; المهاجرون المسلمون في أوروبا ضحايا التفرقة العنصرية المقنعة | مجلة المجتمع

العنوان المهاجرون المسلمون في أوروبا ضحايا التفرقة العنصرية المقنعة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1990

مشاهدات 69

نشر في العدد 962

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 10-أبريل-1990

·      ما بين الوحدة الأوروبية والانفتاح في أوروبا الشرقية

تجتاح أوروبا عامة وفرنسا خاصة موجة من أعمال العنف العنصرية لتزيد في هموم المهاجرين العرب والمسلمين هناك وتضاعف حيرتهم وقلقهم على مصيرهم مع اقتراب موعد إعلان الوحدة الأوروبية عام ١٩٩٣، وكما افتعل اليمين الفرنسي المتطرف قضية الحجاب لتأليب الرأي العام الفرنسي على المهاجرين العرب والمسلمين يسعى العنصريون الفرنسيون اليوم على نفس المنوال لتأجيج المشاعر العنصرية الحاقدة على أولئك المهاجرين مطالبين برفض إعطائهم حق المشاركة في الانتخابات البلدية والمحلية والبرلمانية بحجة أن هؤلاء الأجانب لا يمكن بأي حال أن يندمجوا في المجتمع الفرنسي.

جرائم عنصرية

لقد شهدت فرنسا في الثمانينيات حوادث عنف وجرائم قتل عنصرية كثيرة راح ضحيتها أفراد من الجاليات العربية والإسلامية، ويبدو أن التسعينيات لن تكون أفضل بالنسبة لتلك الجاليات.. فمنذ أيام وفي فترة زمنية متقاربة صدمت ثلاث حوادث عنصرية أخرى جانبًا كبيرًا من الفرنسيين، وأذهلت كل مقيم على الأرض الفرنسية رغم أن مثل هذه الحوادث ليست بالجديدة على الفرنسيين.. كما أنها ليست مقصورة على فرنسا وحدها دون بقية دول غرب أوروبا.

الحادث الأول له أكثر من دلالة باعتبار أن المجرم الذي ارتكبه رجل أمن وهو شرطي مسلم يفترض فيه أن يستعمل سلاحه لحماية الأمن لا للاغتيال! وقد أطلق هذا الشرطي المدعو جان گلود ماران – ٤٧ سنة ست رصاصات على المغربي سعد سعودي فأرداه قتيلًا.. وبرر الشرطي قتله بأن المغربي حاول الفرار رغم أنه كان مغلول اليدين.

والحادث الثاني: يتمثل في إطلاق الرصاص من قبل صاحب مطعم في «سان فلورنتان» جنوب شرق باريس على فتية مغاربة جاءوا يشترون منه سندويشات في وقت متأخر من الليل فقتل واحدا منهم وجرح آخر بجروح خطيرة.. أما الحادث الثالث: فقد وقع في مدينة «روان» حيث اقتحم سائق بسيارته الرصيف ليدهس طالبًا مغربيًا عمره (۱۷) عامًا، وقد لفظ هذا الطالب أنفاسه بعد أن جرته عجلات السيارة عشرات الأمتار.

على إثر هذه الحوادث العنصرية الفظيعة خرجت الجاليات الأجنبية في فرنسا والشرفاء من الفرنسيين في مظاهرات تندد بالعنصرية وتطالب بأن ينال المجرمون الجزاء العادل، وقد عبر الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم وعلى رأسه الرئيس «فرانسوا ميتران» عن تنديده بهذه الجرائم وبالحملة العنصرية المتجددة في فرنسا على المهاجرين، وقد وصف الرئيس ميتران هذه الحوادث بأنها جرائم تتم عن غباء ووحشية وعدم تسامح وهي غير مقبولة.

لكن بعض الجهات المتطرفة في الجبهة الشعبية بزعامة «لوبان» وجدت فيها فرصة لفتح ملف الأجانب المقيمين في فرنسا وملف المهاجرين المغاربة والأفارقة بالخصوص من جديد بقصد التحريض على طردهم، وتعليق مشاكل الفرنسيين الاقتصادية والأمنية وغيرها على شجبهم!

إن هذه الحوادث ومثيلاتها في السابق مظهر من مظاهر مشكلة كبيرة اليوم في فرنسا وفي أوروبا الغربية عامة، وهي مشكلة وجود حوالي مليونين من المسلمين من عرب وأفارقة وأسيويين في فرنسا وحوالي 8 ملايين منهم في أوروبا الغربية ككل، ولكن اللافت للانتباه أن في فرنسا أكثر من ٤ ملايين مهاجر وهذا يعني أن المهاجرين فيها من غير المسلمين يوازون في عددهم المهاجرين المسلمين، ومع ذلك فإن الحملة العنصرية موجهة بالذات إلى المهاجرين المسلمين من عرب وأفارقة.. فماذا يعني ذلك؟!

إنه يعني بساطة أن الحملة العنصرية ضد المهاجرين في فرنسا وأوروبا هي حملة ذات طابع ديني وثقافي بالدرجة الأولى، ولو لم تكن كذلك لوجدنا في ضحايا الحوادث العنصرية في فرنسا إيطاليين وبرتغاليين ويوغسلاف وبولونيين ویونان إلى جانب المغاربة، ولكن المتطرفين الفرنسيين يجدون اليوم تبريرًا سهلًا لإبعاد أقنعة العنصرية عن أنفسهم بزعم أن هؤلاء الأجانب غير المسلمين يكونون مواطنين كاملي الحقوق في دول الوحدة الأوروبية القادمة، ويضيفون أن البولونيين مثلًا أو الإيطاليين أو اليونان يسهل اندماجهم في المجتمع الفرنسي بحكم التقارب الثقافي والديني أما اندماج المسلمين فليس بالأمر السهل! ويقول «شارل ملون» رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الوحدة الديمقراطي الفرنسي: إن مجتمعًا فرنسيًا متعدد الثقافات مبلقنًا لا يناسب تراثنا، وعلى الذين يريدون الاندماج في مجتمعنا أن يحملوا قيمه ويؤمنوا بمبادئه، وإلا فلا يمكن إعطاؤهم حق الانتخاب. وهو بذلك يشير إلى المسلمين الذين لا يريدون أن يتخلوا عن دينهم وثقافتهم وتراثهم ولكن الحديث عن قابلية الاندماج أو عدمه يخفى وراءه المستجدات السياسية من جهة والركود الاقتصادي من جهة ثانية الذين أصبحت العنصرية في فرنسا وفي أوروبا تتغذى عليها.. فإلى الآن لم يتضح الموقف الأوروبي بخصوص المهاجرين القدماء والجدد غير أن مؤشرات كثيرة تدل على تجاه الأوروبيين نحو التشدد والتضييق إلى درجة أن دعاة حقوق الإنسان في أوروبا بدأوا يحذرون من دولة أوروبية بوليسية، وتجري الآن مفاوضات سرية بين دول المجموعة الأوروبية بشأن هؤلاء المهاجرين لاسيما بعد انهيار جدار برلين وانفتاح أوروبا الشرقية على أوروبا الغربية، وإذا ما تدفق العمال من أوروبا الشرقية على أوروبا الغربية، فإن هذا يعني بالضرورة التقليص من العمالة الإسلامية المهاجرة، وعندئذ نجد القيادات الأوروبية في الحملات العنصرية المتطرفة مبررًا لسلوك سياسة التشرد نحو المهاجرين وتشجيعهم على المغادرة، أما الركود الاقتصادي، فإنه ضرب بالدرجة الأولى أولئك المهاجرين ذوي الدخل المحدود حيث صار أبناؤهم الذين يفدون إلى سوق الشغل لا يجدون عملًا، وبالتالي ينزلقون إلى التسكع والفساد مما يزيد في تأليب الرأي العام عليهم.

إن حركة «لوبان» العنصرية لم تحصل على نسبة ١٥٪ من أصوات الناخبين الفرنسيين في بعض الجهات إلا بسبب الأجواء السيئة التي تسود المناطق التي يوجد فيها المهاجرون، وبسبب تحميل أولئك المهاجرين وزر كل المصاعب التي يلاقيها الفرنسيون حتى إن رئيس الحكومة الفرنسية «ميشال روكار» صرح أخيرًا: «إننا لا نستطيع أن نؤوي بؤس العالم كله»! وهذا الكلام يعني أن هؤلاء المهاجرين يعيشون في بؤس وهذا البؤس يولد المشاكل ولكن الحكومة الفرنسية ليست مسؤولة عن ذلك البؤس، إن هذا الطرح القضية التمييز العنصري في فرنسا خاصة وأوروبا عامة يظهرها وكأنها قضية اقتصادية لا غير أي إنها نتاج أزمة اقتصادية ولكنه في الحقيقة يتغاضى عن جوانب مهمة من هذه القضية، بل عن ليها وهو السلوك.

إنه سلوك البيض الأوروبيين تجاه السمر أو السود وأصحاب الشعر المجعد وكل ذوي الوجوه التي ليست من أصل «آري».

ممارسات العزل

كل أشكال التمييز العنصري محرمة على الورق ويعاقب عليها القانون الصادر في أول يوليو سنة ۱۹۷۲، وهو القانون الذي تمت المصادقة عليه بالإجماع، وينص على أن التاجر الذي يرفض البيع أو صاحب المطعم أو المقهى الذي يرفض تقديم الخدمة أو صاحب العمارة الذي يرفض أن يوفر شقة لشخص بسبب أصله أو انتسابه إلى قوم أو جنس أو دين يعاقب عقوبة تتراوح بين شهرين وعام سجنًا، بالإضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين ألفين وعشرين ألف فرنك فرنسي ولكن ما أسهل الالتواء على القانون، ولابد أن يكون غبيًا من يضع نفسه تحت طائلة ذلك القانون.

