العنوان صور سلبية وسلوكيات خاطئة: من بعض الحجيج
الكاتب حسام قاسم
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 71
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 54
السبت 17-يناير-2004
■ الجدال والتزاحم والاستغراق في الحديث عن الدنيا يذهب لذة الحج ويضيع كثيرًا من الأجر.
■ عندما يحرص الحاج على أداء الفريضة بصورة صحيحة يحظى بصفاء النفس ونقاء القلب ومغفرة الرب.
يأتي موسم الحج كل عام بما فيه من خير فيسكب في القلب السكينة والطمأنينة والراحة ويزداد المؤمن قربًا من الله تبارك وتعالى، فيعد نفسه قبل الرحيل بالتوبة الصادقة ويهذب نفسه بالأخلاق الحميدة، وبعد أدائه للمناسك يعود كما ولدته أمه كما قال النبي ﷺ: « من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (رواه البخاري ومسلم والترمذي). ولكن هناك صورًا سلبية وسلوكيات خاطئة لا يليق بالحاج أن يأتيها ومن هذه الصور.
الجهل بمناسك الحج:
بعض الحجيج يذهبون إلى الأراضي المقدسة دون علم بأحكام الحج يؤدون المناسك بلا وعي بأهميتها أو إدراك لعظمتها... بل أداء آليًا أو تقليدًا للآخرين، وإذا كان الخشوع روح الصلاة فإن حضور القلب في المناسك هو روح الحج، ولا تأتي حضور القلب إلا بعد العلم بأحكام الحج الفقهية قدر الإمكان. ولذلك لا بد أن يعلم الحاج كل شيء عن رحلته حتى يؤديها كما أمر النبي خذوا عني مناسككم، والمساجد في تلك الفترة مليئة بدروس العلم، والكتب متوافرة لدى الناس وفي كل المكتبات. ومن المحزن حقًا أن يحرص الحاج على إعداد كل شيء يحتاجه من ملبس ومشرب وعلاج وأموال، وآخر ما يفكر فيه هو حرصه على ما يجب عمله في المناسك.
عدم استشعار روح الجماعة:
يسافر بعض أفواج الحجيج في حافلات كمجموعات. ولقد أوصى النبي r إذا زاد عدد المسافرين على ثلاثة أن يؤمروا أحدهم وعادة ما يكون هناك مسؤول عن الحافلة وواجب المسافرين معه الطاعة ويتحتم عليهم الالتزام بالتعليمات التي يوجههم إليها طوال رحلة السفر في الذهاب والإياب، وغالبًا ما تقف الحافلة - التي قد يصل عدد ركابها إلى ٥٥ فردًا - في الطريق للراحة والصلاة والطعام ولذلك لا بد من الالتزام بروح الجماعة وطاعة مسؤولها، ولا يتصرف أحد الحجاج من تلقاء نفسه بما يخل أو يضر بالمجموعة التي ترافقه ويؤخرهم عن المسير، كمن يتأخر عن ساعة الإقلاع المحددة ومن يمكث في المسجد ويترك الباقين في انتظاره دون مبالاة، ومن لا يشغل باله بمن معه لهوى في نفسه ويترتب على ذلك تأخير لكل المجموعة بسبب فرد واحد.
الجدال:
نهى الله I عن الجدال في الحج فقال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: ۱۹۷) فإن كان المؤمن حريصًا على ترك الفسوق والجدال في سلوكه عمومًا فمن الأولى أن ينتهي عن ذلك في أيام الحج.
ونظرًا لأن رحلة الحج كلها مشقة ومعاناة وتعب واختلاط بأصحاب الأمزجة المختلفة وألوان البشر من كل أنحاء العالم مع اختلاف أفكارهم وتقاليدهم ومفاهيمهم فإن الحاج يقع كثيرًا في مواضع الخلاف والجدال، ومن لم يضع نصب عينيه الآية السابقة فسيقع لا محالة في الجدال ورفع الصوت والانفعال والفسوق.
الصبر على إيذاء الآخرين:
وللحاج أن يتذكر قول أحد الصحابة القد تصدقت بجسدي لله، فإن دفعه أحد أو زاحمه أو سابه فإنه يصبر ويحتسب ويدفع بالتي هي أحسن ويتذكر أنها حجة واحدة، فلا يضيعها في جدال أو انفعال أو غير ذلك.
تلاصق صفوف النساء بالرجال:
خير صفوف الرجال في الصلاة أولها وشرها آخرها لقربها من صفوف النساء، وعلى العكس فإن أفضل صفوف النساء آخرها، ولا يجوز أن يصلي الرجل خلف المرأة، وهذا المشهد المؤلم كثيرًا ما نراه خاصة في البيت الحرام نظرًا للزحام الشديد وارتباط بعض الرجال بمن معهم من أم أو زوجة فيحاول أن يصلي قريبًا منها حرصًا منه ألا يفقدها في وسط الزحام ولكن من الممكن أن يتم ترتيب الأمر كلما أمكن ذلك ففي مساحة ٤٠٠م٢ مثلًا يمكن أن تصلي النساء خلف الرجال والا يكون خلف النساء صفوف للرجال.
ومن السهل على كل مرتبط بنساء أن يحدد مكانًا للمقابلة عند الخروج وبذلك لا ينشغل كل حاج بمن معه من نساء عن روحانياته في الصلاة. ولا يليق أن يسجد الحاج وأمامه امرأة وربما تلامس معها من شدة الزحام فتفسد صلاته وصلاتها.
تكدس الحجيج عند الطواف:
يحرص الحاج على أن يرى بنفسه الخط الموجود على الأرض لتحديد بداية الطواف الممتد للحجر الأسود، ومن شدة حرصه يتوقف عن السير، ومن هنا يحدث تكدس شديد عند الخط الدرجة أن يتلاصق الناس ويتدافعوا وهو أيضًا خط خروج من أنهى أشواطه، ولهذا يزداد الزحام في هذا المكان، ولكن لو بالتقريب رفع الحاج يده لاستلام الحجر وكبر وهو في طريقه في الطواف لخف التكدس والزحام.
التزاحم على استلام الحجر الأسود:
قال النبي r: «ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بحق» (صححه الترمذي والذهبي).
وقال r: «مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطًا» (حسنه الترمذي وصححه ابن حبان).
نعم فقد حث النبي r على ذلك ولكن في حدود عدم إيذاء المسلمين وعدم التدافع المؤذي الذي يسود حول الحجر طيلة أيام الحج حتى وصل الأمر إلى الإصابة ونزف الدماء وانتفى بذلك الجانب العبادي الروحي من الطاعة. لقد رأى النبي r سيدنا عمر t يزاحم الناس فقال له يا عمر: «إنك رجل قوي فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر، فإن خلا لك فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر» (أخرجه الشافعي وأحمد)، فحبذا لو امتثلنا لأمر النبي كما امتثل سيدنا عمر الذي كان بعد هذه الواقعة يسير بين الطائفين يمنة ويسرة لا يدفع ولا يؤذي.
طواف التطوع وإعاقة الحجاج:
طواف التطوع من أقرب النوافل في تلك البقعة المباركة، وكلما وجد الحاج من نفسه قوة ومن وقته سعة وبدون أن يشق على من وصل لتوه إلى مكة لأداء المناسك، استحب له أن يطوف بالبيت فإن الطواف سنة والمكث في هذا المكان الطاهر يتطلب أن يغترف الإنسان من الخير كلما سنحت له الفرصة، ولكن أن يزاحم المتطوعين بالطواف الذين جاءوا لطواف القدوم مما يشق عليهم ويكلفهم العناء وبخاصة كبار السن والنساء، ويتحول الطواف من خشوع وعبادة إلى مغالبة أفواج متلاصقة من البشر حتى ينتهي من أشواطه وكأنه خارج من معركة بلا روح ولا خشوع، فهذا مما ينبغي ألا يقع فيه الحاج، ولقد نهى النبي ﷺ سيدنا عمر عن المزاحمة كما ذكرنا، فلو ترك الحجاج المجال للقادمين عندما يرون الزحام الشديد فيكفون عن طواف التطوع حتى يخف الزحام أو أن يطوفوا في الأدوار العليا للمسجد ويرحموا إخوانهم لكان ذلك أفضل وأعظم أجرًا. وكذلك تكرار عمرة التطوع وما يسببه ذلك من مشقة ومزاحمة للحجاج.
الانشغال بحديث الدنيا:
ينشغل كثير من الحجيج عن ربه في ذلك اليوم المبارك وتلك الساعات الثمينة التي يقضيها الحاج على عرفات فيتحدث عن أحوال الدنيا مع غيره من الحجاج ويترك هذا الوعد الذي وعد الله به الحجاج في عرفات بالاستجابة، فبدل أن يدعو لنفسه وأهله وولده والمسلمين أجمعين ينشغل بحديث لا طائل من ورائه ولا خير فيه والموقف موقف رحمات وأهات ودموع ونزول للملائكة وغفران للذنوب، وصنف آخر من الحجاج يخطئون خطأ لا يقل عن سابقه إذ يقضونه في النوم بعد عناء الوصول لعرفات.
ويا ليت كل الحجاج يدركون خطر هذا الخطأ ويستثمرون وقتهم جيدًا على عرفات.
لقاء الأقارب والأصدقاء:
يلتقي بعض الحجيج أقاربهم أو أصدقاءهم... والحج فرصة كبيرة للقاء الأهل الذين باعدت بينهم المسافات والبلاد فيجتمعون على هذه الطاعة المباركة ويتذكرون الأيام الخوالي ويتبادلون الهموم والأحزان ولكن المؤسف أن يؤدي مثل هذا الحديث بذلك عن استثمار الوقت المستجاب فيه الدعوات إلى معصية كالغيبة والنميمة وغيرها، أو أن ينشغل كعرفات والمزدلفة وأيام منى.
الانشغال بألوان الطعام:
ومن السلوكيات الخاطئة للحجيج الانشغال بألوان الطعام المختلفة والمشروبات والمثلجات التي تمتلئ بها حملات الحج المختلفة بل وتتنافس في تقديم أشهى المأكولات وأفخر الأطباق كي تجتذب الحجيج إليها حتى وصل الأمر إلى توفير أفخر أنواع الآيس كريم والمشروبات الأمريكية الصنع - في زمن المقاطعة - وأنواع الشاورما المختلفة بخلاف كل أنواع المشويات في (البوفيه المفتوح) لا بأس بذلك كله ولكن في حدود المعقول لأن المبالغة تتنافى مع ما يهدف إليه الحج من معان والمشكلة أن بعض الحجاج بعد تناوله وجبته يأخذ معه بعض الطعام لغرفة نومه ويتركه حتى يفسد دون أن يأكله فلا هو استفاد منه ولا تركه لغيره ناهيك عن حجم ما تلقيه الحملات في النفايات في حين أن من المسلمين من لا يجد قوت يومه أو يموت جوعًا في بعض دول العالم.
ومن أنواع الترف الزائد الذي لا يليق بمتعبد تلك الخدمات التي توفرها بعض الحملات من أشخاص يقومون بالمساج والتدليك للحجيج!! فهل اهتم الحجيج بحالتهم الروحية أولًا حتى يذوقوا طعم العبادة بحق ويستشعروا معاني العبودية لله ويعيشوا مع مقاصد الحج بحق ولا ينشغلوا بأمور الدنيا وترفها عن الدعاء والطاعة والعبادة في أوقات لو مرت فلن تعود.
«الحلق» ونقل العدوى من الأمراض:
قال r: « اللهم ارحم المحلقين.... (ثلاثًا) قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! فلما كانت الرابعة، قال: والمقصرين» (رواه مسلم).
ويبادر كثير من الحجيج للفوز بالأجر فيتسابقون لحلق الرأس، فيسلم كل حاج رأسه الصاحب الموس يفعل فيه ما يشاء وبخاصة أنه يريد أن يتحلل من إحرامه فتتفجر الدماء من الرؤوس وتنتقل الأمراض من هذا لذاك حتى لو بدل الحلاق (الشفرة) لأن ذراع الشفرة تبقى فيه فيروسات الأمراض الخطيرة التي تنتقل عبر الدم مثل الإيدز وفيروس C فحري بكل حاج أن يحفظ نفسه من هذا ويتخير حلاقًا متمرسًا وليس متدربًا في رؤوس الحجاج، وحبذا لو أخذ معه وهو ذاهب للحج ذراع الشفرة فهو رخيص الثمن ولكنه سيحفظه من نقل أي عدوى من الأمراض الخطيرة بإذن الله.
التدخين:
الحجاج المدخنون الذين لا يكفون عن عادتهم السيئة وهم يمارسون العبادات وفي أيام الله المباركة يؤذون أنفسهم ويؤذون الحجاج ويجب عليهم أن يعيشوا مع الطاعة والعبادة وأداء الفرائض وينتهوا عن التدخين ولماذا لا يأخذ المدخن نفسه بالعزيمة وتكون هذه الفترة التي تقارب الشهر فرصة للكف عن هذه العادة والإقلاع عنها، وذلك بالاستعانة بالله والتوكل عليه والتصبر بالاستغفار والذكر والتسبيح فيأتي العون من الله ويعود من حجه كيوم ولدته أمه خاليًا من المعاصي طيب النفس والرائحة مقلعًا عن عادته السيئة؟!
خاتمة:
لم يكن رصد تلك الظواهر والسلوكيات من باب تسليط الضوء عليها وإبرازها، ولكن لتفاديها والابتعاد عنها وربما هناك غيرها ولكن ما أردته هو أن نحسن صورتنا ونتعلم من أخطائنا ونعود من رحلتنا المباركة بالخير كله.. حتى لا تندم على إساءة وقعت منا لأحد أو موقف نفر منا آخرين. نعود أصفياء الأنفس أنقياء القلوب مغفورًا لنا من ربنا كما وعدنا r «من حج ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» (رواه البخاري ومسلم).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل