أن يضحي الجسد بشهوة طعامه وشرابه ونكاحه، وينبذ لغو كلامه وسيئ أخلاقه، ويعيش في مدرسة الصيام الرمضانية شهرًا كاملًا من كل عام، تلبيةً لنداء ربه وخالقه من أجل شفاء روحه إن كان بها مرض، وتقديم جرعة لها من الدواء طويلة المدى وسارية المفعول لعدة أشهر من بعده، للسمو بتلك الروح إلى منازل المقربين، فلئن جاع جسده فمن أجل شبعها، ولكن عطش فمن أجل ريها ورواتها، ولكن تعب في صومه ونصب فمن أجل البقاء عليها صحيحة عفية، مؤمنة تقية، وهذا حسن، لكن ما ظننا إن كان الصوم من أجلهما معًا - الروح والجسد - فأنعم به إذا من عمل هو من أجل بدن أسلم وأصح، وروح أنقى وأصلح.
من زمن نوح
والصيام في شرعتنا ليس بدعًا من العمل، وليس جديدًا من العبادة، بل عرفه من قبلنا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣).
والصيام لغة الإمساك، وشرعًا الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والصيام الكف عما أمر الله بالكف عنه.
وقد أوجبه الله تعالى على من قبلنا، وأوجبه علينا؛ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الصيام كان أولًا كما كان عليه الأمم قبلنا: من كل شهر ثلاثة أيام، ولم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح عليه السلام إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
الصوم جُنة من عذاب الله
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي» (أخرجه مسلم).
فالصوم سر بين العبد وربه، يفعله خالصًا لله طالبًا لرضاه؛ إذ لا يطلع على نيته إلا هو سبحانه وتعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله: فإنه لي، أما سائر العبادات فمما يطلع العباد عليه.
كما أن سائر الحسنات راجعة إلى صرف المال أو استعمال للبدن، أما الصوم فيتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقصان، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات، وإلى ذلك آشار بقوله: يدع شهوته من أجلي، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له» (النسائي).
والصوم جُنة من عذاب الله تعالى كما قال: «الصوم جُنة من عذاب الله» (البيهقي)، أي وقاية، فهو في الدنيا يقي من الوقوع في المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح، وفي الآخرة يقي من النار، قال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا؛ كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة.
الكون كله يصوم
وكأني بالكون كله وهو يصوم معنا صوم طاعة وامتثال لخالقه العظيم؛ إذ يقوم بواجب عبوديته، فلا يميل ولا يستنكف ولا يحيد ولا يشد، أرأيت هلالًا أبى أن يظهر او شمسًا رفضت أن تشرق؟ أوجدت بذرة أمرت أن تنشق وما انشقت؟ أو غيثًا من السماء أن ينزل فما نزل؟ بل الكون كله خاضع الله يقول له: كن فيكون، وما يحيد عن أمره طرفة عين، يسبح بحمده ويوحده.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج: ١٨).
ولقد مهد الله تعالى لك أيها الإنسان في شهر رمضان من أسباب الهداية لتطلبها، واختصر عليك طرق الخيرات لتسلكها، فبقدوم الشهر المبارك حل الأمن، وعمت الرحمات، وتنزلت السكينة، وحلت البركات، وما ذاك إلا تفضلًا من الله وكرمًا؛ إذ فتحت أبواب الجنة، وشدت الشياطين المضلة بالسلاسل، ومنعت من الوصول إلى بغيتها من إفساد المسلمين بالقدر الذي كانت تفعله في غير رمضان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل شهر رمضان؛ فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (مسلم)، فهل تغتنم الوقت، ولا تضيع الفرصة لتطيع ربك، ولا تكون ممن أبى؟ قال صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (البخاري).
إن كنت كذلك فأبشر
لقد بيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم فضائل الصوم، وكيف أنه وقاية وستر من عذاب الله، فقال: «الصيام جنة وحصن حصين من النار» (أحمد)، لكنه وضح لنا أنه ليس أي صيام، بل هو الصيام الحقيقي الذي يثمر تقوى الله، ويمنع من الإثم، ويقي من الوقوع في الفواحش والخوض في المنكرات، فقال: «الصيام جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة» (الطبراني).
فهل تذكرت ذلك كل صباح أيها الصائم، فصام لسانك واعتبر وتذكر؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن أعوججت اعوججنا» (الترمذي)، وقال: «إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شائمه أو قاتله فليقل: إني صائم» (متفق عليه).
والمراد بالرفث الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع ومقدماته، ويحتمل أن يكون لما هو أعم منهما.
ولا يجهل؛ أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل: كالصياح والسفه ونحو ذلك، فلا يرفث ولا يجادل، قال القرطبي: لا يفهم من هذا أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.
وهل صامت بطنك أيها الصائم عن أكل الحرام كما صامت عن تناول الطعام؟ وهل تصوم عيناك عن النظر إلى العورات والاطلاع على الحرمات؟ هل تصوم يداك عن أذى الناس والبطش بهم وسلب ممتلكاتهم والتطاول عليهم؟ وهل تصوم رجلاك عن السعي إلى الحرام والمشي إلى أماكن المنكرات؟ هل يصوم قلبك عن الحقد والحسد والغل والبغضاء والضغينة على عباد الله؟
وبالجملة هل تصوم الصيام الحقيقي الذي يريده الله منك؟ إن كنت كذلك فأبشر أيها الصائم.
ومن صام صيامًا حقيقيًا فإنه يؤهله بفضل الله لتخطي الاختبار بنجاح، وعندها فليبشَّر بثواب الله العظيم والفرح بفضله ورحمته، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول: إن الصوم لي، وأنا أجزي به، إن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله تعالى فجزاه فرح، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (مسلم).
وليهنأ بالري الدائم، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة بابًا يُقال له الريَّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلن يدخل منه أحد» (مسلم)، «ومن دخله؛ لم يظمأ أبدًا» (الترمذي).
ولينعم بالإقامة الدائمة في جنات الخلود.. قال صلى الله عليه وسلم: إ«ن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (أحمد).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل