; مأساة بيهاتش.. وانكشاف التواطؤ الغربي | مجلة المجتمع

العنوان مأساة بيهاتش.. وانكشاف التواطؤ الغربي

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994

مشاهدات 190

نشر في العدد 1130

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 20-ديسمبر-1994

  • كان يمكن لحكومة البوسنة أن تكسب الحرب لو توفر لها بعض العتاد من الأسلحة الثقيلة التي لأجلها فرض الحصار عليها.
  • بريطانيا وفرنسا تريدان أن يعاني جيش المسلمين الصامد في بيهاتش مرارة الهزيمة حتى تستسلم الحكومة البوسنية.
  • وزراء دفاع الأطلسي ناقشوا في اجتماعهم الأخير خطة لفرض التقسيم على الحكومة البوسنية.

في كلمته أمام قمة بودابست الأخيرة، طالب الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش القوى الكبرى بوقف الهجوم الصربي على بيهاتش، وعندما قوبل طلبه بالصمت، قال لهم في قاعة المؤتمر: «هل تريدون القول بأن قواكم العظمي عاجزة عن حماية مدينة واحدة من السقوط؟»، وغادر وقلبه ينزف دمًا لنذالة التآمر وموت الضمير الأوروبي الذي سمح لحملات الإبادة أن تحدث مرة أخرى.

إن تبدلات الموقف الأمريكي وغياب الرؤية الحاسمة في التعامل مع المشكلة البوسنية منذ بداياتها الأولى، قد أطلق يدي بريطانيا وفرنسا وأخيرًا روسيا لصياغة الحل الذي تراه باعتبار أن ما يجري على أرض البوسنة هو «معضلة أوروبية»، كما جعل الصرب يستمرئون قوتهم في تدمير المزيد من المدن والقرى الإسلامية، فبعدما كانت وعود كلينتون خلال حملته الانتخابية بالتدخل باعتبار أن من مصلحة أمريكا الوقوف في وجه مبدأ التطهير العرقي، إلا أن مراجعة سياسات إدارة الرئيس بيل كلينتون تكشف -للأسف- عن حالة من التخبط وانعدام الفاعلية وتناقض الأهداف. (يو اس نيوز - ١٢/ ١٢ / ١٩٩٤م). إن الكثير من النقاد في الغرب يرى أن هذه السياسة المترددة وغير الحاسمة قد أعطت للصرب الضوء الأخضر للتمادي في عدوانهم، والتطاول كذلك على قوات حفظ السلام الدولية، كما أنها «أدت إلى فقدان الولايات المتحدة لدورها القيادي في التحالف الغربي» (نيويورك تايمز. ٤ / ١٢ / ١٩٩٤م).

إن الشلل الذي أصاب السياسة الأمريكية خلال الأسابيع الماضية، وأعجزها عن القيام بممارسة أي ضغوط على حلفائها في الناتو لوقف تعديات الصرب على المنطقة الآمنة في بيهاتش، وفرض الحصار على قوات الحماية الدولية فيها، يدفعنا إلى التساؤل والشك حول جدية الغرب في إيجاد حل للمشكلة البوسنية!!

لقد أدت تناقضات المصالح وغياب الأخلاق في لعبة الدول الكبرى لعدم التوصل إلى حل، وذهاب مصداقية الدور الحيادي والشعارات الإنسانية للهيئة الدولية، بل إن الانطباع بوجود تآمر دولي متواطئ هي فكرة قد تحظى عند الكثير بالقبول.

أمريكا وسياسة الغالب يفرض شروطه

لقد أصابنا الإحباط ونحن نستمع لإجابة وزير الدفاع الأمريكي وليم بيري على سؤال حول غياب الرد الأمريكي الحاسم على العدوان الصربي في البوسنة، مقارنة بما حدث في الخليج عام ١٩٩١م، حيث أشار قائلًا: «إنه ليس هناك وجه للمقارنة، فالبوسنة ليست لنا فيها مصالح حيوية، وهي منطقة تخضع لسياسات الناتو» (ندوة مجلس سياسة الشرق الأوسط 7/12/١٩٩٤م).

لقد سبق للوزير بيري -أيضًا- أن صرح في مقابلة تلفزيونية معه قائلًا: «إن الصرب قد احتلوا 70% من البلاد، وليس هناك من إمكانية في رأيي لأن يستعيد المسلمون ما تم احتلاله» (A B C 27/11/1994م).

إن الأحداث والتراجعات في الموقف الأمريكي قد أعطت لروسيا الفرصة لأن تعيد هيبة وجودها السياسي على المسرح الأوروبي، وأن تضغط في اتجاه المحافظة على المكاسب العسكرية للصرب، وقد لاقت مساعيها استجابة لدى كل من فرنسا وبريطانيا، تلك المساعي الهادفة إلى تكريس سياسة الأمر الواقع والاعتراف للمعتدي بما احتله من أراضي المسلمين بالجمهورية، إن بعض المسئولين الأمريكيين باتوا يعتقدون أن بريطانيا وفرنسا تريدان أن يعاني الجيش الإسلامي في جيب بيهاتش من مرارة الهزيمة حتى تستسلم الحكومة البوسنية، وتتوقف بعد ذلك عن المطالبة بالأراضي التي فقدتها في مناطق مختلفة بالجمهورية (نيويورك تايمز 4/ ١٢ / ١٩٩٤م).

ماذا يعني التراجع الأمريكي الأخير تجاه البوسنة؟ وهل كان لخسارة الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأخيرة أثر على انحسار دور الرئيس في صناعة السياسة الخارجية وقدراته في الحفاظ على المكانة القيادية للولايات المتحدة في العالم؟ وهل توصلت الإدارة الأمريكية الحالية إلى قناعة أن التحالف الأوروبي لا يريد وجود جمهورية إسلامية في البوسنة، وإنه من العبث مغالبة هذا التوجه إذا ما أريد لتحالف الناتو أن يستمر تحت قيادة الولايات المتحدة؟ أسئلة كثيرة تتفاعل فيها انطباعات الغرابة والعجب والاستفهام، فالتصريحات والأقوال الأخيرة لعدد من الرسميين الأمريكيين لا تدعو إلى التفاؤل كثيرًا، فوزير الخارجية وارن كريستوفر يرى «أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة في البوسنة هو الحيلولة دون انتشار الحرب، وإن من الخطأ الاعتقاد بأن المصالح الأمريكية في البوسنة هي بشكل كاف تبيح لنا الدخول في حرب من أجلها» (محطة تلفزيون ABC 4/12/1994م).

أما أنطواني ليك -مستشار الرئيس لشئون الأمن القومي- فقد قال في خطاب له بجامعة برنستون في مطلع شهر ديسمبر الحالي، إنه لا يحبذ رفع الحظر المفروض على حكومة البوسنة المسلمة من جانب واحد، وإنه يعتبر ذلك في حالة حدوثه «خطأ فادحًا».

إن الصورة الحقيقية لتراجعات الموقف الأمريكي حيال البوسنة قد غدت من الوضوح بعدما تم الكشف عن المذكرة السرية، التي كانت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» قد قدمتها -قبل عام- إلى إدارة الرئيس بيل كلينتون، ويبدو أنها وجدت من يصغي لها الآن داخل هذه الإدارة، تلك المذكرة التي تتضمن اقتراحًا يرى «أن الاستمرار في دعم النهج الإصلاحي داخل روسيا مع الحفاظ على تماسك تحالف الناتو يظل هو الأكثر أهمية للولايات المتحدة من البوسنة، وإنه من الأفضل لأمريكا أن يتم تقسيم البوسنة واحتواء الصراع فيها، مع ما يخلقه ذلك من وضع للمسلمين في أوروبا أشبه بالمشكلة الفلسطينية، إلا أن المصلحة تقتضي -حسب ما جاء في المذكرة- بألا نجعل السلام في البوسنة هدفًا لجهودنا، لأن تحقيق ذلك لن يكون باستطاعتنا» (يو اس نیوز 4/12/1994م).

إن خلاصة هذه التصريحات والمواقف الأمريكية الأخيرة هي مكافئة المعتدي والاعتراف له بالانتصار، وبالتالي ضياع أراضي البوسنة لحساب القوات الصربية الانفصالية، فهل هذا التراجع هو نتيجة لحسابات توصلت إليها الإدارة الأمريكية مفادها أن تصلب موقفها تجاه البوسنة سيجعلها تخسر تحالفها الاستراتيجي مع كل من فرنسا وبريطانيا لحساب روسيا، ولذلك أخذت مواقفها في التبدل والانحسار استرضاء لحلفائها الأوربيين، أولئك الذين لا يريدون رؤية قيام دولة إسلامية وسط أوروبا؟ قد يكون الأمر كذلك، وإنه -بدون شك- لولا هذه الرؤية الصليبية الحاقدة لكانت الأمور قد سارت في طريق آخر، يتحقق فيه الفوز والانتصار لجمهورية البوسنة المسلمة كما حدث في جمهوريات أخرى سبقتها في الانفصال والاستقلال عن يوغسلافيا.

لقد أشار كل من روبرت دون، وجون فاين في كتابهما الصادر حديثًا «البوسنة والهرسك.. الخيانة التقليدية»، بأن الحرب كان يمكن أن تكسبها الحكومة البوسنية؛ إذ لديها من التصميم والعزيمة والقوة البشرية ما يفوق ما لدى الصرب، وإن كل الذي يحتاجونه لتحقيق ذلك هو بعض العتاد من الأسلحة الثقيلة.

إن الأمم المتحدة -في ظل غياب الدعم السياسي والعسكري للولايات المتحدة- تبدو اليوم عاجزة مشلولة، ورؤيتها لطرح خيارات أخرى مرهونة بموقف دول التحالف الغربي.

فالضغوط الفرنسية والبريطانية على المنظمة الدولية لمنعها من استقدام قوات إضافية من الدول الإسلامية يجعل كافة أشكال الحل «العادل» مستحيلة وغير مقبولة.

إن الاستراتيجية الحالية لكل من الولايات المتحدة والناتو والأمم المتحدة لا تحمل في طياتها عناصر النجاح ولا تبعث على التفاؤل، فالأوضاع تسير من سيئ إلى أسواء، أو على حد تعبير ريتشار هاس- المستشار السابق في مجلس الأمن القومي بأنه «إذا ما حاولنا أن نعطي مجالًا للأمل والتفاؤل فإننا يمكن أن نتكهن بحرب قد تستمر ثلاثين سنة أخرى، وإذا غلب علينا التشاؤم فإن المتوقع أن يتوسع الصراع ليشمل منطقة البلقان بأسرها». (نيويورك تايمز 8/12/1994م).

إن القراءة السريعة للأجواء السياسية التي تسود مناخ الأزمة والحرب، لا تترك مساحة كبيرة للتنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأمور، وإن تباطؤ التحالف الغربي في القيام بعمل عسكري جاد لوقف زحف المعتدين الصرب على أراضي جمهورية البوسنة المسلمة، يسوق إلى خلاصة مفادها: إن المؤامرة على استقلالية هذه الجمهورية قد تم حبك خيوطها، فقد كشف مصدر قريب من القيادة العليا في الجيش البوسني «أن وزراء الدفاع في منظمة حلف شمال الأطلسي ناقشوا في اجتماعهم الأخير خطة لفرض التقسيم على الحكومة البوسنية وإلزامها بالقبول بالأمر الواقع، أي انتصار الصرب عسكريًّا» (الحياة ١١/ ١٢ / ١٩٩٤م).

وهذا معناه أن الأراضي التي احتلها جيش رادوفان كاراجيتش سيتم إلحاقها بصربيا، ولن يجد المسلمون في جمهورية البوسنة -بعد ذلك- وقد ضاقت عليهم الأراضي بما رحبت وزلزلوا إلا خيار الانضمام القسري إلى اتحاد فيدرالي أو كفدرالي مع كرواتيا، وبالتالي يكون المشروع الغربي «التآمري» قد بلغ غايته بمنع قيام جمهورية إسلامية مستقلة في وسط أوروبا.

إن المساعي الدبلوماسية التي تبذلها الدول الغربية ما هي إلا محاولات لإخراج المؤامرة بثوب حضاري- إنساني، يرفع عنها حرج الاتهام بالتواطؤ اللاأخلاقي في ضياع جمهورية البوسنة المسلمة.

هذه هي خلاصة حبكة النسيج التآمري في شكله النهائي، ولكن القذى القاتل الذي توطن في عيون الكثيرين يحجب عنهم رؤية قذارة اللعبة «الصليبية» الكبرى.

الرابط المختصر :