العنوان العراق.. فضيحة «الجادرية» والأيادي ليست أمريكية
الكاتب شيروان الشميراني
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1678
نشر في الصفحة 20
السبت 26-نوفمبر-2005
إن أكثر ما كان يفتخر به السيد بيان جبر وزير الداخلية العراقي في مجمل أحاديثه هو مراعاة حقوق الإنسان مع المعتقلين، وكان يقول للصحفيين إن الشخص لا يعتقل إلا بأمر قضائي، وبعد أربعة وعشرين ساعة يتضح موقفه القانوني، وأن لا تعذيب وأن الوجبة الغذائية للسجين هي نفسها لعناصر الشرطة.
لكن ما تم كشفه في السجون السرية تحت أبنية المكاتب الإدارية لوزارة الداخلية أطاحت بكل تلك المزاعم، وإن كانت صحيحة في أماكن محددة. الغريب أن الاكتشاف تم على يد القوات الأمريكية ولو لم تكن هذه القوات لما علم العراقيون بذلك، لكن الأغرب هو استعمال رئيس الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري في مؤتمره الصحفي الذي أقر فيه بالأمر بمفرده «أحطت علمًا» بوجود سجناء تعرضوا لسوء التغذية والتعذيب وعبارة «أحطت علمًا» تدل على أن الجعفري لم يكن يعلم وأنه غافل عما يجري في داخل أهم وزارة في حكومته، سواء أكان يعلم لكنه كان يتغاضى أم لم يكن يعلم بالفعل، فإن كلا الأمرين لا يليق بمنصب رئيس الحكومة «الديمقراطية والشفافية» كما يقول دائمًا.
كانت القوات الأمريكية تشك في وجود سجناء ومعتقلات مشكوك في أمرها بوزارة الداخلية فتحركت قوة أمريكية وطوقت المكاتب الإدارية لوزير الداخلية في حي الجادرية القريب من مقر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي ينتمي إليه وزير الداخلية، وكان ذلك في مساء الأحد الرابع عشر من الشهر الجاري.أخرجت الحراس وقطعت الاتصال وسيطرت على تلك الأبنية، وإلى ما بعد عدة أيام. وكشفت عورة الأجهزة الأمنية العراقية في ملف حقوق الإنسان.
هذه العملية لم تأت بجديد بالنسبة لكثير من العراقيين، خاصة أهل السنة، إلا أن الجديد في هذه الحالة هو إثبات ما كان موجودًا من قناعات واسعة، فأهل السنة يشكون منذ تولي هذه الحكومة من اعتقالات عشوائية وتعذيب وضرب مبرح للمعتقلين الدكتور عدنان الدليمي رئيس مؤتمر أهل العراق كان يصرخ بأعلى صوته في مختلف وسائل الإعلام وكان يظهر ويوزع الصور والوثائق وشهادات المعتقلين المفرج عنهم، لكن الحكومة كانت تواجه كل تلك الادعاءات بالإنكار، وتكذب القائلين بها، لكن قبو الجادرية أثبت صدق ما كان يقوله الحزب الإسلامي العراقي ومؤتمر أهل العراق وهيئة علماء المسلمين، فهناك شيوخ الجوامع عوملوا بلا رحمة واستعملت أثناء التحقيق معهم الثاقبة الكهربائية لانتزاع الاعترافات والتعليق من أماكن حساسة من الجسم وصب الماء البارد عليهم في الغرفة الباردة.
حملات اعتقال ليلية
لا أريد إدراج الموضوع في القضية الطائفية ولكن ليس بعيدًا عنها كل البعد وفيها قدر من الحقيقة، فبعد تولي الحكومة الحالية دفة الأمور في البلد. حدث تغيير واضح في الضباط والمسؤولين ورجالات الأمن في وزارة الداخلية، وبدأت حملات الاعتقال الليلية وفي ساعات حظر التجوال الساعات التي لا يقدر أحد على الحركة فيها إلا القوات الرسمية من الأمريكيين والعراقيين، وكانت كلها في المناطق السنية ومن شباب أهل السنة في إحدى الحالات مثلًا وفي منطقة تسمى «الحرية» في بغداد حدثت حملة دهم ليلية، ومع أن السكان هم من السنة والشيعة إلا أن من تم إلقاء القبض عليهم كانوا من السنة فقط، المنفذون كانوا يحملون بطاقات تعريفية من وزارة الداخلية بلباس الشرطة وسياراتهم، اعتقلوا ستة وثلاثين شابًا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وبعد أيام تم العثور على جثثهم على قوارع الطريق، وكلهم كانوا من أعضاء الحزب الإسلامي العراقي المشارك في العملية السياسية !!
حول ما تم كشفه في ملجأ الجادرية اعتمد وزير الداخلية العراقي نهجًا دفاعيًا بلهجة فيها شيء من الانكسار، مقرًا بأن هناك آثار تعذيب على عدد محدود من السجناء، لكن وصفها بـ «البسيطة» إلا أن القوات الأمريكية تقول: توجد إصابات عميقة وحالات الإصابة بالشلل التام والحروق والوفاة.
صورة قاتمة لحقوق الإنسان
السبب الحقيقي أو الإشكالات الحقيقية التي أدت إلى تشابك الأمور والالتباس والغموض وصعوبة فك الألغاز في المشهد العراقي، هي التقاطع الطائفي والعرقي.
فقادة وأعضاء الائتلاف العراقي الموحد «الكتلة الشيعية في البرلمان» يقولون: إن التصعيد الإعلامي تجاه فضيحة الجادرية الغاية منه إسقاط حكومة إبراهيم الجعفري أو تشويه صورتها لأغراض انتخابية، أو كما ورد على لسان موفق الربيعي أثناء زيارته إلى طهران بأن ما حصل مؤامرة على من وصفهم بالقوى الخيرة والوطنية والدينية، بمعنى أن كشف حالات التعذيب مؤامرة على الحكومة !!
لكن أليس التعذيب والضرب المبرح والموت مؤامرة على الشعب العراقي؟ بل مؤامرة على الحكومة نفسها وجعلها غير ديمقراطية وغير شفافة وأنها لا تنتمي إلى العراق الجديد؟
القوى السنية في المقابل أيضًا تقول: إنه كلما اقتربت الانتخابات أو مواعيد المراحل السياسية التي على العراق تخطيها للوصول إلى الوضع الثابت تقوم الحكومة بشن معارك وحملات المداهمة والاعتقال ضد أهل السنة بغية توتير مناطقهم وخلق نفور في نفوس سكانها من الانتخابات، ليبقى السنة خارج السلطة أو تستمر القوى الأخرى في حكم العراق، أو كما ورد في بيان للحزب الإسلامي العراقي: إن كل ما يجري هي محاولات الإمعان في تهميش أهل السنة والإيغال في الطائفية البغيضة.
بين هذه الاتهامات المتبادلة تقف أكثرية الشعب العراقي تجهل الحقيقة وتدفع الثمن.
ربما الانتخابات القادمة ستغير من هذا الوضع في حال مشاركة فاعلة للسنة، تعيد رسم خريطة البرلمان العراقي، وسيكون للسنة صوت يتكلم ويرفض ويمتلك حقوقًا دستورية، لكن حتى ذلك الوقت فهناك أرواح تزهق ومقابر جماعية يتم العثور عليها على طريقة صدام حسين لكن ليس بيد صدام حسين.
■ سجناء عراقيون في أقفاص للأسود
أعلن جيش الاحتلال الأمريكي بدء تحقيق غير رسمي في اتهامات لجنود أمريكيين في العراق بوضع سجينين عراقيين داخل قفص للأسود عام ٢٠٠٣م للحصول على اعترافاتهما. ويأتي هذا الإعلان في وقت يتواصل فيه تحقيق للحكومة العراقية حول احتجاز أكثر من ١٧٠ عراقيًا في قبو تابع لوزارة الداخلية، وتعرضهم لانتهاكات عدة للاشتباه في دعمهم للمقاومة السنية.
وقال المتحدث باسم الجيش بول بويس الثلاثاء 15\11\2005م: إن المسؤولين يحاولون التأكد من صحة ذلك الحادث، لكنه شدد على أن الجيش لم يبدأ تحقيقًا جنائيًا رسميًا بعد.
