; نتائج الانتخابات الصهيونية.. مخاطر وفرص | مجلة المجتمع

العنوان نتائج الانتخابات الصهيونية.. مخاطر وفرص

الكاتب د. صالح النعامي

تاريخ النشر الخميس 01-ديسمبر-2022

مشاهدات 68

نشر في العدد 2174

نشر في الصفحة 42

الخميس 01-ديسمبر-2022

ستعمق الاستقطاب الداخلي والصدع المتعاظم في المجتمع "الإسرائيلي"

زعيم الصهيونية الدينية نادى بوجوب تطبيق فتوى الحاخام "بن ميمون" على الفلسطينيين

"بن غفير" تعهد بسن قانون يشرع طرد كل فلسطيني يحرِّض ضد "إسرائيل"

صعود الكاهانية قد تؤثر على توجهات نظم الحكم الأكثر حماساً للتطبيع مع "إسرائيل"

د. صالح النعامي

كاتب فلسطيني متخصص في الشأن الصهيوني

لا مبالغة في القول: إن نتائج الانتخابات الصهيونية الأخيرة تحمل في طياتها طاقة كامنة لفتح صفحة جديدة في الصراع مع هذا الكيان، فقد عبر الناخب الصهيوني وبجلاء ووضوح عن رغبته بحسم الصراع بأسرع وقت وبكل الوسائل المتاحة.

مما لا شك فيه أن الحكومة التي سيشكلها زعيم الليكود رئيس الوزراء الأسبق "بنيامين نتنياهو" ستكون حكومة حرب ستقدم على خطوات بالغة الخطورة في كل ما يتعلق بالصراع. 

فالحكومة العتيدة ستكون تحت التأثير الطاغي لليمين الديني في نسخته الأكثر تشدداً وتطرفاً، حيث سيشارك فيها تحالف الكاهانية والصهيونية الدينية والأحزاب الدينية الحريدية.

ونظراً لأن تحالف الكاهانية والصهيونية الدينية سيكون ثاني أكبر مركب حزبي في الائتلاف الحاكم الجديد، فإن منطلقاته الأيديولوجية وتعهدات قادته في الحملة الانتخابية ستودي دوراً في تحديد بوصلة الحكومة القادمة.

فقد سبق لـ"بتسلال سموتريتش"، زعيم الصهيونية الدينية، الذي سيتولى منصباً وزارياً رفيعاً في الحكومة القادمة أن قال بوجوب تطبيق فتوى الحاخام "موشي بن ميمون"، الذي عاش في القرن الـ12، على الفلسطينيين، بحيث يكون أمامهم 3 خيارات: المغادرة، أو العمل كخدم لليهود، أو القتل.

ويكفي أيضاً أن نشير إلى ما ورد في البرنامج السياسي للحركة الكاهانية الذي نص بشكل صريح على وجوب طرد "أعداء إسرائيل" (أي الفلسطينيين) إلى الدول العربية المجاورة، ولا تفرق الكاهانية بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وفلسطينيي الداخل، حيث تدعو الحركة إلى تشجيع فلسطينيي الداخل على الهجرة إلى الدول العربية وأوروبا. 

تعهدات "بن غفير"

وقد تعهد زعيم الكاهانية "إيتمار بن غفير" بسن قانون يشرع طرد كل فلسطيني يحرِّض ضد "إسرائيل"، ويتبنى منها مواقف معادية، ونشر خلال حملته الانتخابية فيديو يظهر فيه وهو يقتحم طائرة مدنية خالية من الركاب، حيث حدد عدداً من المقاعد في مقدمتها، مؤكداً أنها ستكون مخصصة للنواب العرب في الكنيست عندما سيتم طردهم إلى أوروبا بعد سن القانون.

إلى جانب ذلك، فقد التزم "بن غفير" بسنِّ قانون يشرع فرض حكم الإعدام على المقاومين الفلسطينيين الذين يشاركون في عمليات مقاومة؛ وإحداث تغيير جذري على أوامر إطلاق النار المعمول بها في الضفة الغربية، بحيث يمنح الضباط والجنود حرية مطلقة لاستهداف كل ما يعتبرونه مصدر خطر. 

إلى جانب ذلك، فقد وعد "بن غفير" بتمرير قانون يمنح حصانة لضباط وجنود الجيش والشرطة الذين يقتلون أو يجرحون فلسطينيين أثناء أداء مهامهم العسكرية والأمنية، إلى جانب ذلك، فقد أكد بأنه سيوظف ثقله في الحكومة لتتبنى سياسة أكثر قمعاً تجاه الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وحرمانهم من كل الحقوق التي حازوها بعد تقديمهم تضحيات كبيرة.

