العنوان صندوق الدنيا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 73
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 11-أبريل-2000
عشنا زمانًا على حقائق كانت تحكم الأيام، وتعبر بأبسط الأشياء عن أحداث الزمان بل كانت تصور الحياة تصويرًا حقيقيًا، بعفويتها، وسخريتها، جدًا وهزلًا شعبيًا وثقافيًا، ولم تكن هناك سينما، ولا تلفاز ولا روايات ولا كاميرات تصور للناس أحداث الحياة وتحكي لهم قصص الآخرين والأولين، وكانت الحياة رغم ذلك تسير، والناس في راحة بال وسعادة حال، هانئين بالبدائيات من المخترعات التي تقوم بتسلية الناس شيبًا وشبانًا، رجالًا ونساءً، كان هناك زمان صندوق الدنيا، وهو صندوق كبير بداخله بعض الصور المرسومة يدويًا بالألوان يحركها حامل الصندوق بيده، فتمر الصور لتحكي قصة أو طرفة، أو غريبة من الغرائب والشباب والأولاد ينظرون إلى تلك الصور من عدسات مكبرة في جانب الصندوق، ليستمتعوا بتلك المناظر والصور والروايات ويدفعون عن كل خمس دقائق بعضًا من كيزان الذرة، أو قطع الجبن، أو بيض الدجاج، ويتزاحم الناس حول هذا الصندوق الذي كان يقوم مقام السينما، أو التلفاز أو حتى الإنترنت فرحين مهللين وصاحب الصندوق يطير من الفرح وينادي بأعلى صوته اتفرج يا سلام على أبوزيد الهلالي وزوجته ناعسة وأبوزيد الهلالي ودياب بن غانم اتفرج يا سلام على عنتر وعبلة، وعلى حرب عنترة للشجعان وبعد أن يحكي الصندوق تلك الروايات البطولية يحكي أشياء أخرى من غرائب الحياة، وخيالات الأيام التي كان لها معنى في ذلك الزمان وكانت تمثل عنصرًا نقديًا لبعض أحوال المجتمع، فمثلًا ينادي صاحب الصندوق اتفرج يا سلام على الحمار يقرأ الجرنال، واتفرج يا سلام على الجاموسة تحلبها ناموسة، ومرت الأيام وانقرض الزمان، وذهب الصندوق الذي كان، وبقيت الدنيا وامتدت الأيام، وجاءت السينما والتلفاز والقنوات وغيرها من المخترعات، وولى أبو زيد وعنترة بن شداد، وجاء خيبان بن نيبان، وبقيت غرائب الصندوق وتعقدت الأيام أكثر مما كان.
وإذا تصورنا أن بعض صناديق الدنيا زمان قد رجع إلى دنيانا في هذه الأيام فإننا سنستمع إلى نداء راعيه يحكي غرائب الأحوال وعجائب الأزمان وقبل الأزمان واتفرج يا سلام.
الرئيس صدام حسين يصبح مؤلفًا روائيًا بقدرة قادر: حيث أعلن نيته في كتابة روايات تخاطب الأجيال الجديدة، واستقبل مؤخرًا عددًا من كتاب القصة والرواية والسيناريو والدراما القصصية، وقصص الأطفال، ثم طالبهم بتحويل أحاديثه السياسية وخطبه إلى أعمال أدبية وقال: إن الناس في الوطن العربي يهتمون بالأدب العراقي، ثم طلب تحويل حكايات المقاتلين إلى أعمال أدبية، وتحويل أم المعارك، إلى عمل روائي حيث كانت تفوق معركة القادسية، وهذا في الحقيقة ليس أمرًا مستغربًا؛ لأن صدام حاكم عربي، ومادام كذلك فهو على كل شيء قدير، وهو نابغة عصره وزمانه في كل لون من الوان الحياة، طبيبًا مثًلا، مهندسًا، مخترعًا للإعدامات والمحاكم العسكرية، مثلًا، مثلًا، انظر جريدة الحياة 15/2/2000م.
اتفرج يا سلام: إلغاء ۱۳ وزارة في ليبيا أصبح مجلس الوزراء الليبي -اللجنة الشعبية العامة- مكونة من خمسة وزراء فقط هي:
الاتصال الخارجي والتعاون الدوليِّ.
العدل والأمن العام.
المالية.
الإعلام والثقافة والسياحة.
الوحدة الإفريقية.
وألغي مؤتمر الشعب العام، وهو أعلى سلطة في البلاد بقية الوزارات وعددها ١٣ جريدة الجمهورية المصرية والحقيقة أنه ليس هناك مجال للحديث في هذا الموضوع مادامت اللجنة الشعبية لا ترى أي فائدة في بقاء الوزارات والوزراء، وكل شيء يسير بالتمام والكمال والحال عال العال ولا داعي للزحمة فالمسالة أن شخصًا واحدًا يحكم والباقي ينفذون ولا داعي لكثرة الحكي واستعمال المناصب في الوجاهة والابتزاز.
واتفرج يا سلام: مفكر فرنسي ضائع يدعو في مصر إلى تفكيك القرآن في ندوة عقدت في المجلس الأعلى للثقافة: دعا جارك دريدا مؤسس تفكيك الأديان الجديد، إلى تفكيك نصوص القرآن الكريم، وقال في ندوة عقدت بالمجلس الأعلى للثقافة في مصر: إن فكرة قراءة القرآن من وجهة نظر تفكيكية مهمة للغاية بغض النظر عن حساسية البعض تجاه تناول هذا الكتاب المقدس، وأشار دريدا في كلمته أمام المثقفين والكتاب يتقدمهم جابر عصفور أمين المجلس الأعلى للثقافة إلى القراءات التي تمت في الغرب للنصوص المسيحية، ووصف دريدا نفسه في الندوة بأنه لا أخلاقي، وقال: لا أحد يمنعني من التجاوز واستخدام البدئ من الألفاظ إذا احتاج العمل الذي أكتبه ذلك، وكانت وزارة الثقافة قد نظمت ندوة موسعة على مدى يومين للاحتفال بأبو التفكيكية، ومؤسسها في أوروبا والذي يزور مصر والمنطقة العربية للمرة الأولى.
يحق لك أيها المفكر الفرنسي البذيء -كما يسمي نفسه- أن تقول أكثر من ذلك، وأن تفعل ما تشاء، ما دمت قد دعيت لهدم القرآن وتفكيكه مثل المسيحية، ومادام القرآن ليس له رجال يدافعون عنه حتى في بلاده ولو بالكلمة الطيبة والحجة الحسنة، وليس ببذي الألفاظ كما يقول هذا المنفك التائه، ومادامت وزارة ثقافة قطر إسلامي يضم الأزهر الشريف هي التي تريد ذلك وتجعله ثقافة للأجيال وزادًا يقتات منه المفكرون الذين لا هوية لهم «انظر جريدة العربي المصرية ص ١ – 15/2/2000م».
اتفرج يا سلام: سعد الدين إبراهيم، يدعو من فوق منبر الكنيسة إلى هدم الأزهر والمساجد وحذف مادة الإسلام من الدستور: كتب الكاتب القبطي- رجائي فايد عن محاضرة سعد الدين في الكنيسة منتقدًا أفكاره التي قال فيها إن السادات الذي أدخل الشريعة كأحد مصادر التشريع في الدستور، هو الذي أطلق العنف، ثم طالب بإغلاق الأزهر أو تحويله إلى جامعة مدنية مفتوحة للمسلم والمسيحي ثم قال ما الفائدة من حفظ القرآن الكريم وإنفاق الأموال في ذلك، ثم وصل إلى أخطر ما قال حول المساجد في مصر، وأنها هي التي تقف في وجه أي تقدم بل وهي التي تثير الفتن في البلد! وعلى فكرة قائل هذا الكلام مسلم ليس متطرفًا، لكن معه حماية؛ حيث هو معروف بارتباطه بالدوائر الصهيونية «ومن أكل خبز اليهودي يضرب بسيفه»، واتفرج يا سلام على حوادث العصر والأوان، واتفرج يا سلام على الحمار يقرأ الجرنال، وعلى الجاموسة التي تطلبها ناموسة، وعلى الأسد الذي تركبه الجرذان اتفرج يا سلام، يا سلام!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل