العنوان عقيدة الأمة واحتفالات اليوم الوطني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1990
مشاهدات 73
نشر في العدد 956
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 27-فبراير-1990
تحتفل الكويت
هذه الأيام بالذكرى الـ29 للاستقلال، وهي مناسبة جديرة في تقديرنا بالاهتمام
الكافي حتى لا تبقى تقليدًا متكررًا خاليًا من روح الابتكار والإبداع.
فالاحتفالات في
عمومها تمجيد للمواقف واستشعار ضمني لمعاني الجمال والحق في خطوات الماضي، وهو
يتلاءم ونعمة الاستقلال التي توجت جهاد آباء واستبسال رجال اعتصموا بالحق الذي
أشرق به نور السماوات، ودافعوا عن كرامة غذتها نخوة العقيدة ونمتها أخلاقيات صقلها
المكان والزمان. ونعمة الاستقلال كسائر النعم التي هي من فضل الله الكريم تستحق
الشكر والحمد الذي به تدوم النعم، فالحمد لله الذي أزال عنها سطوة الاستعمار
وفلوله ونجانا وقومنا من الركون لهيمنة الإمبراطورية البريطانية ومخططاتها في
التبعية.
والحال هذه حق
لكويت الخير والمحبة أن تحتفل بعيدها، فالاحتفال تأكيد لحق ونعمة سلفت وذكراها
تحيي في النفوس صدى الإشراق المنبعث في حضورها، وهو ما يتوافق مع أخلاقنا في
الحفاظ على منابع الخير وإسداء الإحسان لأهل الإحسان وإثبات الفضل لأهله. كما أن
عقيدتنا تأبى أن نغمط الناس حقوقهم وتحضنا على شكر أهل المكارم والاحتفال فيه من
هذه المعاني الكثيرة، غير أن بعض البهرج المقام يكاد ينسينا طرفًا من تلك
الإيجابيات، فالحمد لله العلي القدير يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وحفظ
مواقف الرجال يتم بالسير على نهجهم وتزكية إشراقات الحق في حركتهم. وأما أن تنقلب
تلك المفاهيم على عقبها فنخالف أمر الله ونترك سنن دعاة الخير فينا، فمن الجدير
ألا يكون ذلك ديدن احتفالنا، بل أن نذكر الإيجابيات في حركة الكويت التاريخية جدير
بطرح المزيد منها.
وإن كان
الاستقلال السياسي قد رفرف على الكويت قبل 29 عامًا، فإن الواجب يحفزنا لاستكمال
المسيرة في تطهير شوائبه في الثقافة والإدارة والتعليم والمقاييس. فالاستعمار ليس
فترة أو مرحلة تاريخية تجاوزها الزمان، وإنما هو قابلية داخل الذات قبل أن تكون
خارجها، ومتى ما توفرت تلك القابلية جاءت مظاهر الاستعمار حتى ولو تأخرت جيوشه،
وتتضح تلك المظاهر في الاستلاب للقوى الخارجية أيًّا كان نوعها، والاستلاب في
الثقافة والمعايير وهو ما نربأ بأنفسنا أن نعود فيه بعد أن نجانا الله من أسبابه.
ولكي نكمل
التحصن ضد الانتكاس، فإن الاحتفالات بذكرى الاستقلال يجب أن تتحسس تلك المعاني وأن
ندعو نحن لها، والمسألة هذه هم الجميع وهدف تمليه عقيدتنا، وهي عمل متجدد كما أن
أسباب الاستلاب عمل متجدد، وحبذا لو أخرجنا ذلك الهم الذي طالما صرح به العقلاء
منا إلى دائرة الفعل بدلًا من تركه في إطار الوجدان والنظر. وأفضل منه لو أعدناه
برنامجًا متصلًا باحتفالات الاستقلال ولنجند له معاهد البحوث التربوية ومراكز
الدراسات العلمية، وليكن مسعاه الابتدائي في تطوير المناهج التربوية والاجتماعية
من أجل صياغة إنسان معافى من شرور الازدواجية الثقافية، إنسان متسق في معاييره
القيمية وفي سلوكياته، الإنسان الصالح كما أراده ديننا الحنيف وأبرزته حضارتنا
الإسلامية، هذا الإنسان هو هدفنا جميعًا. وإن كان أمير البلاد الشيخ جابر -حفظه
الله- قد دعا إلى النقلة النوعية في عقد التسعينيات، فإن هذا المشروع الذي طرحه
الأمير يستحق أن نحمله محل العمل المبرمج لنعيد معه ترتيب البيت الكويتي وفقًا
لتطلعاتنا في صياغة مجتمع فاضل بحق، يعكس مفاهيمنا وقيمنا على الوجه الريادي.
وكلما كان سعينا
متصلًا حاضره بماضيه المجيد كان مستقبلنا بإذن الله خاليًا من نتوءات التقلبات
الاجتماعية، فالقضية في أصولها هي قضية اعتقاد وأصول ثقافة، وإذا ما تمت تلك
المساعي فإننا نعتقد بأنها كفيلة بتحقيق طموحاتنا في التنمية المتوازنة والمبرأة
من تداخلات التداعي الاستعماري أو تجاوزات الأطماع المادية. وفي إطار الاحتفالات
بالاستقلال يجب ألا تنسينا الدور المناط بنا تجاه أمتنا العربية والإسلامية، وهو
دور يجب أن يتسم بصفة الطوعية وإنما هو موقف تمليه واجبات العقيدة والماضي المشترك
والمصير الواحد. وإن كان الآخرون يحمدون لهذا البلد الصغير في حجمه الكبير في
حضوره ومواقفه المضيئة من قضايا أمته، فإن هذا الحمد يجعلنا في موضع المعتز غير
المفرط في تلك المواقف، فالخير الذي درجت عليه الكويت نعمة من الله الكبير
المتعال. وإن كانت بعض الظروف الحياتية قد ألمت ببعض إخوتنا في البلاد العربية
والإسلامية، فإن واجب الدين والأخوة يجعل من تلك الأوضاع طرفًا من أوضاعنا وهو سعي
مبارك منا حكومة وشعبًا، ونسأل الله أن يوفقنا على تواصله.
إن معاني
الاستقلال لا تقف في حدود مظاهر الزينة فحسب، وإنما تعبر إلى المشاعر والوجدان،
تؤكد روح التوافق بين الشعب الكويتي وتمسكه بآمال وطموح التقدم والعزة وتحقيق
الأفضل. فلنتمسك بوحدتنا الوطنية دائمًا كما كان رجال الخير فينا، ولتبقى ركيزة
حركتنا حتى تفوت على مخططات الاستعمار الجديد والقديم أهدافها، ولتبقى «ديرتنا»
دار خير وحوار ومناط إصلاح وسعي به. حفظ الله الكويت وشعبها وجنبها وأمتنا العربية
والإسلامية مزالق الزلل.