إن الفرنسيين العنصريين لا يعلقون على أبواب مجتمعاتهم، أو نزلهم ممنوع على العرب، بل يكتبون «آسفون.. لا أماكن شاغرة»، إن أبرز مظاهر العنصرية هو العزل.. العزل على مستوى العلاقات الاقتصادية، والعمل على مستوى السكن، والعزل على مستوى العمل.. فعندما يجلس المهاجرون إلى طاولة في مقهى أو مطعم ولا يحظون بنفس الخدمة التي يحظى بها الزبائن الآخرون، فإنهم لن يكرروا ذلك مرة أخرى، وسيجدون أنفسهم منعزلين أكثر فأكثر، وإذا شعروا بنفور الفرنسيين حيثما وجدوا فإنهم لن يستطيعوا بناء علاقات اجتماعية تحد من عزلتهم الاجتماعية، ولا ننسى أيضًا العزلة اللغوية حيث لا يجيد الكثيرون منهم اللغة الفرنسية، وفي السنوات الأخيرة تضافرت العوامل الاقتصادية البيئية مع التيارات المتطرفة لتزيد من عزلتهم، أما على مستوى السكن فإن العزل أوضح ما يكون حيث يقطن معظم المهاجرين المسلمين في ضواحي فقيرة لوحدهم، وإذا جاوروا بعض الفرنسيين، فإن هؤلاء الفرنسيين لا يلبثون أن ينتقلوا تاركين المكان لمهاجرين آخرين، وهكذا يتكون ما يسمى بالجيتوات المعزولة عزلة شبه تامة، وحتى عندما تزداد فرصة التقاء أطفال المسلمين بالأطفال الفرنسيين في بعض المدارس يحاول الفرنسيون نقل أبنائهم منها.. لقد طلب ذات مرة مدير مدرسة ثانوية تم تعيينه في مدرسة في حي من أحياء المهاجرين من بعض مواطنيه أن يعطوه فكرة عن الحي فكانت إجاباتهم: إننا لا نذهب أبدًا إلى ذلك الحي!

إن بعض البلديات الفرنسية تساهم في ذلك العزل باستعمال سلطاتها ونفوذها لإثناء بعض الفرنسيين عن بيع عقاراتهم أو بيوتهم لمهاجرين عرب، ويتم ذلك بصورة شبه مكشوفة ومعروفة للجميع ولكنها غير معلنة، ونفس الشيء يقال عن تأجير البيوت والسكن، فعندما يتقدم مهاجر عربي أو إفريقي لتأجير شقة بناء على إعلان في جريدة فغالبا ما يقال له: البيت أُجر قبل خمس دقائق! ومما يروى بهذا الخصوص أن «ضوغوليا» اتصل بالتلفون بصاحب شقة لتأجيرها فكان الجواب المعتاد «الشقة قد أجرت للتو»، ولكن عندما اتصلت زوجته الفرنسية التي ليست لها لكنة أجنبية بنفس الهاتف قيل لها البيت لا يزال شاغرًا ويمكنها أن تأتى لمعاينته.

أما عن العزل في مجال العمل فيكفي أن نقول: إن هناك أعمالًا معروفة مخصصة للمهاجرين المسلمين لعدم قبول الفرنسيين بها وهي عمومًا الأعمال الصعبة كأعمال الفلاحة والصيانة والتنظيف والبناء وغيرها، وحتى عندما يحصل المهاجر أو أبناؤه على دبلوم أو شهادة، فلا يعني ذلك أنهم سيحصلون على العمل المطلوب والمناسب، ومن يستطيع أن يحكم أن هذه المؤسسة أو تلك الشركة التي تقدم لوظيفة معينة فيها عشرون شخصًا مثلًا فرنسيا من منطقة نيس أو ليون أو مرسيليا، ولم تقبل المغربي أو السنغالي على أساس عنصري! وفي مثل هكذا أجواء عنصرية نسأل لماذا تضرب البطالة أكثر ما تضرب في أوساط المهاجرين لا سيما أوقات الأزمات والضائقات الاقتصادية.

إن التمييز العنصري ليس وليد المستجدات السياسية والظروف الاقتصادية بقدر ما هو سلوك ينم عن شعور بالاستعلاء والتكبر واحتقار الآخرين، ومهما كانت القوانين المحرمة لأشكال التمييز العنصري تظل المشكلة قائمة، وتظل الحوادث العنصرية مستمرة ولا يجب أن يفتر بما نسمعه رسميًا من حديث عن دمج المهاجرين، واندماجهم طالما كان العزل هو الممارس في الواقع.. ولكن أين هي الدول التي يفد منها هؤلاء المهاجرون من هذه المشكلة؟

الرابط المختصر :