العنوان نفاق خصوم الشريعة
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001
مشاهدات 59
نشر في العدد 1466
نشر في الصفحة 46
السبت 01-سبتمبر-2001
في عام ١٩١٦م وزعت تركة الرجل المريض بين بريطانيا وفرنسا طبقًا للاتفاق السري المعروف باتفاق (سايكس بيكو)، الذي اقتسمت بموجبه الدولتان تركة الخلافة الإسلامية العثمانية، وبهذا استباحت الدولتان الدول العربية التي صدقت الخديعة الكبرى التي تولى كبرها «لورانس» حيث خدع العرب - حتى سموه لورانس العرب . ونقل إليهم أن بريطانيا ستضمن لهم إقامة خلافة قرشية هاشمية عند ثورتهم ضد الخلافة العثمانية. وكما قال لورانس في كتابه أعمدة الحكمة استطاعت بريطانيا أن تحتل البلاد العربية دون أن تراق قطرة دم إنجليزي واحدة، حيث تولى عنهم العرب ذلك بثورتهم ضد الخلافة الإسلامية العثمانية، وهو ما يسمى زورًا في تاريخ العرب الثورة العربية الكبرى.
ومنذ الاحتلال البريطاني الفرنسي لبلاد العرب والمستعمر يكرس المبدأ الاستعماري الأوروبي الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة ليضمن عدم عودة الروح الجسم الرجل المريض.
ولما رحل الاستعمار خلفه من يحافظ على هذا الهدف، مع تغيير في الألفاظ والمصطلحات حتى يقبلها المسلمون، فكانت الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة. ولما تبين للكافة أن العلمانية تعني اللادينية، تغير الاسم فكانت الدعوة إلى العقلانية أو الحداثة و التجديد.
ولما اكتسح التيار الإسلامي الساحة العربية وخاف سدنة الاستعمار القديم من وصول هؤلاء إلى الحكم، رفع بعض الحكام شعار لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة»، ومن مقتضاه التدخل بالقوة العسكرية الظاهرة أو المقنعة بزعم الحفاظ على الديمقراطية التي سيدفنها الإسلاميون بتسييسهم للدين، ومن مقتضى ذلك التدخل لمنع ترشح الإسلاميين في الانتخابات سواء كانت برلمانية أم نقابية أم محلية.
لقد كشف المفكر القومي عصمت سيف الدولة عن نفاق خصوم الشريعة الإسلامية في الفصل الثاني من كتابه عن العروبة والإسلام فذكر أنواعًا من النفاق منها مناهضة الإسلام بالعروبة وكأن العروبة دين ورسالة، ومنها الدعوة إلى الإسلام المستنير، والذي يريدون - من خلاله أن تحل أفكارهم محل الإسلام وذكر من أشكال النفاق المتقن مسألة فصل الدين عن الدولة وذلك تقليدًا لحركة التنوير في تاريخ أوروبا، حيث احتكرت الكنيسة العلم وفرضت جهلها في العلوم باسم الدين.
العبرة بالقبول العام:
وقد واجه عصمت سيف الدولة خصوم الشـريعة بحقيقة لا ينكرها إلا الجاحدون وهي أن العبرة في مشروعية أي نظام بالقبول العام له وليس بالإيمان الذي تخفيه السرائر. ولما كان أغلب الشعوب العربية مسلمين، فإن قبولهم لهذا المبدأ العلماني الذي يقول بفصل الدين عن الدولة، لا يتحقق إلا بإكراه المسلمين بالإبقاء على الإسلام دينا للعبادة وإبعاده عن الحياة ليخلو الوطن العربي ولينفرد به نظام لا يتفق مع الإسلام في أكثر من وجه، وهذا هو النفاق طبقًا لمعايير الصدق والكذب.
لقد كذب خصوم الشريعة على المسلمين فأخفوا هذه الحقائق ورفعوا شعار العقل والعقلانية متهمين غيرهم بالحجر على العقل بدعوى أنهم يقدمون النص الغيبي على العلم وهذه هي المشكلة التي كانت سائدة في أوروبا في مواجهة البابوات الذين قدموا رأيهم على أنه الدين المنزل من عند الله، إن كل هذه الانحرافات لا وجود لها في الإسلام الذي رفع عن البشرية هذه الأغلال، وفرق بين ما يخضع للتجارب فتركه للناس في إعلان صريح من النبي الله بقوله: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم وأما الأمور التي لا مجال فيها للعقل والتجارب فقد نزل الوحي بها في القرآن والسنة وهذا لا تعارض فيه مع العلم وإنما يكون التعارض مع أهواء ومصالح خصوم الشريعة.
ولكن كيف يجرؤ هؤلاء على مواجهة الشعب المسلم بهذه الحقيقة، إن هذه الصراحة هي الكفر البواح، ولهذا فالنفاق هو الأسلوب الذي اختاره خصوم الشريعة من العرب فزعموا أنهم مع الإسلام المستنير الذي لا يحجب العقل ولا يحجر عليه، ولا يفوض أحدًا في الوصاية على الشعب وفي التحليل والتحريم، وتجاهلوا أن الوصاية التي يزعمونها ليست وصاية أحد بل هي الوصاية من الله على خلقه فهو الذي حرم هذا وأحل هذا والمسلم الذي يتمسك بشريعة الله هذه لم يبتدع شيئًا من عنده حتى يصبح وصيًا على الشعب المسلم فالوصاية لله وليست لأحد من الناس.
بين النص والعقل:
وزعم خصوم الشريعة أن الإسلاميين يعادون العقل بتقديم النص الغيبي على العلم وقد غالطوا في هذا كما غالطوا في غيره، فالله تعالى هو الذي قدم النص الذي أوحى به إلى نبيه، وفي ذلك أنزل الله القرآن وأوحى بالسنة فلا يجهل هؤلاء قول الله تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]
فالله هو الذي قدم النص الموحي به على عقول هؤلاء، وهذا النص لا يمكن أن يتعارض مع ما توصل إليه الناس من العلوم، فهذه العلوم ليست إلا اكتشافًا لسنن الله في كونه الذي خلقه، وهذا لا يتعارض مع شريعته التي أوحى بها.
إن الذين يخادعون المسلمين بادعائهم أنهم أحرص على الإسلام ويرون أن تقديسه في إبعاده عن السياسة أي عدم تطبيق أحكامه على الناس والدولة هؤلاء يتفقون مع الذين يعلنون الطعن الصريح في الإسلام ولكن يختلف السبب لدى كل مجموعة فأدعياء المحافظة على الدين يقدمون السبب المغلف والخفي، وغيرهم يقدمون السبب الظاهر.
إن العامل المشترك للعلمانيين المتطرفين هو إعلان رفض تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وفي سبيل ذلك يجرحون في هذه الأحكام، ويزعمون عدم صلاحيتها للعصر الحاضر، وإن غلفوا ذلك بنسبة الخطأ إلى الحركات الإسلامية.
ويروج هؤلاء أن تطبيق الشـريعة يؤدي إلى سلسلة طويلة من الفشل والإيذان بإلغاء عقول الناس وشيوع المذابح وتهديد كل إنجاز حضاري.
يقول أحمد عبد الرحمن في كتابه أساطير المعاصرين: إن العدل والتوحيد في العقيدة والشريعة والعفة والصدق والوفاء قيم مظلمة متخلفة.
ويقول طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة» يزداد حبي لأوروبا لأنها مني وأنا منها فهذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرًا وجهرًا، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب.
لهذا ينكر أكثر العلمانيين العرب حق القاعدة الإسلامية العريضة في وجود حزب أو جماعة شرعية يتضمن منهاجها الإصلاح عن طريق البرلمان أو المشاركة في العمل الوطني والاجتماعي، وهو حق لكل مواطن في القوانين الوضعية وواجب على المسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية.