; أزمة الفكر العربي... في ندوة «الأهرام» المفتوحة | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الفكر العربي... في ندوة «الأهرام» المفتوحة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1972

مشاهدات 123

نشر في العدد 98

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 02-مايو-1972

محمد سيد أحمد

 توفيق الحكيم

 حسين فوزي

أحمد بهاء الدين

 لويس عوض

يود کل مفكر إسلامي أصيل أن تعقد ندوات عالمية يطرح فيها كل مذهب ودین فلسفته. وتشريعه وفكره.. ويأخذ الحوار المفتوح مداه في النقاش بين ممثلي المذاهب والأديان. ابتغاء الحقيقة.. وبهدف الوصول إلى اتفاق عالمي على اختيار أروع عقيدة.. وأروع تشريع.. وأروع توجيه في مناهج التربية... والسلوك.. والذوق.

هذه أمنية جميلة.. ولكن لها دعامتها العقلية والمنطقية.

فالعالم أصبح «قرية كبيرة» تلتقي فيها الشعوب وتتصل بعضها بطريقة أدوم وأسرع من التقاء أصحاب القرية الصغيرة واتصالهم ببعضهم في سوق القرية.. أو عرسها.. أو منتداها.

وعالم اقترب أناسيه من بعضهم على هذا النحو.. ينبغي أن تعرف فيه كل العقائد والأفكار والتشريعات في جو موضوعي. لا يخدم الحوار فيه سوى الحقيقة وحدها.

وعالم عانى ولا يزال يعاني من الانفصال القائم بين «المعرفة»... «والسلوك» يصبح من ضرورات التقدم فيه أن يجعل «المعرفة» دليل عمل.. ومنهج تطبيق. ومن ثم يخرج من هذا الحوار المفتوح بالتزام إرادي لما تمخض عنه النقاش من اختيار لأروع عقيدة.. وأروع تشريع.. وأروع توجيه في مناهج التربية.. والسلوك.. والذوق.

وهناك ادعاءات كثيرة من قبل اتباع المذاهب والفلسفات بأن هذا المذهب أفضل من ذاك.. ولا شك أنه خلال الحوار الموضوعي الجاد تمحص المزاعم فتمكث الحقيقة.. ويذهب الادعاء جفاء.

وليس من بين هذه الادعاءات القول بأن الإسلام هو «الحقيقة». ومما ينفي الادعاء هنا: مبادرتنا بالدعوة إلى عقد ندوات عالمية تطرح فيها مناهج الإسلام للنقاش الموضوعي الحر.. وهذه المبادرة تتضمن الثقة بأن الإسلام هو الحقيقة والذي يخاف من المناقشة والحوار -لا الذي يطالب بهما- هو المدعي.. وهو الذي ينطوي على ما عنده في أقبية المزاعم والظلام.

 

ندوة «الأهرام» المفتوحة

لعل السطور الآنفة كانت مناسبة لتقديم دراسة أو إجراء تقويم لندوة «الأهرام» المفتوحة التي نشرها الأهرام نفسه يوم الجمعة 7/٤/1972.

كان من الواضح في التخطيط لإقامة هذه الندوة تطويق الإسلام ومحاصرته في أضيق مساحة ممكنة.

لكن هذه الطريقة ليست مجدية لأسباب تتعلق بطبيعة الإسلام الذي صيغ بالحق.. ونزل بالحق.

فالإسلام لن يهزم أبدًا في حوار مفتوح.. ولا في نقاش ريان بالحرية الفكرية.. وإذا حدث عكس ذلك فإنما يكون بسبب:

• هبوط مناسيب الذكاء في المد الفكري لدى حملته وممثليه.

• جو قهري خانق. لا يسمح بالحرية.. ولا بظهور الحقيقة.

• وجود ظروف مفتعلة تمكن أضعف الناس فكرًا.. وأكثرهم ضجيجًا، ومن أجهزة التوجيه والإعلام. وفي هذه الحالة يروج التزوير. ويرتفع صوت اللغو.. ولكن الإمكانات الضخمة أو أجهزة الإعلام الهائلة لا تعطي الزور.. ولا اللغو قيمة حقيقية.. وحين تزول هذه الظروف المفتعلة تتوهج حقائق الإسلام وقيمه.. وتسود.

والاتجاه العكسي له وزنه هنا في توضيح الصورة فإذا كانت الحرية.. وإذا كان النقاش الحر هو أنسب المناخات وأزهى الفرص للانتصار العقلي للإسلام.. فإن هذا الإشعاع ذاته يكشف «ضعف» الفكر الآخر.. ويبرز ثغراته الواسعة!

وندوة «الأهرام» المفتوحة ظاهرة تؤكد هذه الحقيقة فلقد اتضح أن معظم الرجال الذين حشدهم السيد محمد حسنين هيكل- رئيس تحرير الأهرام - في الندوة تنقصهم عدة النقاش.. ويفتقرون إلى مقومات فكرية تؤهلهم لخوض هذه القضايا الفكرية الهامة.

فإذا اعتبر أن العقيد القذافي. والدكتور عبد العزيز كامل. والدكتورة بنت الشاطئ يمثلون الجانب الإسلامي في الندوة فإن الباقين - وهم الكثرة الغالبة - لا ندري.. ماذا يمثلون؟

صحيح أن بعضهم- كمحمد سيد أحمد ولويس عوض- يحمل اتجاهات واضحة.. الأول يؤكد ماركسيته.. والثاني معروف النزعة والصبغة.

بيد أنهم في جملتهم كانوا يخلطون خلطًا فكريًا غريبًا... وحتى بنت الشاطئ كانت-وهذا ما يدعو إلى الدهشة- تخلط أحيانًا

 

نماذج.. من تفكيرهم

كانت القضايا المطروحة هي تقريبًا...

• قضية انتماء هذه الأمة.

• قضية مقوماتها في مواجهة الخصوم.

• قضية الانفتاح على العالم.. في غير مسخ أو ضياع.

• قضية الشيوعية.

هذه هي القضايا الرئيسية.. فكيف كان معظم المشتركين في الندوة يواجهون هذه القضايا.

• محمد سيد أحمد- وهو الذي قومه هيكل وكأنه مندوب للشيوعية الدولية في مصر- يقول:

«إيه اللغة المشتركة؟ إزاي نقدر نجد اللغة المشتركة في نهاية الأمر؟ أظن سيادتك أكدت قوي فكرة الإنسان.. قيم الإنسان.. أفتكر ما حدش حايحاول فيه.. اللي هو قضية الجنس البشري.. يعني فيه قضية الإنسان.. وقضية الجنس البشري.. ومش صحيح إن كل من يخدم الإنسان دائمًا بيخدم الجنس البشري.. ممكن منطلق ثاني تكون مسألة الدين مثلًا باعتبار إن الدين بيمثل- يعني النظرة الدينية بتجب المعاملات. بتجب الناحية الاقتصادية. بتجب الناحية القومية. ولكن أيضًا حا نصطدم هنا بمشكلة مدى انطباق الدين على أوضاع الجنس البشري. لأن المقاييس الدينية بتختلف من قطاع لآخر.

• توفيق الحكيم «علشان المسائل تبقى واضحة عايز أطبقها على الواقع. لأن هي مش مناظرة بين الشيوعية والرأسمالية، أو مناظرة ما بين الدين وعدم الدين - «لاحظ أن القضية الرئيسية المطروحة هي انتهاء هذه الأمة» - إحنا عايزين نطبق أشياء على الواقع! فأنا عايز أقول أنا فهمت دلوقت ليه قامت الثورة الليبية. أولًا قامت للشعور بعدم القومية الموجودة في البلد.. يعني إذن قامت بشعور قومي.. ودا اللي حصل عندنا إحنا بالذات لما قمنا من أيام عرابي.. بس ثورة عرابي كانت ثورة قومية من نوع معين.. ليبيا بقي النهاردة أنا عايز أعرف ليه هي داخلة في غمار مسألة شيوعية ورأسمالية. وأنا ماعنديش صورة عن الحالة الاقتصادية بتاعتها إيه؟ فلوسها بتيجي من البترول.. وعدد سكانها بسيط جدًا. ماعندهاش المشاكل اللي واجهتها التجربة المصرية. فإذن المسألة كلها داخلة في حدود القومية فيما يتصل بالحياة الاجتماعية مش عارف برضه يعني إيه المشكلة. وإحنا عندنا مشاكل في الحياة الاجتماعية لأنه فعلًا إحنا كنا دخلنا في الحضارة بشكل واسع.

 

 السؤال الآن هل الفكر الإسلامي قابل لملاءمة العصور الحالية اللي إحنا عايشين فيها دي؟ طيب السؤال الثاني من هو الذي سيقوم بالتطور فيما يختص بالفكر الإسلامي؟؟

. حسين فوزي: «الحقيقة إن المناقشة لما سمعتها بالشكل ده وجدتها وصلت إلى طريق مسدود لأنها اتخذت أساس العقائد.. إنما إحنا بنتكلم مش في مسائل الضمير ولا في مسائل العقائد الداخلية. إحنا بنتحدث في مسائل الأمم -العقيدة في نظر حسين ليست مسألة على مستوى الأمة!!- الحضارة الغربية دخلت عندنا على الأقل منذ ١٥٠ سنة يعنى أكثر من اليابان ومع ذلك ما زلنا إلى اليوم نتكلم عن العقيدة الدينية؟ -رئيس قسم الطاقة النووية في إسرائيل يتحدث عن العقيدة الدينية يا حسين فوزي.

 

«القذافي ينتقد حسين فوزي».

 حسين فوزي يستمر في الكلام: «أنا مؤمن يا فندم ونشأت في بيئة إسلامية كاملة وحججت أمي وأختي على حسابي في آخر حياتهما، وكل هذا أؤدي واجباتي كمواطن مسلم مصري من بيئة قاهرية من ٢٠٠ أو ٣٠٠ سنة. فإنما العقل وحكم العقل عليّ هو المدبر في كل شيء. وما لا يقبله عقلي لا يمكن أقبله ولا من أي ضغط عليّ من حكومة أو نظام.. عقلي هو المدير. والرب في قلب الإنسان هذه عقيدتي يا سيادة الرئيس»!!

• أحمد بهاء الدين: «الحقيقة الدكتور حسين فوزي شرح بإسهاب يمكن بشكل مختلف شوية المعنى اللي أنا كنت عايز أقوله.. أنا باستبعد تمامًا المناظرة بين الإسلام وبين الشيوعية أو بينه وبين الرأسمالية.. إن الإسلام منكوب قبل ظهور الشيوعية والرأسمالية الحديثة بست سبع ثماني قرون فليس صحيحًا إن إحنا نقول إن ظهور النظريات الحديثة هو الكارثة التي هددت الإسلام.. الإسلام كارثة جاءت من أهله أقصد من المسلمين.. فأنا عايز أقول ده لإلغاء المناظرة بين الإسلام والمذاهب الدنيوية.. وأنا بأفهم فعلًا الموضوع ده على أن الإسلام دين يحض على قيم وهي تتجه إلى ضمير الإنسان أساسًا وأنه يسوق الأحكام الدنيوية أحيانًا من باب ضرب المثل ومن باب تنظيم حياة نزلت في مجتمع بدائي إلى حد كبير.

بعد كده أنا باعتقد الإسلام ترك لنا مجال الاجتهادات الاقتصادية والاجتماعية إلى حد كبير جدًا.. أنا شخصيًا باعتقد أن الإسلام دين وأن هو يفسر وله مجموعة قيم وباشوفها كلها قيم بناءة وتقدمية، لكن مشكلتي حين أصطدم بالتطبيق حين يراد أن توجد اللي سماها الدكتور حسين فوزي بالحكومة الدينية.

الحضارة الغربية مسيحية. ولحد النهاردة الحزب اللي في إيطاليا اسمه الحزب الديمقراطي المسيحي.. وفي ألمانيا وفي فرنسا لحد قبل ديجول.. الأمريكان اللي هاجروا إلى أمريكا كانوا متدينين ومن أسباب هجرتهم الاضطهاد الديني والاضطهاد الطبقي في أوروبا.

السؤال هل القيم الحضارية مجموعة القيم اللي هي بتؤدي إلى التقدم محترمة أو غير محترمة»؟

• لويس عوض: «إحنا عاملين زي واحد يوناني يريد أن يدخل نظام الإصلاح الزراعي بيجي يقول «صولون» في سنة ٥٠٠ قبل الميلاد وزع الأرض على الفلاحين فأنا اللي شايفه أن احنا برضه عندنا الحاسة التاريخية بتاعتنا أقوى مما ينبغي».

إن هذه الآراء بالإضافة إلى آراء القذافي وهيكل وعبد العزيز كامل وبنت الشاطئ التي سنذكرها في العدد القادم- تحتاج إلى مناقشة مستفيضة.. ولو ناقشناها في هذا العدد لأخذت من الصفحات ما يزيد بكثير على الصفحات المقررة لموضوع ما.. ولذلك نرجئ النقاش إلى العدد القادم.

وإلى أن يجيء ذلك اليوم -بإذن الله- نحب أن نعترف بكلمة قالها الأستاذ أحمد بهاء الدين وهي أن نكبة الإسلام جاءت في الأساس على أيدي أتباعه وأبنائه.

بيد أن هذا القول ليس صحيحًا على إطلاقه.. بمعنى أن الإسلام لم ينله ضر -كما يقول بهاء الدين- من النظريات الحديثة.. أو المعاصرة.

هذا قول تنقصه الدقة. لأن الإسلام ابتُلِي بأتباع جروا عليه الكوارث.. وفي نفس الوقت ابتلي بغزو فكري معاصر زاد المشكلة حدة.. وتعقيدًا والفكر المضطرب الذي تبدى في هذه الندوة ذاتها والذي يضيق بالإسلام.. أو يريد -بذكاء- عزله عن الصراع. والمشاركة في التغيير الاجتماعي والتحول التاريخي.. هذا الفكر أليس أثرًا واضحًا من آثار الغزو الفكري.. والنظريات الحديثة.. ماركسية.. وعلمانية.. وقومية لا دينية؟

إن حسين فوزي -مثلًا- يشعل حربًا أهلية داخل الإنسان.. فيزعم أن الرب في القلب.. أما العقل فلا مجال للألوهية فيه.. وكأن الله -سبحانه- يعرف بطريق غير طريق النظر.. والتفكر والملاحظة العقلية.. وانتباه الوعي.

إن هذا التفكير من نتاج الصراع بين الكنيسة والعلم في أوروبا.. وهو الصراع الذي تمخض عنه فصل الدين عن الدولة.. أو فصل «القلب»... عن «العقل» وفق النظرية التي يعتنقها حسين فوزي. فهل يستقيم القول -بعد هذا- بأن النظريات الحديثة لم تجلب كارثة ما على الإسلام؟

في العدد القادم.. تقويم.. ومناقشات.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 7

126

الثلاثاء 28-أبريل-1970

افتتاحية - العدد 7

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

تحركات مشبوهة.. فأين المسؤولون؟