العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1485
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2002
مشاهدات 75
نشر في العدد 1485
نشر في الصفحة 54
السبت 19-يناير-2002
وقفة تربوية
وسام «أشجع الرجال»
قال معاوية رضي الله عنه لعمرو بن الأهتم: «أى الرجال أشجع قال: من رد جهله بحلمه» «الحلم لابن أبي الدنيا، ص 31».
المرء فينا إما أن يختار أن يكون في هذه الحياة داعية إلى الله تعالى، أو واحدًا من الملايين التي لا شأن لها في هذه الحياة إلا السعي نحو اللقمة والملبس والدابة والمنزل.
فإذا ما اختار الأمر الأول فلا بد له من صفات تعينه على أداء واجبه الدعوي، وأولى هذه الصفات سعة الصدر والحلم، لأنه ما إن يضع قدمه الأولى في طريق الدعوة حتى يتعرض للكثير من المعترضين على سلوكه أو كلامه أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر.
لقد أدرك هذا الأمر لقمان - عليه السلام - وأراد أن يفهمه لابنه عندما وعظه فقال له كما حكى عنهما القرآن الكريم ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17).
هذا الصبر الذي يشير إليه لقمان بصورة عامة يشمل كل ما يصيب الداعية في أثناء دعوته، ولكن أبرز ما فيه هو حلمه على سفاهة السفهاء، وجهل الجهلاء، وأن يتذكر دائمًا أنه داعية إلى الله، فإذا ما دعته نفسه إلى الرد على حماقة البعض أو سفاهة أحدهم، فيرد ذلك بحلمه وعندها يستحق وسام الرجولة، بل وسام أشجع «الرجال»، كما أطلق عليه عمرو بن الأهتم عندما سأله الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه عن أشجع الرجال، فإذا ما كانت الرجولة صفة عظيمة في المرء، فإن الحلم أبرز أركانها.
أبو خلاد
قضاء حوائج الناس من علامات الإيمان
مدعاة لمغفرة الله.. وباب لإدخال السرور إلى القلوب
عبد المنعم أبو السعود
حاجة أخيك ستقضى بك أو بغيرك.. فاحرص على أن تنال هذا الشرف
كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار نماذج في تفريج كرب المكروبين.. والتسابق لقضاء حوائج الناس
الساعون في قضاء حوائج الناس هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة
أمر الله تعالى عباده المؤمنين في كتابه الكريم بأن يتعاونوا علي البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ (المائدة: 2) والمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يعيش الإنسان في وسط بشري، فيبيع ويشتري ويعطي ويأخذ ويدين ويدان، وهذا الأمر لا غنى عنه لأي إنسان، بل ربما لأي كائن حي، بل لقد سمي الإنسان إنسانًا لأنه يأنس بغيره ويأنس غيره به، كما قال بعض العلماء.
ورد في الحكمة «ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط»، والناس جميعًا في حاجة بعضهم إلى البعض مهما تفاوتت مراتبهم أو اختلفت وظائفهم أو تنوعت طبقاتهم، ولا يستطيع أي مجتمع مهما بلغ في التقدم من منازل وصعد في سلم النهوض من مراتب أن يستغني عن بعض العمال البسطاء الذين يقضون لإخوانهم حوائجهم ويجدون في خدمتهم، ويسهرون من أجل راحتهم، قال تعالى:﴿ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف: 32).
وقال الإمام الشافعي - رحمه الله - :
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
ومن بين كل البشر، يبرز معدن المسلم الأصيل، ساعيًا في خدمة إخوانه، مجتهًدا في قضاء حوائجهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وما وجد إلى ذلك طريقًا، رائده في ذلك قدوته صلى الله عليه وسلم الذي كان أخف الناس لمساعدة المحتاجين، وأبش الناس في وجوه السائلين.
كانت الجارية «أي الفتاة الصغيرة التي لم تبلغ الحلم» تأخذ بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم فتنطلق حيث شاءت، ولا يسألها عن شيء حتى يقضي لها حاجتها!
لله درك يا رسول الله أنت أعلى الخلق مكانة وأشرف الناس رتبة وأرفعهم مقامًا، ومع ذلك تأخذ الجارية بيدك وتنطلق حيث شاءت في سكك المدينة، فلا تسألها - مجرد سؤال - أین تریدین؟
أي خلق هذا؟ أي تواضع؟ أي رحمة؟ أي رأفة؟ لقد صدق فيك – يا سيدي – قول شوقي:
زانتك في الخلق العظيم شمائل
يغرى بهن ويولع الكرماء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى
وفعلت ما تفعل الأنواء
وإذا عفوت فقادًرا ومقدرًا
لا يستهين بعفوك الجهلاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب
هذان في الدنيا هم الرحماء
وهكذا ينبغي أن يكون شأن المسلم الحق، إنه ليس منكفئًا على ذاته لا ينظر إلا في مرآته، بل يسع قلبه الناس جميعًا، خاصة إخوانه المسلمين، وكم تكون سعادته غامرة حين يقضي حاجة أخيه، إنه يتذكر ساعتها أن الله عز وجل في حاجته، مصداقًا لقوله : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنهما).
فأي تكريم للمسلم وأي عناية هذه؟ أن يكون الله جل وعلا بذاته العلية في حاجته، يقضيها وييسرها، ويعطف قلوب الخلق عليه، فيبادرون إلى خدمته، ويخفون إلى نجدته، ويتنافسون من أجل راحته!
ثم هو يوم القيامة، وبينما يغرق الناس في عرقهم، وتضطرب قلوبهم، وتتلاحق أنفاسهم وتشخص أبصارهم، تأتي يد القدرة الإلهية والعناية الربانية فتربت على كتفيه وتمسح دمع عينيه وتبدله الخوف أمنًا والحزن سعادة، والحر ظلًا ظليلًا.
إن المسلم كالنخلة، يرميه الناس بالحجر فيرميهم بأطيب الثمر:
هو البحر من أي النواحي أتيته
فالجود لجته والمعروف ساحله
روي في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا مع الصحابة الكرام ذات يوم فضرب مثلًا للمؤمن بشجرة، وطلب من الصحابة أن يذكروا أي شجرة هي، فلم يعرفوها، وكان معهم عبد الله ابن عمر رضي الله عنهم – ولم يزل صغيرًا - فعرف أنها النخلة ولكن الحياء منعه من الكلام وحوله كبار الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، فلما عرف أبوه – الفاروق رضي الله عنه - أن عبد الله عرفها لكن الحياء منعه، قال له: «لو قلتها لكان ذلك أحب إلي من الدنيا» أو كما قال رضي الله عنه.
وقد صدق الأعرابي حين قال: «النخلة جذعها نماء، وليفها رشاء، وكربها صلاء، وسعفها ضياء، وحملها غذاء».
کلیم الله عليه السلام نموذجًا
عرض القرآن الكريم نماذج لفعل الخير والسعي في قضاء حوائج الناس، وتخفيف كرب المكروبين، ومن أبرز تلك النماذج قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة «القصص»، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 23 – 24). فهذا النبي الكريم، والرسول الأمين، وبرغم أنه كان في ظروف صعبة، مطاردًا خائفًا جائعًا ظامئًا، إلا أنه مع ذلك يخف لنجدة هاتين الفتاتين برغم أنه لا سابق معرفة له بهما، ولا حاجة له إليهما، إنما دافعه إلى ذلك مرضاة الله تعالى.
لقد اهتم بأمر الفتاتين وتقصى أسباب خروجهما، واختلاطهما بالرجال، وأشفق عليهما، فهما فتاتان ضعيفتان لا حول لهما ولا قوة، ولا نصير ولا وزير ولا معين إلا الله تعالى، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه - أي لا يتركه يعاني الشدائد والمحن وهو قادر على مساعدته - ومن ثم سارع موسى عليه السلام - ولم يكن قد أوحي إليه بعد - لنجدتهما وقضاء حاجتهما وتفريج كربتهما.
لقد سقى لهما برغم شدة الحر حتى أن الله تعالى قال: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القَصَصِ: 24)، مما يبين أن الجو كان حارًا، وأن الشمس كانت حارقة.
في ظلال الصحابة الكرام
ومن مشكاة النبوة، ومصابيح الصحابة تنتشر الأشعة البارقة، والأنوار الساطعة، تنير الأكوان، وتعطر الأجواء، وتضرب الأمثلة الحية في النجدة والشهامة والرجولة الحقة.
فهذا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه – يواظب على خدمة عجوز مقعدة حتى بعد أن ولي الخلافة، ويذهب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- لقضاء حاجتها، وقد ظن أن الخلافة سوف تشغل الصديق - رضي الله عنه – عن ذلك ولو لأجل قصير، فإذا به يجده هناك قد سبقه لنيل هذا الشرف فيقول: «ما سابقتك إلى شيء إلا سبقتني إليه».
وكان سيدنا عمر - رضي عنه الله – مضرب الأمثال – كذلك – في قضاء حوائج عوام المسلمين - حتى بعد توليه الخلافة - ومن ذلك خدمته المرأة التي كانت على وشك الولادة، وندبه زوجته – رضي الله عنها - كي تنال الثواب وتسجل اسمها في قائمة الشرف، فتساعد المرأة في وضع جنينها، بينما ينهمك هو في إنضاج الطعام، والنفخ تحت القدر حتى يتخلل الدخان لحيته، وتفيض عيناه بالدمع، لا من أثر ذلك الدخان الكثيف فحسب، بل شكرًا لله أن هيأ له ولزوجه أن يقضيا حاجة هذه المرأة الضعيفة، وأن يفرجا كربها، وأن ينالا شرف خدمتها في هذه اللحظات العصبية!
ولم لا يسعد وهو الذي قال من قبل قولة بقيت حكمة لا يزال المسلمون يرددونها، وموعظة غالية يحاولون استهداءها: «لو أن بغلة عثرت بالعراق لسئلت عنها لم لم تمهد لها الطريق يا عمر».
.. وقبسات من أنوار التابعين
وعلى خطى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، سار التابعون رضي الله عنهم أجمعين، وهذه قبسات من أنوارهم.
جاء في كتاب «مختصر منهاج القاصدين» أن عبد الله بن عامر اشترى من خالد بن عقبة داره التي في السوق بتسعين ألف درهم، فلما كان الليل سمع بكاء أهل خالد، فقال لأهله: «ما لهؤلاء؟!»، قال: «يبكون على دارهم»، فقال: «يا غلام، ائتهم فأعلمهم أن الدار والمال لهما جميعًا».
وفيه أيضًا أنه لما مرض قيس بن سعد بن عبادة استبطأ إخوانه - يعني استبطأ زيارتهم - فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فأمر مناديًا ينادي: من كان عليه لقيس حق فهو منه في حل، فانكسرت درجته - أي سلالم بيته - بالعشي لكثرة من عاده!
وليس يضيع عند الله تعالى شيء، بل على العكس من ذلك فإنه يجازي على الإحسان إحسانًا، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)، وشتان بين إحسان ذلك الإنسان الضعيف الفقير، وإحسان الله القوي الغني، شتان بين عطاء الله الذي لا تنفد خزائنه ولا يحصى فضله، وبين ذلك الإنسان الذي يخشى على الدرهم والدينار أشد من خشيته على أخيه المسلم، بل ربما أشد من خشيته على نفسه وعلى أولاده!
فيا لشرف من اختصه الله تعالى بقضاء حوائج الناس، ولنصغ السمع إلى حديث رسولنا الأكرم والمعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم: «إن لله عبادًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم إلى الخير وحبب الخير إليهم، هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة» «رواه ابن أبي الدنيا» في باب قضاء الحوائج.
وإذا كان الله جل وعلا قد عفا عن رجل وأدخله الجنة جزاء إنقاذه كلبًا كان يلهث ويأكل الثرى من شدة العطش، فسقى له، وإذا كانت رحمة الرحمن جل وعلا قد شملت بغيًا من بغايا بني إسرائيل لقاء إنقاذها – أيضًا – كلبًا من الموت عطشًا - والحديثان في صحيح البخاري - فما بالنا بمن يطعم جائعًا أو يكسو عاريًا أو يعالج مريضًا أو يزوج شابًا أو يقضي الدين عن مدين أو يفعل غير ذلك من أوجه الخير المتعددة.
المراجع
رياض الصالحين، الإمام النووي.
أدب الدنيا والدين، ابن أبي الدنيا.
مختصر منهاج القاصدين، للإمام المقدسي.
الخلفاء الراشدون، خالد محمد خالد.
ديوان أحمد شوقي.
المجتمع التربوي
ذكر الله روح الأرواح (3 من 3)
الغفلة خطر داهم والذكر علاج دائم
تناولنا في العدد الماضي بعض فوائد الذكر وآثاره، ومن ذلك أنه مثوبة وأجر، وسلامة وحفظ وحياة وعلم، وعبودية وإعانة، وطمأنينة وسكينة.
