العنوان لنجدد حبنا للرسول ﷺ اتباعًا واقتداء
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013
مشاهدات 71
نشر في العدد 2043
نشر في الصفحة 53
السبت 09-مارس-2013
لا نحسب أحدًا من البشر كائنًا من كان نال من الحب والإعجاب ما ناله محمد خاتم النبيين ﷺ.
ولا نحسب أتباع نبي من الأنبياء تربطهم بأنبيائهم تلك الرابطة التي تربط المسلمين برسولهم وحبيبهم، حيث لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا أن الله جل شأنه نهاهم أن يتوجهوا بالعبادة إلى غير الله.
ومع ذلك، فإن درجة الحب التي يتوجهون بها إلى الرسول ﷺ تكاد تفلت أحيانا في قلوب البعض، فلا يمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد، وفي المقابل هناك من هجر سنة النبي ﷺ، وقطع علاقته بسيرته العطرة واستلهم فكره وثقافته من سير أشخاص ليسوا بمعزل عن الشبهات.
لذلك نحتاج بين الفينة والأخرى أن نتناول جانبا من حياة سيد المرسلين وأكرم الخلق أجمعين، لتذكير الناس بالقدوة والأسوة الحسنة بعد أن اختلت القيم، وتدنت الأخلاق، وانتشرت المفاسد وعظمت الشرور.
إن الحديث عن حب الرسول ﷺ ذو شجون وشؤون، وحسبنا أن مقياس الإيمان بالله هو امتلاء القلب بمحبة رسول الله ﷺ، بحيث تغدو تلك المحبة متغلبة على حب النفس والوالد والولد والناس أجمعين روى الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
وروى البخاري عن عبدالله هشام قال: كنا مع النبي ﷺ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ:«لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر».
إن الرسول ﷺ، وهو بين ظهراني أصحابه، تحدث عنا ووضعنا في خانة إخوانه، وما أدرانا ما أخوة الرسول ﷺ، روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا» قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد..» الحديث.
في هذا المقام الذي ينسى الإنسان فيه كل شيء.. ينسى الدنيا وما فيها، ويتذكر الآخرة.. يود الرسول ﷺ أن يرسل لنا رسالة بالغة الدلالة عميقة المعنى، فيتمنى لو رانا، ويرفعنا إلى درجة الأخوة.. يا لجلال التعبير النبوي الكريم.. «وددت أنا قد رأينا إخواننا»، اللهم اجعلنا من إخوانه ﷺ .
يا لعظمة هذا النبي ﷺ، وهو يرسل هذا الود، ويقرر تلك الأخوة، وهو خير الخلق، وخاتم النبيين، ألا تحرك فينا هذه الرسالة النبوية الشريفة ضرورة التأسي به ﷺ، والتمسك بسنته، قال ﷺ: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله».
ويواصل الرسول ﷺ الدفاع عن أمته وطلب المغفرة لها، فقد روى مسلم وغيره عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ (إبراهيم: 36)، وقال عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (المائدة: 118)، فرفع ﷺ يديه، وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى ﷺ، فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟» فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك..».
أرأيت كيف بكى الرسول ﷺ شفقة علينا، ورحمة بنا.
أرأيت هذه العبرات التي يعجز الإنسان عن تصورها إلا بعبرات وعبرات.
ولكن أنى لنا بعبرات تقترب مجرد اقتراب من بكاء الرسول ﷺ، وهو يدعو لنا .
هنا يجب علينا أن نتقدم إلى الأمام.. إلى التأسي بالرسول ﷺ قولًا وعملًا.. لا أن تتشدق بالحب، خاصة أن البعض قد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس.. ولا يعدو الأمر كونه حدثًا عاطفيًا وكفى، دون أن يكون له صدى في واقع الحياة والسلوك.
إن صورة الحب في قلوب بعض الناس تعاني عزلةً وجدانية عميقة، وبعدًا في السلوك والفهم، ولا شك أن الأمور لا تقاس بوجودها في عالم الحس وحده وإنما تقاس بالسلوك.. وسيظل الحب هو الروح الساري اللطيف، وسيظل واقع الحياة يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتز إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرغ الباطل في الرغام، وإذا الحفاة قد ورثوا عرش هذا، وتاج ذاك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل