العنوان المجتمع التربوي (1368)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
مشاهدات 54
نشر في العدد 1368
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 21-سبتمبر-1999
راحة من أخلاط السوء
ضريبة العمل الدؤوب في الحقل الدعوي استنزاف الكثير من الزاد الإيماني للداعية وسبب ذلك الخلطة بالناس المختلفة مشاربهم. والمتفاوتة نفوسهم.. هذه الخلطة محمودة مطلوبة للعاملين في المجال الدعوي على جميع المستويات المتاحة، لكنها قد تسلب من إيمان الداعية على قدر نوع المخالطة، وطبيعة الأفراد وقد تجر إلى تصرفات غير متوقعة من العاملين في الدعوة، فقد تسبب لهم فتوراً عباديًا عن أداء السنن المؤكدة، وحرمانًا من التلذذ بقراءة القرآن والإكثار من التسبيح والتحميد.. وسائر الأوراد الأخرى، ومن هنا كان لا بد من الراحة مما تسببه هذه الأخلاط، وهذا هو ما دعا إليه خليفة المسلمين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه. بقوله: «العزلة راحة من أخلاط السوء».
إن «عمر» الفقيه فاه بهذه الحكمة العظيمة والدعوة المهمة لكل داعية، وهي أنه لابد من الراحة والعزلة، وهي خلوة تعبدية، دعا إليها سعيد بن المسيب بقوله: «عليك بالعزلة، فإنها عبادة، وما من شك في أن هذه العزلة التي يتفرغ فيها الإنسان لنفسه، تثمر في قلبه من معاني الإيمان ومقادير الرضا والطمأنينة والأنس بالله، ما يجعله زاداً مبلغاً للمراد، وهذا المنهج المهم كان يسير عليه سلف الأمة ودعاتها.
إن منهج العزلة والخلوة، منهج نبوي أصيل، منذ أن كان النبي r يتحنث لربه في غار حراء إلى أن أصبح التفرغ لديه محمودًا في أوقات لا يتنازل عنها، فها هي ذي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تثبت خلوتين وعزلتين للنبي r أولاهما عند سماع الأذان للصلاة، قائلة: «كان في حاجتنا، فإذا أذن المؤذن قام وكأنه لا يعرفنا»، وثانيتهما عند قيامه لليل، قائلة: «ما ترك النبي r قيام الليل».
إن هذا التفرغ جزء أساسي في حياة الداعية، يرفع فيه كفيه لربه ليسأله العون والمدد على ما يجده في الطريق من لأواء، فتكون تلك الساعة ساعة بث الهموم، وطلب الفتح، وتسديد الأمر، إنها فترة لزيادة الحسنات بالتأمل في القرآن والسنة، وإشباع القلب بزيادة الحب لهما.
والتأثر بما فيهما.. كما أنها فترة للإنتاج الروحي، والثقافي والسلوكي.. فحري بنا أن نحرص عليها من وقت لآخر.
علي بن حمزة العمري
الخلوة «الحلوة».. في حياة الداعية
للعزلة في حياة الداعية فوائد كثيرة وأهداف عظيمة، ومقاصد نبيلة، وثمرات يانعة، ومن ذلك الخلوة بالله وراحة القلب من هموم الدنيا، وطول الصمت وشغل الإنسان بنفسه، وقلة اشتغاله بذكر غيره وتفقد حاله، ومراجعة أعماله.
ومنها: التفرغ لرقة القلب، وتجديد الإيمان والعزوف عن منافسة الدنيا، وأعظمها الشوق إلى لقاء الله بالتفكر والتدبر والالتجاء إليه والانطراح بين يديه.
ومنها: إذلال النفس بالتواضع، وإنصاف الناس والإقرار بالحق، وكذلك جمع الحسنات بكثرة الذكر، وتحريك الفكر، والإعداد للنفس والتخطيط للمستقبل، في مشاريع مختلفة، تكون ثمرة حلوة استفادها من هذه الخلوة.
هذه بعض الثمرات والفوائد التي تجنيها أخي الداعية عند تفرغك لنفسك، وخلوتك لوحدك، وهي من المطالب الأساسية للدعاة العاملين، بعد فترة من الجهد والتضحية التي يعقبها - في الغالب - فترات من الضمور والضعف الإيماني والعبادي، والهزال الإنتاجي والفكري.
وحتى تستثمر هذه الخلوة فلا بد من معرفة ضوابطها التي يمكن من خلالها أن تكون رافدًا حيويًا، ومنبعًا معينًا، في حياة الدعاة... ومن ذلك يجب معرفة الزمن المحدد لهذه الخلوة والعزلة... ففتراتها مختلفة حسب الأفراد وطبائع أعمالهم، فقد تحتاج لدى بعض الأفراد إلى شهر مثلًا، ولدى آخرين أسبوعًا وقوم يومًا، وهكذا.
- لا تعني الخلوة الانقطاع الكلي عن المطالب الأساسية والحاجات الملحة للإنسان، بل ينشغل الإنسان في أغلب أوقاته بنفسه، مع مراعاة المهم من قضاياه التي يحتاج لمتابعتها.
- من أجمل فترات الخلوة، أن تكون خارج البيئة التي يسكن فيها الإنسان، وهذا أمر يذكره علماء النفس وملخصه: «إن الشخص إذا أراد السفر لإراحة بدنه، وتدبير أمره، فعليه أن يختار مكانًا غير مألوف لديه - بيئته المعتادة - وألا يسافر وعقله وقلبه مرتبطان بالكثير من المشاغل».
- النفس دائمة التقلب، لذا لا بد من جلب بعض المسليات، وبعض وسائل الترفيه المعينة في هذا الباب.
ألا يزيد وقت الخلوة على الحد الطبيعي - على حسب أعمال الإنسان، فقد يكفي البعض ثلاثة أيام، أو خمسة أيام.. المهم الا يزداد وقت هذه الخلوة حتى لا تؤثر على غيرها.
- الخلوة ليست مرهونة بزمان أو حادثة معينة بل يمكن أن يختلي المرء بنفسه في الأسبوع ساعات عدة، وفي اليوم ساعة.
- التجارب الناجحة هي في تلك الخلوة التي يسعى إليها الداعية في فترات من سنته التي يعيش فيها، وتكون منتظمة، لتحقيق أهداف الخلوة...
أخيرًا لن تحقق هذه الثمار، ما لم يكن أحدنا مجربًا مضحيًا ببعض الحاجات، مخططًا لهذه الخلوة، مراعيًا ضوابطها مستشعرًا ثمارها .
جهاز للحسنات.. في فمك
قرأت في مجلتكم الغراء بالعدد (١٣٥٤) في باب المجتمع التربوي موضوعًا بعنوان: «أشياء صغيرة
وأرباح طائلة» فمرت بذاكرتي هذه الخاطرة:
جهاز صغير لا يحتاج إلى كهرباء ولا صيانة تحمله معك هبة من الله أينما ذهبت وحيثما حللت، إنه لسانك الذي في فمك تسبح به الله تعالى وتحمده، فلا يأخذ منك التسبيح والتحميد أكثر من ثوان معدودة، ولا يكلفك من الجهد شيئًا.
إن لهذا اللسان أو هذا الجهاز الصغير فوائد كثيرة منها الكلام والتذوق، فهذه الأداة يميز الإنسان بها الحلو والمر وعن طريقها يقوم بدعوة الناس إلى الحق أو تصدر الكلمة الطيبة التي هي صدقة وبما يستغفر الإنسان ربه ويناجيه.
والرسول r يقول: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحانه الله العظيم» (أخرجه البخاري (6406)، ومسلم (2694() وكذلك يقول: «من قال في كل يوم حين يصبح وحين يمسي حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله عز وجل ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة». (رواه أبو الدرداء تخريج زاد المعاد)
نعم - أخي المسلم - كم لنا من الأجر عندما نحسن استخدام هذا الجهاز اللسان في قراءة القرآن، والمأثورات والكلام الطيب، أما إذا استعملناه في غير ما يرضي الله فذلك هو الخسران المبين. فالرسول r يقول لمعاذ بن جبل - t - عندما سأله معاذ: «وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به»، فقال: «ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟».. (أخرجه الترمذي (2616)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11394)، وابن ماجه (3973)، وأحمد (22016) باختلاف يسير) نسأل الله السداد في القول والعمل.
محمد مقبل علي المجيدي- تعز- اليمن
الثبات على أداء متطلبات الدعوة
قد يتساهل بعض الناس في أن يبرم ميثاقًا وعهدًا مع الله في تبليغ رسالته وأداء تكاليف الدعوة، ثم يسوغ له نقضه بحجة أنه ليس بواجب شرعي، ومثال هذا أن يتفق الدعاة إلى الله على فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدعوة إلى دين الله تعالى ثم يتنصل واحد أو أكثر من هذا الاتفاق بحجة التفرغ للبيت الأسري، وتربية الأبناء، وينسى أن الرسول r بدأ عمله الدعوي وتبليغ رسالة ربه بعد أن بلغ أربعين عامًا، وظل يدعو ويجاهد ويضحي ويربي ويعلم إلى آخر رمق في حياته وكانت آخر وصاياه والصلاة وما ملكت أيمانكم.
فإذا سلم -جدلًا وتنزلًا - بأن هذا العهد والاتفاق ليس واجبًا شرعيًا، أفلا يكون ترك ذلك العهد والميثاق من نقص المروعة، وضعف الرجولة والتراجع عن المعروف؟
ومن المعلوم أن المشرع الحكيم آدابًا وواجبات يمكن أن يندرج الحفاظ على هذه المواثيق تحتها مثل المروءة والفتوة والحفاظ على العهد والوفاء به والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ترك شيئًا من ذلك فقد أخل بآداب الشرع المطهر وأخل أيضًا بالآداب الاجتماعية المتعارف عليها([1])
نعلم أن الثبات على الدين، وعلى أداء متطلبات الدعوة من الأمور الصعبة في هذا الزمان، وليكن عزاؤنا في ذلك حديث خباب بن الأرت -t- قال: أتيت النبي وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه» أخرجه البخاري (3852) باختلاف يسير([2])
وفي رواية «فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على راسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون([3])
ونريد بالثبات أن يظل الأخ عاملًا مجاهدًا في سبيل غايته، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية قال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحزُنكَ كُفرُهُۥٓۚ إِلَينَا مَرجِعُهُم فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (لقمان:23)([4])
ومن طبيعة الطريق إذ إنه «طريق طويل وشاق بعيد على المراحل كثير العقبات، فلا بد أن يوطن كل منا نفسه على الصبر الجميل والنفس الطويل. ويوقن أنه قد يموت دون رؤية النصر، حسبه أنه سار في الطريق ومات وهو فيه ([5]).
إن مما يعينك على الثبات في الطريق الاطلاع على سير الصالحين الثابتين من الأنبياء والرسيل والأولياء والعلماء والمجاهدين، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود: ۱۲۰)
وكذلك صحبة الصالحين، والبعد عن الطالحين من الأمور المهمة التي تورث الثبات على الطريق وتشد من الهمة في البقاء على طريق الهداية والصالحين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة:119).
يقول الأستاذ مصطفی مشهور لنثبت یا أخي على طريق الدعوة، فلا تزل قدم بعد ثبوتها ولنظل على الطريق، لا نمل السير كل الوقت، وفي كل مكان، وتحت كل الظروف ولو كان الواحد منا وحده في أقاصي الأرض أو في أعماق السجون مستشعرين معية الله فهو نعم المولى ونعم النصير، لا تمل السير يا أخي ولو تباعدت أمام ناظرتك تباشير النصر أو ثمار أعمالك وجهادك فالله سبحانه من رحمته بنا يحاسبنا على الأعمال والنيات، ولا يحاسبنا على النتائج([6]).