وفي حلقة اليوم نكمل هذه الفوائد، ونشير إلى مزايا الذكر وخصائصه، وأخيرًا أنواعه، وضرورة التحلي به:
6 – الذكر بركة ونعمة:
ذكر الله يجعل في أفعال الذاكرين وما يتعاملون معه بركة، إذ الذكر استحضار وتذكر للمنعم بالنعم الواهب للرزق، والذكر متضمن لشكر المنعم وحمده، ومن أقر بالنعمة وشكرها حفظها الله عليه بل وزادها، كما قال جل وعلا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7).
تأمل معي صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها»، إن هذا مع كل طعام يأكله أو شراب يشربه، يذكر من رزقه وأطعمه وسقاه فليلهج له بالحمد والشكر مستحضرًا عظمة المنعم، مقدرًا قيمة النعمة التي قد يستهين بها الناس، فهذا الماء نعمة لو حرمها الإنسان لانطوت صفحة حياته، وودع دنياه، إن كأس الماء لمن اشتد به العطش يساوي الدنيا كلها، فما بالنا لا نحمد الله ولا نشكره، ألا نتذكر تذكيره وتنبيهه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الوَاقِعَةِ: 68 - 70).
والبركة حاصلة بالذكر بمنع ما يمحقها، والسلامة من تسلط إبليس، ومشاركته للمرء في طعامه وشرابه، ففي الحديث: «الشيطان يشاركه ويقاسمه»، وليس هناك ذكر يصرفه، ولا تحصين يمنعه، ولا دعاء يردعه.
ومعاشرة الرجل أهله موطن يجهل كثير من الناس أن له ذكرًا مأثورًا، والعالمون بذلك يغفلون عنه وينسونه مع غلبة الشهوة، مع أن الذكر مهم وله أثره في الحفظ والسلامة لما يقدره الله من المواليد، وهذا كما جاء في الحديث: «لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدًا» (متفق عليه).
ومما قيل في معنى هذا الحفظ المذكور في الحديث أن الشيطان لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر : 42) «الفتح 9/229).
فكم في الذكر من فائدة وأثر في الحفظ من السوء، والسلامة من المكروه، وذلك من مرغبات الحرص والمواظبة على الذكر.
تأمل تلك الفوائد والآثار العظيمة من الأجر والمثوبة، والحفظ والسلامة والحياة والعلم والبركة والنعمة والعبودية والإعانة، وما وهو أكثر من ذلك وأعظم، فهل ترضى أن تبخل على نفسك وتحرمها تلك الخيرات والبركات؟ وهل أنت في غنى عن الأجر حتى تترك الذكر وهو من أعظم أبوابه وأسبابه؟ وكيف تترك نفسك لسهام الشيطان ولاستيلائه على قلبك عندما لا تكون من الذاكرين؟ وكيف لا تشعر بمرض قلبك ومواته وأنت لا تنكر المنكر ولا تغار على حرمات الله؟ وكيف لا تلتفت إلى ضعف فهمك وقلة علمك إذ أنت من الغافلين؟ وكيف تغفل عن ذكر خالقك وسيدك ورازقك المنعم عليك؟
لا شك أنك لا ترضى بشيء من ذلك، بل وتعيذ نفسك من كل ذلك، فبادر واحرص على الذكر واحفظ منه المأثور، حرك به قلبك، واشغل به عقلك، رطب به لسانك لتكون من الذاكرين وترتفع في عليين.
رابعًا: مزايا وخصائص الذكر
برغم هذه الفوائد والآثار كلها فإن الذكر له مزايا وخصائص تساعد على تحقيق ما سبق كله، ومنها:
1 – السهولة واليسر:
الذكر سهل، لا صعوبة فيه، إذ لا يحتاج إلى عمل بدني، ولا جهد ذهني، وإنما هو نطق باللسان مع استحضار القلب وتفاعل النفس، وغيره من العبادات جهده أكبر، ففي صوم رمضان مشقة نسبية في الجوع والعطش، وفي الزكاة مشقة نفسية في البذل والإنفاق، وفي الحج جهد بدني في السفر وأداء المشاعر، أما الذكر فإنه أيسر العبادات وهو من أجلها وأفضلها، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها، «الوابل الصيب ص: 97».
والذكر - إضافة إلى ذلك– ليس له شروط فالصلاة لابد لها من طهارة، ودخول الوقت، ونحو ذلك، والحج لا بد له من قصد البيت الحرام، والزكاة لا بد لها من دوران الحول، والصيام لا بد فيه من ثبوت الرؤية، وأما الذكر فليس فيه مثل ذلك، وهو في الجملة من أيسر العبادات التي ليس فيها مؤنة ولا مشقة، ومن هنا قال عبيد بن عمير: «إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم على المال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله عز وجل» «الوابل الصيب ص: 162».
2 – الشمول والتنوع:
الذكر المطلق عام يشمل كل الأزمان ليلًا ونهارًا ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ (طه: 130)، ويمكن أداؤه، والإتيان به في كل مكان، وبأي حالة من قيام أو قعود أو على جنب، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191)،فليس في الأعمال ما يعم الأوقات والأحوال مثله «الوابل الصيب ص: 108»، ومن هنا نعرف صفة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يذكر الله في كل أحواله (رواه مسلم).
والتنوع مزية تتجلى في ورود أذكار مأثورة كثيرة في الحالة الواحدة، فدعاء الاستفتاح ورد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيغ متنوعة، وأذكار الصباح والمساء كثيرة، وبعضها يمكن أن يغني عن بعض.
3 - التفاعل والمباشرة:
الذكر إذا تواطأ فيه القلب مع اللسان كان تأثيره على النفس عظيمًا ومباشرًا بحيث تتفاعل معه، فمن حلت به المصيبة إذا قال: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ (البقرة: 165)، وإذا ردد: لا حول ولا قوة إلا بالله شعر بانشراح صدره، وطمأنينة نفسه، وتمثل بالرضا بقضاء الله وقدره، والحق جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)، ولذا نرى أن الذكر وتلاوة القرآن الكريم مفزع عند كل ملمة وراحة عند كل نصب.
خامسًا: أنواع الذكر
الذكر أنواع عدة هذا بعضها :
1- قال ابن القيم: الذكر ثلاثة أنواع: ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان وهو أعلاها، وذكر بالقلب وحده وهو الدرجة الثانية، وذكر باللسان المجرد وهو في الدرجة الثالثة «تهذيب المدارج ص: 467».
وقال ابن حجر: «الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالًا، فإن وقع ذلك في عمل صالح مما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوجه وأخلص النية لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال» «الفتح 11/209».
وقال الفخر الرازي: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله، والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات «الفتح 11/209».
2- قال ابن القيم: «وأنواع الذكر ثلاثة: ثناء، ودعاء، ورعاية» فأما ذكر الثناء فنحو: «سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، وأما ذكر الدعاء فنحو ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23)، «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، ونحو ذلك، وأما ذكر الرعاية فمثل قول الذاكر: «الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي»، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله، والتحرز من الغفلة، والاعتصام من الشيطان والنفس» «تهذيب المدارج ص: 468»
ختامًا
أرأيت - أخي القارئ، أختي القارئة - كم في الذكر من خيرات؟ وكم هو سهل میسور؟ أرأيت مدى شموله لكل الأوقات؟
نعم عظيمة ساقها الله إلينا، فهل نغفل عنها فنكون من المحرومين؟ إن الغفلة خطر داهم في حياتنا المعاصرة، كثرت الملهيات، وزادت المغريات، وفشا القول الباطل، والكلام الساقط، والغناء الآثم، والشعر الماجن، مع شيوع الغيبة، وكثرة النميمة، والتقاذف بالسباب والشتائم، والتلفظ بالمنكرات والعظائم، وكل ذلك أطفأ نور القلوب، وزاد قسوتها، فعظمت البلية، وقدحت الرزية، وليس لها من دون الله كاشفة.
إن الغفلة مرض ووباء في الدنيا وندم وشقاء في الآخرة، كما ورد في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه– عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» (رواه الترمذي) والترة: النقص، والتبعة «النهاية 1/189»، وفسرها الترمذي في سننه بالحسرة والندامة، فوا حسرتا على الغافلين.
إن في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله عز وجل، فإذا صار الذكر شعار القلب، بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبعًا له، فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة، ويغني الفاقة، فيكون صاحبه غنيًا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مهيبًا بلا سلطان، فإذا كان غافلًا عن ذكر الله عز وجل، فهو بضد ذلك، فقير مع كثرة جدته، ذليل مع سلطانه، حقير مع عشيرته «الوابل الصيب ص: 139».. ففكر ثم اختر.
«فمجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشيطان، وكل مضاف إلى شكله وأشباهه» «الوابل الصيب ص: 158»، فأي الفريقين تريد أن تكون منهم؟
أخيرًا هذه كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟» «الوابل الصيب ص: 93»، وهو سؤال معروف الجواب، فالحذر الحذر من الغفلة، والله الله في الذكر، عسى الله أن يجعلنا من الذاكرين، وأن يعظم بالذكر أجورنا، ويشرح به صدورنا، ويذهب به همومنا، ويسعد به أرواحنا، فاللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
فوائد تدوين الفوائد
تدوين الفوائد أمر مهم لكل طالب علم، ولقد كان مما يوصى به العلماء قولهم «قيدوا العلم بالكتابة»، وإذا كنا نحرص على جمع المال فلماذا لا نحرص على جمع الفوائد؟
أـ بعض الناس يدونون الفوائد من أجل أن يجتازوا الامتحانات، وهؤلاء أسرع الناس نسيانًا لما تعلموا.
ب - هناك آخرون يدونون الفوائد من أجل اتساع الأفق ونمو المعرفة، وهؤلاء أقل الناس تعرضًا للنسيان.
ج- أما الذكي فهو الذي يستطيع أن يحقق الهدفين جميعًا.
إيجابيات التدوين وسلبياته
1 – الإيجابيات:
1 طريق لتلافي النسيان.
ب - يجعل الإنسان يراجع ما تعلمه، إذ إن المراجعة - كما هو معروف - تورث عمقًا في الفكر المتعلم.
ج - ما ندونه قد يصبح مؤلفا فيمًا بعد.
د- دليل على علو الهمة.
2 -ـ السلبيات
أـ - تتعب اليد والظهر.
ب - تتعب العينين عند إعادة قراءتها، ولا سيما إذا كان التدوين سريعًا.
جـ - تشوه الكتاب.
د. تدوين الفوائد أثناء الحاضرات قد يسبب الشرود، ومن ثم قد تفوتنا فوائد أهم مما ندونه.
أوقات التدوين
1 - عندما نقرأ أو نطالع:
فالذي يقرأ - ولا شك - تمر به فوائد جليلة، ومعلومات جديدة.. فيسارع إلى حفظها.. ولعل ما تكتبه الآن يصبح كتابًا فيما بعد، فابن القيم له كتاب «الفوائد» وله كتاب آخر هو «روائع الفوائد»، وابن عثيمين له أيضًا كتاب «المنتقى» والسباعي له كتاب «القلائد في فرائد الفوائد» وغيرهم.. فاحرص على تسجيل الفوائد.
٢ - في قاعة المحاضرات:
تسجيل الطالب ما يقوله أستاذه في قاعة الدرس يدل على علو همته.
فمن الكتب الشهيرة في النحو كتاب: «أوضح المسالك» لابن هشام، الذي قام بتدوينه
الطلاب من لسان أستاذهم..
ومن الكتب الشهيرة كذلك في الفقه كتاب: «الشرح الممتع» وقام بتسجيله أيضًا الطلاب من فم أستاذهم ابن عثيمين.
3 - أثناء الرحلات:
ما أروع أن يكون معنا في كل رحلة من رحلاتنا دفتر وقلم نسجل به كل ما يفيدنا.
الشيخ العبودي له 180 كتابا كلها تدور حول رحلاته، وطبع منها قرابة 90 رحلة.
4 - تدوين أعمال القدوات:
قال أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي البركات: «كنت أقرأ الحديث عليه، وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته».
5 - تدوين الخواطر:
لابن الجوزي كتاب «صيد الخاطر»، وللشيخ صالح الوقيان كتيب صغير يحمل الاسم نفسه.
درس
تحسر الشيخ علي الطنطاوي على أنه لم يدون مواقفه وأفكاره وأعماله منذ الصغر فقال: «كنت واثقًا من ذاكرتي فلم أستودع الورق ما قد تضيعه الذاكرة، وكان ولا يزال من عيوبي التأجيل، فكنت أزمع كتابتها، ثم أؤجل الشروع فيها حتى وقع المحذور، فجئت أدونها في هذه الذكريات، فإذا أنا قد نسيت ما كنت أحفظه» «ذكريات علي الطنطاوي ص 362 ج الأول».
وصايا
- من الأفضل أن يكون في مكتبتك الخاصة فهرس للكتب التي قرأتها.
- يقول البعض: «إذا كانت الفكرة جيدة فسأتذكرها»، وهذا خطأ بالطبع، فكم من الأفكار الجيدة ذهب أدراج الرياح، لأننا لم نسجلها.
- يفضل أن تقع على الملاحظات فور انتهاء المحاضرة لكي نكملها، وإلا فستضيع في أسرع وقت.
منصور عبد الله المشوح
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل