; صمام الأمان ... النفط يفك ألغاز السياسة | مجلة المجتمع

العنوان صمام الأمان ... النفط يفك ألغاز السياسة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1980

مشاهدات 82

نشر في العدد 501

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 14-أكتوبر-1980

النفط يفك ألغاز السياسة

  • الذي يقرأ تاريخ «السبعة الكبار» وهي سبع شركات تشكل «كارتل» البترول الدولي يدرك أي دور يلعبه النفط في السياسة الدولية. والذي يتتبع نشأة أفراد هذه الشركات السبع ويتتبع أساليبها في الحصول على الامتيازات في مختلف بقاع الكرة الأرضية ويعرض لما كان ينشب بينها من تنافس بل ومن حرب سافرة أو خفية ومن صراع ضار ضد كل ما يهدد مصالحها المتناثرة سواء كان مصدر التهديد شركات أقل شأنًا أو حكومات قومية تحاول الوقوف ولو بصفة جزئية في وجه احتكار السبعة الكبار. يدرك أن هذا «الكارتل» هو الذي يحرك الحكومات بل ويملي السياسات التي تنتهج في أقطار كثيرة من هذا العالم. وإنه من أجل المصالح البترولية في الشرق الأوسط تحتفظ الولايات المتحدة بالأسطول السادس في البحر المتوسط والسابع في المحيط الهندي والذي يشكل الخليج العربي ذراعه الشمالية. ومن أجل المصالح البترولية أقامت الولايات المتحدة قواعدها العسكرية في بعض الأقطار. ومن أجل المصالح البترولية أيضًا تدعم الولايات المتحدة بالمال والسلاح بعض النظم المتداعية في المنطقة. وتفوح رائحة البترول من وراء الكثير من الأحداث. فالمؤامرة التي راح ضحيتها د. محمد مصدق رئيس وزراء إيران الأسبق ١٩٥٢ سببها إقدامه على تأميم الشركة الأنجلو- إيرانية وأسفرت عن تكوين «الكونسورتيوم» الذي يضم مصالح بترولية أخرى بعد أن كان بترول إيران احتكارًا خالصًا لرأس المال البريطاني الخاص والعام. وطار بيرون من مقعد الحكم في الأرجنتين بسبب العقد الذي أجراه مع ستاندرد أوف. كاليفورنيا «إحدى السبعة الكبار» ثم جاء من بعده للحكم فروندوزي فقط ليوقع عقودًا جديدة تمنح أخريات من السبعة امتيازات أخرى في الأرجنتين وعلى حساب شعب الأرجنتين ومستقبله. وحلف بغداد كان الباعث الحقيقي على خلقه في الخمسينيات هو الدفاع عن الصالح البترولية الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط بربط بعض بلاد المنطقة «العراق- تركيا- إيران» بالدول التي تنتمي إليها هذه المصالح، وصار النفط هو القوة التي تلعب بالدول والشعوب وتحدد أنماط تطورها وتضبط نظم حكمها وتسيير اقتصادها وبناء مجتمعاتها. والنفط في معظم الأحيان يكون وراء أسباب الانقلابات التي تحدث في الدول المنتجة وأسباب المؤامرات والاغتيالات السياسية والاقتصادية وانهيار الحكومات. ومعظم الأحداث التي تعرضت لها إيران ومنطقة الشرق الأوسط لا يمكن لأي كان أن يفهمها. دون أن يدرس المشكلة النفطية في هذا الجزء في العالم.

غزو إيران

  • «كانت أتم وأعجب عملية تسليم الجميع الموارد الصناعية في مملكة من الممالك إلى أيدي الأجانب مما قد لا يخطر في الأحلام على الإطلاق. فما بالك أن تحدث وتصبح حقيقة واقعة؟» ذلك هو تعليق الاستعماري البارز لورد كيدزون على الامتياز الذي سلمه شاه فارس «لم يتغير اسم البلاد رسميا من بلاد. فارس الى إيران إلا في سنة ١٩٣٥» في سنة ۱۸۷۲ للبارون جوليوس دي رويتر الذي أصبح فيما بعد مؤسس وكالة الأنباء البريطانية المعروفة باسمه. وكان ذلك الامتياز ومدته ٧٠ عامًا يشمل جميع بلاد فارس وجميع الموارد المعدنية فيما عدا الذهب والفضة والأحجار الكريمة.

ومن حسن حظ فارس «إيران اليوم» أن الروس الذين كانوا يقاسمون البريطانيين سيطرتهم عليه، غير أن دي رو يتر حصل على امتياز آخر في سنة ١٨٨٩ من خلال المساعي «الحميدة» التي بذلها الوزير البريطاني المفوض في طهران. ودخل في عملية السيطرة على خيرات إيران كثير من الأطراف الأمريكية والبريطانية. يحكي لنا التاريخ بأن من ضمنهم جولبنكيان، ودارسي، وغيرهم. ونجد أن السيد برسي كوكس الذي كان الوكيل البريطاني المتولي شؤون الإمبراطورية البريطانية في المناطق المحيطة بالخليج يتفاوض مع شيخ المحمرة- وهي ميدان الحرب العراقية الإيرانية اليوم- لعقد اتفاقية بشأن عبدان حيث بدئ «۱۹۰۹» في إنشاء معمل للتكرير على أراضي المستنقعات هناك أصبح فيما بعد أكبر مصفاة في العالم، وما أن جاءت سنة ١٩٢٥ حتى طار الشيخ خزعل من مقعد الحكم في المحمرة وكان يقبض إيجار سنويًا لا يتعدى قدره ٦٥٠ جنيها إسترلينيا مقابل أرباح بريطانيا من معمل تكرير عبدان وظل الأمريكان والإنجليز يحلبون إيران ويستنزفون خيراتها لسنوات طويلة والشعب فيها يئن تحت أوجاع الجهل والمرض والفقر. وما أن جاءت سنة ١٩٥١ حتى كان البترول هو المسألة المستعرة في إيران.

كان الملك عبد العزيز ابن سعود قد أبرم آنذاك اتفاقًا مع أرامكو يحصل بمقتضاها على ٥٠ بالمائة من مجموع الأرباح الناجمة من الإنتاج. وهذا دفع رئيس الوزراء الإيراني آنذاك راز مارا لإعادة النظر في امتياز الشركة الإنجليزية إذ كان الشعور الشعبي الإيراني متأججًا ويطالب بتأميم الشركة الإنجليزية فورًا. وذهب راز مارا ضحية العملية اغتياله في 7 مارس ١٩٥١. وفي ١٠ مارس اقترع البرلمان الإيراني في صالح التأمين وبعدها يصبح رئيسًا للوزراء د. محمد مصدق والذي كان يشغل قبلها مسؤولية رئيس لجنة شؤون البترول في البرلمان الإيراني. وطبعا القصة التي تبعت ذلك معروفة ومشهورة فقد أرسلت المخابرات الأمريكية المركزية CIA أحد ضباطها ويدعى كيدمت روزفلت لهندسة انقلاب يطيح بحكومة د. مصدق ويعيد سيطرة الغرب على مصادر البترول الإيراني.

وفعلا أطيح بحكومة مصدق وعين بدلًا عنه الجنرال فضل الله زاهيدي وهو عميل سابق لهتلر في إيران وأعيد الشاه ليجلس على عرش الطاووس منذ ذلك الحين وبمؤازرة أمريكية قوية حتى عصفت به الثورة الإيرانية ۱۹۷۹.

 وحسمت معركة البترول في إيران الصالح الشعب الإيراني وسيطرته التامة على مقدراته وثرواته: 

كنوز العراق

  • في أثناء الحرب العالمية الأولى «١٩١٤- ۱۹۱۸» اقتنع تشرشل بأن الإمساك بزمام الإمبراطورية البريطانية في المستقبل، يتطلب ضمان حرية العبور في ما يسمى بالشرق الأدنى آنذاك ومن ثم أشرف على إعداد حملة الدردنيل التي انتهت بكارثة وأمر باحتلال عبدان وحقول البترول في خرج وديزفول وخرمشهر متخذًا من جزيرة البحرين في الخليج قاعدة له. وظلت هذه المنطقة العراق وخوزستان لفترة طويلة تحت السيطرة البريطانية المباشرة من حيث البترول وشؤونه.

ثم كانت ثورة ١٤ تموز سنة ١٩٥٨ في العراق بقيادة عبد الكريم قاسم حافزًا على الاحتلال الأمريكي للبنان لمنع الثورة من الانتشار إلى الأردن ولبنان. وعندما أعلن قاسم أن امتياز شركة بترول العراق IPC والتي يملكها الاستعمار الغربي لن يمس بسوء نقلت الصحف الأمريكية في واشنطن تصريحات المسؤولين الأمريكيين في أن التدخل في لبنان والإنزال العسكري الأمريكي في لبنان لن يمتد إلى العراق ما دامت الحكومة الثورية في العراق تحترم مصالح البترول الغربية. لكن عندما عين الزعيم الركن قاسم أحد معاونيه من الشيوعيين العراقيين ليتولى مسؤولية الإشراف على معامل التكرير في كركوك إذا بالصحافة الغربية تصرخ وتولول وتكتشف أن العراق تنزلق انزلاقًا خطرًا نحو الشيوعية. وكتبت «الوول ستريت جورنال» و «النيو يورك تايمز» كثيرًا من المقالات في ١٩٥٩ حول ما أسمته ب «الفيضان الأحمر في العراق» وأخذت هذه الصحف تحث الولايات المتحدة وبريطانيا على ردع العراق من المساس في المصالح الغربية هناك والمتركزة حول آبار ومعامل التكرير البترولي العراقي.

الحرب العراقية - الإيرانية والنفط

  • ملاحظتان بارزتان تتأكدان في الأنباء التي تتناول الحرب العراقية الإيرانية وبشكل يومي:

(۱) أولاهما أن العمل العسكري يتركز في منطقة خوزستان جنوب إيران وهذه المنطقة بالذات تعيد بالنسبة لإيران منطقة الإنتاج الرئيسية للبترول وبفقدانها لا تستطيع إيران أن تصمد أمام القوى العالمية أو تتخذ سياسات مناهضة لها ذلك لأن الاقتصاد الإيراني كله يقوم على إنتاج هذه المنطقة من البترول حيث كان فيها في العام ١٩٧٦ ثلاثون بئرًا رئيسية. ۱۹ منها في اليابسة و۱۱ بئرًا في عرض الماء ويقدر الاحتياطي من النفط الإيراني في تلك المنطقة بحوالي ٦٠ بليون برميل، أي أمام النفط الإيراني وفقًا لمعدلات الإنتاج العام ١٩٧٥ فترة إنتاج تبلغ ٣١ عامًا أي حتى عام ٢٠٠٦. 

 (2) ثانيهما أن الولايات المتحدة تشدد في كل يوم عبر تصريحات رسمية بأن عدم تدخلها مشروط بعدم تأثير الحرب العراقية الإيرانية على إمدادات النفط للغرب عبر مضيق هرمز.

  • هكذا نجد أن النفط كان السر وراء كثير من التقلبات السياسية والعسكرية في المنطقة وهكذا نجد صدق المقولة بأن الذي يسيطر عليه ويتمكن من ذلك بأحكام- هذا العالم فابحث عن النفط لفك ألغاز السياسة والحرب!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

322

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7