يقول جمال فوزي:
سنبذل روحنا في كل وقت |
| لرفع الحق خفاقًا مبينًا |
فإن عشنا فقد عشنا لحق |
| ندك به عروش المجرمينا |
وإن متنا ففي جنات عدن |
| لتلقى أخوة في السابقينا ([7]) |
وأعلم أن طريق الدعوة طريق عزيزة غالية، إنه طريق الجنة والرضوان بل إنها طريق الله فاللهم ثبت أقدامنا على طريقك - وهي طريق محفوفة بالمكاره وليست مفروشة بالورود بها عقبات تتعدد وعلى جوانبها منعطفات تبعد ([8])
وتذكر أن المحن والابتلاءات والمنعطفات سنة الله في الدعوات ليمحص ويميز، وليعد النوعية التي تتحمل أمانات النصر ولهذا فالمحن جزء لازم من طريق الدعوة، وهي أيضًا مقدمات ومبشرات للنصر، وصدق الله العظيم. ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام:34).
يقول سيد قطب - رحمه الله : إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم، ضارب في شعاب الزمن، ماض في الطريق اللاحب ماض في الخط الواصب مستقيم الخطى ثابت الأقدام، يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، ويقاومه التابعون من الضالين والمبتدعون ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء والموكب في طريقه لا ينحني، ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد والعاقبة هي العاقبة مهما طال الزمن ومهما طال الطريق، أن نصر الله دائمًا في نهاية الطريق، وما هذه الكلمات التي يقولها الله سبحانه لرسوله r إلا كلمات للذكرى والتسرية وللمواساة والتأسية وهي ترسم للدعاة وإلى الله من بعد رسول الله r طريقهم واضحًا، ودورهم مجددًا، كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته.. إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة، دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب وتتلقى أصحابها الأذى، وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى، وسنة تجري بالنصر في النهاية، ولكنها تجيء في موعدها ([9]) مهلًا أيها الداعية... رويدًا رويدًا على خط الطريق، فالابتلاءات تناوشك من كل مكان والهموم والمشكلات تعترضك في اثناء السير والمحن والمصائب تهجم عليك بغير موعد سابق ولا إنذار محددًا، فكن صابرًا محتسبًا ذاكرًا لحال رسولنا وقدوتنا r تبتغي الأجر والمثوبة من الله عز وجل كن جادًا في سيرك غير لاه ولا عابث ولا هازل، حتى تأتيك تباشير النصر والتمكين، والعزة والقوة، فقد أتى الزمان الذي قال فيه الرسول r: (الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر) ([10]).أخرجه الترمذي (2260) واللفظ له، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (5/55)، وابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) (31)
فطريقك أسمى ما يدعو إليه البشر، إذ إنك تدعو إلى الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33)
([1]) الثبات: د. محمد موس14 - ١٥
([2]) رواه البخاري (الفتح): ١٦٤/٧ - رقم (٣٨٥٢)
([3]) رواه البخاري (الفتح) ٣١٦/٣١٥/۱۲ رقم (٦٩٤٣).
([4]) الرسائل: حسن البنا (٣٦٣) ط المؤسسة الإسلامية.
([5]) من ركائز الدعوة د. مجدي الهلالي ۲۱٥
([6]) طريق الدعوة (۱) ۱۸۰
([7]) المصطفى(۲): ١٦١
([8]) طريق الدعوة لمصطفى مشهور: ٦٩
([9]) الظلال: ۱۰۷/۲ (ص الشروق).
([10]) رواه الترمذي وقال حديث غريب وهو حسن بشواهد : ٤٥٦/٤ - رقم (٢٢٦٠).
آفات على الطريق _«الحلقة الثالثة»_ العلاج من اليأس والقنوط
بقلم: د.السيد محمد نوح (*)
انتصرت الأمة على الصليبيين والتتار بثقتها التامة في وعد الله بنصر المؤمنين
النظر الصحيح في مظاهر الصحوة الإسلامية يشحن النفس بالبشر والتفاؤل
على الرغم من التقدم العلمي الهائل للأعداء إلا أنهم يعانون مصائب عدة وأمراضاً جسيمة
نستعرض في هذه الحلقة ما كنا قد بدأناه في الحلقة الماضية من رسم أساليب الوقاية والعلاج لآفة اليأس والقنوط وذكرنا منها المعرفة الحقة بالله عز وجل مع حسن الظن به.. واليقين بان اليأس والقنوط من أخلاق الضالين لا من أخلاق المؤمنين الصادقين، وكذلك دوام النظر في قصص الانبياء والمرسلين، فضلًا عن سيرة نبينا محمد r وسنته العطرة.
واليوم نستكمل رسم خطوات هذا العلاج.. ومن ذلك
5. الاستقراء الصحيح المسيرة تاريخنا الإسلامي: مرت بالأمة الإسلامية - أفرادًا وجماعات - فترات عصيبة أحاطت بها الخطوب من كل ناحية، ولفتها الشدائد من كل جانب، ولكنها جاهدت، وأخلصت في جهادها حتى مرت الخطوب، وانتهت الشدائد، وعادت كالذهب النضار.
هذا بيت المقدس ظل رهينة في أيدي الصليبيين إحدى وتسعين سنة، ثم خلصه المسلمون من قبضة أيديهم بقيادة زنكي، وصلاح الدين الأيوبي في حطين عام ٥٩١هـ.
وها هم التتار جاءوا إلى بغداد عام ٦٥٦هـ، فاستولوا على بغداد بعد أن قتلوا الخليفة العباسي، واعملوا السيف في رقاب الأهلين وفرضوا حظر تجول دام أربعين يومًا حتى تلوث الهواء وفسد الجو، ومات بسبب ذلك من الأحياء أضعاف أضعاف من مات بأيدي التتار، ثم صنع هؤلاء الهمج الرعاع من ميراث المسلمين الفكري والعلمي «كتبهم» جسرًا عبروا عليه من دجلة إلى الفرات إلى بلاد الشام، وهناك فعلوا بالناس - مع إعانة اليهود والنصارى والرافضة - لهم - الأفاعيل، ثم صاروا من بلاد الشام إلى مصر للاستيلاء عليها، وكان بين حكام الشام والكرك والشويبك، وحكام مصر من الخلافات ما لا يعلمه إلا الله، ولكن عدوان التتار هذا انساهم خلافاتهم وجمع شملهم، وتنادوا باسم الإسلام، فخف أهل المغرب علماء وطلابًا، وعامة إلى المشرق لإعانة إخوانهم على التتار وفي عين جالوت عام ٦٥٨هـ التقى الجمعان وهزم الله التتر وردهم على أعقابهم خاسرين وأسلم التتر، وحسن إسلامهم حتى حملوا الإسلام إلى بلادهم ناشرين له مدافعين عنه لأكثر من خمسة قرون من الزمان، وما كان هذا الموقف من المسلمين في وجه الصليبيين ومن بعدهم التتار إلا بطرحهم اليأس والقنوط من حياتهم، وتحليهم بالثقة التامة في وعد الله بنصر المسلمين، وهزيمة وخزي غيرهم ممن يحادون الله ورسوله والمؤمنين، وقس على هذين الموقفين مواقف أخرى أكثر من أن تحصى.
وهكذا يمكن أن يساعد الاستقراء الصحيح المسيرة تاريخنا الإسلامي الصحيح على تطهير النفوس من اليأس والقنوط، بل حمايتها أعظم الحماية من ذلك.
٦- النظر الصحيح في واقع الأمة المعاصر: ذلك أن الأمة، وإن كانت تعيش اليوم حربًا على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعلمية والأخلاقية والعسكرية والصحية، وغيرها تحت شعار تجفيف المنابع، إلا أن الإقبال على الالتزام على بالإسلام التزامًا صحيحًا دائمًا لا سيما بين الناشئة والشباب اتخذ صورًا عدة، وهي من المبشرات التي تدفع اليأس والقنوط، وتزرع الثقة بالله في النفوس، والأمل والرجاء.
ففي المجال الثقافي والعلمي: أصبح هناك إقبال على تعلم اللغة العربية بكل فروعها، وهذا من الأهمية بمكان لكونها مفتاح فقه الكتاب والسنة، وطريق الدخول إلى تاريخنا الإسلامي بسنانه، وضيائه، الأمر الذي يكون طريقًا إلى الوحدة الإسلامية الجامعة.
وصار هناك أيضًا الحرص على الفقه في الدين عقيدة، وعبادة، وأخلاقًا ونظمًا وتشريعات، وهذا بدوره يعد سببًا في ضبط تصرفات المسلم من ناحية وإرشاده إلى مكائد الشياطين، وسبيل إحباطها، وكيفية التخلص منها من ناحية أخرى.
كما برز النبوغ في العلوم التجريبية من طب وهندسة، وفلك، وجيولوجيا، وزراعة، ونحوها حتى كانت نخبة العلماء الذين على أكتافهم تدور عجلة البحث العلمي، والإنتاج في كل من أوروبا الشرقية والغربية، وأمريكا، وهم بإذن الله رصيد مدخر للامة يمكن توظيفه، والانتفاع به في اللحظة الحاسمة، والبيئة المناسبة، كما كان الرد على الشبهات والأباطيل التي أثيرت وتشار بين الحين والحين حول الإسلام والمسلمين بصورة تحمي الناشئة والشباب من التأثر بهذه الشبهات والأباطيل.
كما انتشر الكتاب الإسلامي المبرز الصورة الكلية للإسلام بشموله ووسطيته، وواقعيته وسماحته، ويسره، وثباته ومرونته، بالإضافة إلى بعث المخطوطات في كل فروع الثقافة والعلم من جديد بعد أن كادت تبلى وتموت.
وفي مجال الأخلاق والسلوك: برز الالتزام بالإسلام في الحرص على تعاطى الحلال في المطاعم والمشارب، والملابس، والسكنى ونحوها، وفي الحرص على الظهور بالمظهر الإسلامي في الحجاب، وفي بناء البيوت وتخطيط التجمعات السكانية ونحوها.
كما علت الأصوات المنادية بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية حتى من أولئك الذين كانوا يعلنون في إصرار أنه لا دخل للسياسة في الدين، ولا للدين في السياسة، خطبًا لود الشعوب المسلمة التي باتت لا يرضيها إلا أن تحكم بشرع الله -U- ووضعت الدراسات والبحوث اللازمة في كثير من جوانب الشريعة الإسلامية تيسيرًا لسبيل التطبيق والتنفيذ.
وحرص الأكثرون على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع مراعاة شروطه وآدابه.
وباتت التجارب الواقعية: تلح على الشباب المندفع بعاطفة وحماسة للقيام بهذا الواجب عن طريق القوة فقط، وإراقة الدماء أن يثوب إلى رشده، وأن يعود إلى وعيه مراعيًا الحكمة في تطبيق هذا الواجب بلا ضرر ولا ضرار.
وفي المجال الاجتماعي: كان التوسع في أعمال البر والمعروف من أجل تخفيف المعاناة عن كل صاحب حاجة، وكذلك من الم به عذر من الأعذار كما تشهد بذلك بيوت الزكاة ولجانها وكذلك صناديق الوقف الخيري، ولجان العمل الإسلامي المنتشرة في كل قارات الدنيا، وكان التنسيق بين بعض الأقطار من أجل التعاون والتآزر لتحقيق المصالح والأهداف المشتركة، كما يشهد بذلك منظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها.