وحينما سئل عن هذه الحادثة قال المتحدث: نحن في حيرة بعض الشيء بعد مرور ۸۰۰ يوم على هذا الحادث الذي زعم وقوعه واحتجاز هؤلاء الأفراد،
تعتبر هذه هي المرة الأولى التي يشار فيها إلى استخدام أسود، ورفع رجلا أعمال عراقيان هما «شيرزاد خالد» و «ثاهي صبار»، دعوى قضائية على دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي وكبار القادة العسكريين الأمريكيين بالعراق، وأقامت هذه الدعوى جماعتان لحقوق الإنسان هما «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية» و«حقوق الإنسان أولًا»..
وقال الرجلان في الدعوى: إن السجانين الأمريكيين أخذوهما إلى قفص يحوي أسودًا في ساحة قصر للرئاسة ببغداد، وأجبروهما على دخول القفص، ثم أرجعوهما وأغلقوا باب القفص حينما اقتربت الأسود في محاولة للحصول على اعتراف معين. علق رامسفيلد على هذا الاتهام بقوله: « يبدو أنه غير مقنع، ومن الواضح أن أي شيء يزعمه أحد يجري النظر فيه».
ولم تكشف المصادر عن هوية هذين العراقيين وأسباب اعتقالهما عام ٢٠٠٣م، أو التهم التي وجهت إليهما والاعترافات التي سعت القوات الأمريكية للحصول عليها منهما.
■ إنها حرب إبادة ضد العرب السنة
بغداد: محمد صادق أمين
في معتقلات الداخلية التي تضم ۱۸۰۰۰ معتقل من أهل السنة معظمهم من غرب العراق تجري عمليات التعذيب حتى الموت بأبشع ما يمكن أن يتصوره ذهن القارئ الحصيف، قد تصل إلى سلخ الجلد، قلع الأظفار، ثقب الرأس بالمثقب. تقطيع الجسم بالمنشار الكهربائي...... وصور أخرى لا تقل بشاعة تفاصيلها في تقارير دورية تصدرها المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان في العراق.
حين سقط نظام الطاغية صدام حسين على يد الاحتلال الأنجلو أمريكي أفاق العراقيون على صدمة مذهلة متسائلين: هل سقط النظام الذي ملأ الدنيا تحديًا وصراخًا بهذه السرعة الدراماتيكية الهائلة؟! وحين أفاق العراقيون من الصدمة وجدوا أنفسهم أمام بلد محتل!
انكشاف معتقل واحد للتعذيب بطريق الصدفة أو بطريق تصفية الحسابات السياسية، وكذلك نشر تقارير تؤكد استخدام الفوسفور في الفلوجة تعطينا إشارة عابرة على حجم التصفية التي أصابت ولا تزال تصيب العرب السنة في العراق.
وقد اتخذت الإبادة ضد العرب السنة صورًا أنكى من تلك التي تجري ضد الشيعة، فما يجري ضد الشيعة هو أعمال تقوم بها جهات مرفوضة من كل عراقي شريف، بينما ما يجري ضد السنة هو إرهاب دولة منظم بعيدًا عن الأضواء والإعلام، وعلى سبيل المثال لا الحصر دخلت قوات الشرطة إلى حي فيه أغلبية سنية في بغداد، وقامت باعتقالات عشوائية متنقلة من منزل إلى آخر مستهدفة شريحة الشباب، فجمعت ما يزيد على الأربعين شابًا، يقسم أهل الحي أنه ما طلع عليهم الصباح إلا وهم جثث مجهولة الهوية قتلوا جميعًا بطلقة في مؤخرة الرأس وتبدو على الجثث علامات التعذيب بالمزرف الكهربائي والحرق وما إلى ذلك، وحين احتج الحزب الإسلامي العراقي على هذه الممارسات لدى الداخلية العراقية نفت هذه الأخيرة أي علاقة لها بالأمر، وذهب وزيرها للقول إن ملابس الشرطة متوافرة في منطقة «باب الشرجي» ويمكن لأي كان أن يشتريها فماذا عن السيارات يا سيادة الوزير...!؟ لا جواب هذا مثال واحد، ويمكنك أن تكتب ألف مثل عندما تلتقي الناس في أنحاء مختلفة من العراق، لقد قرأت تقارير المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان وفيها ما يهز الأبدان وتشيب من هوله الولدان، وما لا يمكن أن يستوعبه هذا المقال: ولكن الحالة مأساة ومصيبة كارثية حلت بالعراق وأهله وأصابت السنة العرب في مقتل عظيم، لا يعرف حجمه إلا العاملون على الساحة الذين يأملون أن يكون لهم مخرج!