; بين المغالطة التاريخية.. والتراجع الفني رأفت الهجان.. أم رأفت التطبيع؟ | مجلة المجتمع

العنوان بين المغالطة التاريخية.. والتراجع الفني رأفت الهجان.. أم رأفت التطبيع؟

الكاتب حمد الإبراهيم

تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992

مشاهدات 50

نشر في العدد 993

نشر في الصفحة 9

الأحد 15-مارس-1992

  • مسلسل «رأفت الهجان»... مغالطات تاريخية خطيرة

    يعرض تلفزيون الكويت حاليًّا الجزء الثالث من المسلسل المعروف «رأفت الهجان»، كما تعرضه خلال شهر رمضان الحالي معظم محطات التلفزيون العربية.

     

    وكان المسلسل المذكور قد حظي بمتابعة واهتمام الجمهور في كل مكان؛ لأنه يقدم موضوعًا جديدًا -وغير معتاد- يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي، فهو يقدم قصة شاب مصري عمل كجاسوس للمخابرات المصرية في تل أبيب، وحقق نجاحًا كبيرًا قبل أن يموت في المهجر في أواخر السبعينيات.

     

    قصة المسلسل لا بأس بها -بغض النظر عن صحتها- فهي على الأقل تتجاوز المواضيع الاجتماعية المكررة مثل قصص الزواج والطلاق والغراميات الاجتماعية والجرائم بأنواعها، وربما كان هذا اللون الجديد «الجاسوسيات» هو السبب في رواج «رأفت الهجان». غير أن المسلسل كمادة يحتوي على مثالب وسلبيات عديدة تجعله يفقد الكثير من مصداقيته من الناحية الفكرية والتاريخية، كما أنه لا يخلو من تجاوزات للقيم الإسلامية والأعراف الاجتماعية. في اعتقادي أن أبرز سلبيات المسلسل يتمثل فيما يلي:

     

    صورة الشعب اليهودي

    أولًا: يعرض المسلسل للمشاهد الحياة في فلسطين المحتلة، أي حياة الشعب اليهودي، بشكل اعتيادي وجذاب، فبدلًا من صورة اليهودي المغتصب حامل السلاح والقاذف بالنار نحو العرب، فإن اليهودي في «رأفت الهجان» يأتي في صورة إنسان عادي يعيش في مجتمع طبيعي، وهو يحب ويكره ويسعى لكسب العيش وله صداقات جميلة، والحياة في إسرائيل مشاريع ناجحة وحفلات ممتعة وأحزاب سياسية نشطة. وحتى لو ظهر بعض اليهود في شخصية المحامي الماكر «يوسف الأزرع» أو المخابراتي الشرير «بن أهارون» أو المقامر الرخيص «النقيب مزراحي»، فإن اليهود يمكن أن يكون منهم الصديقة المخلصة «سيرينا أهاروني» أو السكرتيرة العاشقة «يهوديت» أو المجند الكادح من أجل لقمة العيش «شلومو».

     

    القصد أن المسلسل يعرض الكيان اليهودي في فلسطين كمجتمع طبيعي فيه الخير والشر والطيب والرديء والمسالم والعنيف، أي أن سياق الأحداث يساعد على هدم الحاجز النفسي بين المشاهد وبين العدو اليهودي الذي تربت الأجيال العربية والمسلمة على كراهيته وبغضه، وهذه رسالة «تطبيعية» لا تخفى على المشاهد اللبيب.

     

    مغالطات تاريخية

    ثانيًا: يحمل المسلسل في أحداثه مغالطات تاريخية خطيرة، فهو يتعامل مع نظام جمال عبد الناصر على أنه حامل عبء المواجهة المصيرية مع الدولة اليهودية، وأن هذا النظام سخر وجدانه وعقله وهو ساهر ليل نهار على مقارعة العدو المحتل والدفاع عن الوطن العربي من شرور الكيان العدواني.

     

    ولا شك أن مصداقية النظام الناصري في شأن القضية الفلسطينية تعرضت لطعون عديدة، وجاء بعد زوال النظام من أعضائه السابقين من يخدش الهالة الناصرية ويؤكد أن طاغية مصر السابق كان يعيش هموم العظمة وسطوة الحكم، وكانت القضية الفلسطينية مجرد ورقة لعبها في سبيل ترسيخ قيادته المعنوية للعالم العربي.

     

    دعاية في غير موضعها

    ثالثًا: في نطاق المغالطة التاريخية، يعطي المسلسل دعاية متقنة لرجال المخابرات المصرية، فضابط المخابرات المصري -طبقًا للمسلسل- شخص محترف وغاية في الذكاء، كما أنه وطني إلى أبعد الحدود ومنشغل في الدفاع عن أمن مصر عن حياته الشخصية، كما يمثل مؤسسة رائعة في التحفز للخطر وإتقان الحركة والتفكير والدقة في التنفيذ والإنجاز.

     

    كل هذا يقوله المسلسل عن الجهاز الإرهابي المنحل الذي قاده صلاح نصر في الخمسينيات والستينيات، واستمتع بسحق الحريات والكرامات وأهان المواطن المصري، وانشغل ضباطه في اللذائذ الدموية والأخلاقية التي فضحتها فيما بعد روايات شهود من داخل الجهاز نفسه.

     

    البطل المنحل

    رابعًا: شخصية البطل في المسلسل أي «رأفت الهجان» التي تقدم كنموذج للشاب العربي الذي يتابع القصة، عبارة عن إنسان متجاوز لكل الحواجز الاجتماعية والاعتبارات الدينية، فهو نصاب سابق ومرفوض عائليًّا، كما أنه يشرب الخمور بلا تحفظ ويدخن بشراهة وتتساقط حوله النساء مغرمات وعاشقات.

     

    وحتى محاولة إقناع «رأفت» عن العلاقات المحرمة تأتي في سياق الأحداث كخطر مخابراتي لا كخطأ أخلاقي أو ديني، فالضابط المصري يحذر الجاسوس بشدة من الاقتراب من الإسرائيليات؛ لأن من فعلوا ذلك قبله كشفوا هويتهم فقط لا غير.

     

    عوضًا عن أن المسلسل يمتلئ بمناظر الحفلات المنحلة ولقطات تعكس غرام الفتيات بالبطل، وهي مناظر تم حشرها في المسلسل بلا هدف يخدم سياق القصة.

     

    نظرة فنية

    خامسًا: من الناحية الفنية البحتة، هناك إطالة في أحداث المسلسل ولأغراض تجارية واضحة، فالتفاصيل التاريخية، والوقائع الهامة المتعلقة بالجاسوسية المضادة لإسرائيل تُعرض للمشاهد «بالقطارة»، ويغلب على المسلسل الأحداث الجانبية المحشورة لزيادة الوقت مثل «الحفلات» و**«الاجتماعات المطولة»** و**«الأحاديث الممطوطة»** و**«المشاكل الاجتماعية غير ذات الصلة بالحدث»**. كل ذلك لزيادة عدد الحلقات وعلى حساب المستوى الفني وحق المشاهد في التمتع بمادة تلفزيونية مشوقة.


الرابط المختصر :