وأوضح "بن غفير" أنه سيعمل على إلغاء اتفاقيات أوسلو وحل السلطة الفلسطينية ورفع أي قيود على الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس والتصدي للبناء الفلسطيني، وهذا يعكس توجهاً واضحاً لتفكيك البنى السياسية التي يمكن أن تهدد مستقبلاً منظومة الهيمنة اليهودية في فلسطين التاريخية. 

لكن مما لا شك فيه أن أخطر تعهدات "بن غفير" تتعلق بمستقبل التعاطي مع المسجد الأقصى، حيث أوضح أنه معني بفرض التقاسم الزماني والمكاني بين المسلمين واليهود في المسجد، في خطوة تمهد لتهويده تماماً، وقد عبر زملاء "بن غفير" عن هذه التوجهات عندما نفخ النائب "سمحا روطمان"، الذي يرجح أن يتولى منصباً وزارياً في الحكومة القادمة، بالبوق عند الحائط الشرقي للمسجد الأقصى بعدما دنس مقبرة إسلامية هناك.

ومن نافلة القول: إن "بن غفير" وزملاءه في الكاهانية والصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية الذين يؤمنون بعقيدة الخلاص يعتبرون التصعيد مع الفلسطينيين مساراً نحو تحقيق هذا الخلاص، ويعتقد هؤلاء أن تحقق الخلاص ونزول المخلص المنتظر الذي سيجعل اليهود قادة للعالم يتوقف على بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وما يتبعه من تفجر حرب "يأجوج ومأجوج".

ويجاهر تحالف الكاهانية والصهيونية الدينية بعزمه إحداث تحول كبير على بنية النظام السياسي والقانوني في "إسرائيل" بشكل يحولها عملياً إلى "دولة شريعة"، فقد أعلن زعيم الصهيونية الدينية "سموتريتش" أنه سيعمل على إحلال أحكام الشريعة اليهودية محل القانون الوضعي المعمول به حالياً.

مخاطر إستراتيجية

لكن تبني الكيان الصهيوني هذه المنطلقات بالغة التطرف سينطوي على مخاطر إستراتيجية هائلة لهذا الكيان، فتصفية وجود السلطة الفلسطينية، كما يروج "بن غفير"، ستفتح الطريق أمام تحمل "إسرائيل" المسؤولية عن تبعات احتلالها المباشر للضفة وغزة أمام المجتمع الدولي، فضلاً عن أن هذا التحول سيوفر ظروفاً تسمح بتوحيد الصف الفلسطيني دون الحاجة إلى المحاولات اللانهائية التي أخفقت في تحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام.

وإن كان صعود الكاهانية يزيد من فرص تبني "إسرائيل" سياسات تهدف إلى تهويد "الأقصى"، فإن ذلك سيزيد في الوقت ذاته من فرص حدوث ردود فعل جماهيرية خارج حدود فلسطين ستحرج نظم الحكم العربية التي ترتبط بـ"إسرائيل" باتفاقات سلام أو تطبيع.

وستكون علاقة "إسرائيل" بالأردن الأكثر تضرراً بسبب مسؤوليته كصاحب الوصاية على الأماكن المقدسة، وقد يؤثر صعود الكاهانية حتى على توجهات نظم الحكم الأكثر حماساً للتطبيع مع "إسرائيل"، فقد كشف موقع "واللاه" أن وزير خارجية دولة خليجية وقعت اتفاق تطبيع مع "إسرائيل" أعرب عن قلقه الشديد في لقاء جمعه بـ"نتنياهو" من تشكيل حكومة برئاسته تشارك فيها جهات متطرفة، في إشارة إلى الكاهانية.

وستمس مشاركة الكاهانية بعلاقات "إسرائيل" الدولية وتحديداً مع الولايات المتحدة؛ حيث حذر زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ "روبرت منديز"، "نتنياهو" من أن علاقات واشنطن – "تل أبيب" ستتأثر سلباً حال ضم "بن غفير" لأي حكومة يمكن أن يشكلها بعد الانتخابات.

وعلى الصعيد الداخلي، فإن نتائج الانتخابات ستفضي إلى ثورة بكل ما تعني الكلمة من معنى، فقد تعهد ممثلو الليكود واليمين الديني المتطرف الذين سيشاركون في الحكومة القادمة أنهم سيمررون قانون ينزع من المحكمة العليا حق مراجعة القوانين التي يسنها الكنيست؛ لضمان سن التشريعات التي تسهم في تكريس الطابع اليهودي للدولة وتساعد على حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني.

وستعمق نتائج الانتخابات الاستقطاب الداخلي والصدع المتعاظم في المجتمع "الإسرائيلي"، حيث إن الأحزاب المرشحة للمشاركة في حكومة "نتنياهو" القادمة أعلنت أنها ستعمل على إحداث تحول كبير على طابع العلاقة بين الدين والدولة بشكل يمس بقدرة العلمانيين على مواصلة أنماط حياتهم الشخصية عبر إحداث ثورة قضائية تعلي من شأن أحكام الشريعة اليهودية على حساب القوانين الوضعية، فضلاً عن أن "سموتريتش" وعدداً من زملائه أوضحوا عزمهم مواجهة ظاهرة المثلية الجنسية، والتشدد في فرض حرمة السبت، وإخضاع الكثير من الخدمات التي تقدمها الوزارات والمؤسسات الرسمية إلى تعليمات الشريعة اليهودية.

إلى جانب آخر، فإن الكاهانية والأحزاب الحريدية التي ستشارك في الحكومة القادمة تظهر حماساً لتقليص حضور المرأة في الفضاء العام؛ سيما معارضة اندماج النساء في الوحدات القتالية في الجيش، بحجة أن ذلك يمس بدافعية الشباب المتدين للانخراط في هذه الوحدات. 

ويمكن أن يسفر تعاظم الصدع الداخلي عن حرب أهلية سبق أن حذر منها مؤخراً كل من رئيس الوزراء الأسبق "إيهود باراك"، و"يوفال ديسكين"، الرئيس السابق للمخابرات الداخلية، والرئيس السابق لجهاز الموساد "تامير باردو".

في الوقت ذاته، فإن تراجع مستوى التصويت في مدن وبلدات فلسطينيي الداخل وعزوف الشباب هناك عن المشاركة السياسية يعني أن قطاعات واسعة من هذا الجمهور الفلسطيني لم تعد مقتنعة بمواجهة سياسات التمييز العنصري عبر القنوات التي يحددها النظام السياسي "الإسرائيلي".

ومما سيزيد الأمور تعقيداً، أن السياسات التي ستتبناها الحكومة القادمة ضد فلسطينيي الداخل تحت تأثير "بن غفير" لمواجهة مظاهر تعبير هذا القطاع من الشعب الفلسطيني عن انتمائه الوطني سيزيد من فرص انفجار مواجهة شاملة مع السلطات "الإسرائيلية"، كما حدث خلال هبة القدس، في مايو 2021م.

ومما سيفاقم الأمور سوءاً أمام "نتنياهو"، حقيقة أن قدرة أي حكومة تضم الحريديم والكاهانية على تأمين شرعية داخلية لاتخاذ قرارات بشن عمليات عسكرية أو حروب ستكون متدنية، فأتباع التيار الحريدي ومعظم مؤيدي الكاهانية لا يؤدون الخدمة العسكرية؛ مما يجعل قطاعات واسعة من الجمهور "الإسرائيلي" ترى أن هذه الحكومة تفتقد الأهلية الأخلاقية لإصدار قرارات بشن عمليات عسكرية أو حروب ما دام أتباع الأحزاب المهمة المشاركة فيها لا يؤدون الواجب العسكري.

وستتحمل "إسرائيل" كلفة اقتصادية باهظة جراء تشكيل الائتلاف الذي يضم الحريديم وتحالف الصهيونية الدينية والكاهانية، فقد توعدت الأحزاب الحريدية بأن تضمن أي اتفاق ائتلافي مع الليكود التزاماً بزيادة المخصصات المالية لمؤسساتها الدينية والتعليمية والاجتماعية، فضلاً عن توسيع مخصصات الضمان الاجتماعي للعوائل الحريدية.

قصارى القول: نتائج الانتخابات الصهيونية تنطوي على مخاطر كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها فرصا مهمة؛ فإن كانت هذه الانتخابات ستوفر بيئة تسمح للصهاينة بالتصعيد ضد الشعب الفلسطيني، فإنها في الوقت ذاته ستظهر ضعف هذا الكيان ومدى هشاشته وتوفر للفلسطينيين المسوغ الموضوعي لوحدة الصف.

الرابط المختصر :