وفي المجال الاقتصادي: كان حصر الإمكانات والموارد الاقتصادية في العالمين العربي والإسلامي من أجل العمل على توظيفها واستغلالها على أكمل وجه وأحسنه.
كما وضعت بعض السياسات والنظم الاقتصادية في كثير من بلدان العالمين الإسلامي، والعربي، لتحقيق التكامل والتعاون الاقتصادي، وكان التكامل والتبادل في الصناعة والزراعة حسب الخصائص التي يتمتع بها كل واحد من هذه البلدان، توفيرًا للتكاليف وقضاء على المنافسة غير المجدية، وتبادلًا للخبرات، وإفادة من التجارب الاقتصادية فيما بينها.
وكان استخدام التقنية الحديثة، وتطويرها، وتوظيفها بما يساعد على التنمية الاقتصادية بأقل التكاليف، ومن أقصر طريق.
وقامت بيوت التمويل والمصارف، ملتزمة المنهج الإسلامي، وعاملًا للتخلص من المعاملات المحرمة والمحظورة.
وفي المجال السياسي والإداري: وضعت البحوث، وعقدت المؤتمرات التي تتناول الشكل الإسلامي للسياسة والحكم المتمثل في الشورى والانتخاب والتعددية الحزبية وتنصيب المرأة ونحوها، كما روجت أشكال الحكم القائمة في العالم اليوم من الديمقراطية، والدكتاتورية والحكم الفردي الشمولي المطلق.
وشكت بعض أنظمة الحكم في العالم العربي والإسلامي على النمط الإسلامي، وإن كانت لا تزال تحتوي على جوانب النقص، ولكنها في طريقها إلى الزوال بالاستمرار والصبر.
وفي مجال الأسرة وتربية الأولاد: كان الاهتمام بمعرفة مقاصد الزواج، وأنجح سيل تطبيقها وتنفيذها وكذلك برز الاهتمام بالطفل من حيث إنه اللبنة الأساسية في بناء المجتمع بوضع رسائل صغيرة في تربية الأولاد، وحل المشكلات التي تعترض سبيلهم من المنظور الإسلامي، وتمت العناية بالمرأة المتمثلة في إفهامها أن الإسلام ارتقى بها إلى مستوى لم يكن لها به عهد من قبل البعثة المحمدية، وقد أعطاها من الحقوق قدر ما عليها من الواجبات سوى مسألة القوامة حيث جعلها للرجل رعاية لمصلحة الأسرة عموماً، والمرأة على وجه الخصوص، قال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، (البقرة: ۲۲۸) «انظر: التربية الإسلامية: الصف الرابع الثانوي بدولة الكويت: الدرس الأخير بتصرف يسير».
وهكذا يمكن أن يؤدي النظر بمثل هذه الصورة من الاستقراء والتتبع في واقع الأمة اليوم إلى اقتلاع اليأس والقنوط من النفوس وشحن هذه النفوس بالثقة التامة في الله والرجاء والأمل في وعده بالنصر والتمكين عندما نأخذ بأسباب النصر والتمكين.
۷ - النظر في واقع الأعداء بالأمس واليوم: أما واقع الأعداء بالأمس فمعروف مقدار ما نزل بهم من الفشل والهزيمة بأيديهم، وبأيدي المؤمنين في بدر، والخندق وحنين، ويوم بني قينقاع، وبني النضير وبني قريظة، وفي خيبر وأثناء الحروب الصليبية، وما كان في الحرب العالمية الأولى والثانية.
وأما واقعهم اليوم فحسبهم - على الرغم من التقدم العلمي الهائل الذي يعيشونه في كل مناحي الحياة ـ انهيار القيم، وتحطم الأخلاق وشيوع الجريمة، وسيطرة القلق النفسي وعدم الصبر والرضا، وسيادة الشكوك والظنون الكاذبة، وتشتت القلوب، وشيوع الأمراض البدنية لاسيما التي استعصت على العلاج، وتمرد الظواهر الكونية، وكثرة الكوارث في البر، وفي البحر، وفي الجو، وما أدى إليه ذلك من اليأس والقنوط، ومحاولة الانتحار والتخلص من الحياة.
إذ إن دوام النظر في واقع هؤلاء الأعداء بالأمس واليوم يطمئن المسلم إلى أن الأعداء ممتحنون مثلنا وأشد كما ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران:١٤٠) وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:104).
وأن علينا أن ونتحمل، ونؤدي واجبنا للخروج من قدر الهزيمة إلى قدر النصر، ومن قدر الفشل إلى قدر النجاح، وذلك هو وعد ربنا لنا إذ يقول ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران:137)
8- محاسبة النفس دوماً لمعرفة اسباب الفشل والإخفاق، ثم محاولة التخلص من هذه الأسباب: فهذه المحاسبة المستمرة توقف المرء على جوانب الخلل في حياته، والأسباب أو البواعث الدافعة لذلك، وهذا يحمل على التخلص من هذه الأسباب والبواعث إن كان المرء جادًا صادقًا مع نفسه، وبهذه المحاسبة يقضي على سبب رئيس من أسباب اليأس والقنوط، إذ سيقل الفشل والإخفاق، وربما يتلاشي تمامًا.
قال تعالى في الدعوة إلى هذه المحاسبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر:18).
وقال r: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني الحديث تقدم تخريجه». أخرجه الترمذي (2459 )، وابن ماجة (4260 )، وأحمد (17164)
9- التأمل في إقبال غير المسلمين الكبير على الإسلام: ذلك أن غير المسلمين قد أيسوا الأمن والأمان في ظل المناهج الأرضية التي عاشوا في كنفها، وتحاكموا إليها بعد أن دانوا بالإلحاد أو بالشرك، لأن منها من انهار بعد أن ثبت فشله وعدم غناه أو جدواه، كالمنهج الاشتراكي أو الشيوعي القائم على أن الكون مادة، ولا إله والدين أفيون الشعوب، وأنه لا أخرة، وما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر!
ومنها ما هو في طريقه إلى الزوال كالمنهج الرأسمالي القائم على إطلاق حق الملكية بلا ضوابط ولا قيود فنشأ الاستغلال والظلم من الأقوياء للضعفاء والأحقاد من الضعفاء للأقوياء والكل أصبح غارقًا في الجريمة والإثم لأنه لا يوحد الله، ولا يقيم له وزنًا، ولا يرجو له وقارًا. ولا يخاف عقاب الآخرة لتصوره أنه ابن الله وحبيبه، فكيف يعذب الأب ولده، والحبيب حبيبه ثم ها هم الأخبار والرهبان والحاخامات يحلون لهم الحرام، ويحرمون عليهم الحلال، ويعدونهم مغفرة ذنوبهم والجنة بعد ابتزازهم، واخذ ما في أيديهم وجيوبهم.
ولما آلت حالهم إلى هذا الوضع المزري بحثوا عن الخلاص فما وجدوه سوى في الإسلام فاقبلوا إليه إقبالاً عديم النظير، لا سيما في أوروبا الشرقية والغربية وأمريكا، مع قلة الجهد الذي يبذله المسلمون في ذلك من ناحية، ومع السلوكيات المنحرفة لكثير من المسلمين من ناحية ثانية، ومع التشويه والتحريف للإسلام بأيدي المستشرقين والمستغربين وبعض أبنائه من ناحية ثالثة، وما ذلك إلا لأنه دين الفطرة والأمان، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:30). وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة:138). والحال هذه تقتضي التأمل فيها، وأن الله هو الذي يصنع لدينه، ولو كره المشركون والكافرون.
(*) أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة. جامعة الكويت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل