العنوان المجتمع التربوي العدد 1439
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001
مشاهدات 62
نشر في العدد 1439
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 20-فبراير-2001
فقه الأولويات في مواجهة التحديات (2 من3)
البدء بالأصول والعقائد.. ضابط شرعي عند التخطيط والعمل ـ
النظر المصلحي للأعمال وما يترتب عليها من نفع أو ضرر يعتبر أساسًا لفهم الأولويات
مسفر بن علي القحطاني
التشاغل بالفروع العلمية أو العملية عن تحقيق الأصول والفرائض جهالة.
تحدثنا في الحلقة السابقة عن فقه الأولويات: معنى واصطلاحًا، ووجوبًا بنصوص القرآن والسنة، مستعرضين بعض التحديات التي تستلزم التسلح بهذا الفقه من أجل تذليلها، وقهرها في واقعنا المعاصر. واليوم نتناول الضوابط الشرعية التي تحكم فقه الأولويات ويمكن أن نقسم هذه الضوابط إلى قسمين:
القسم الأول: ضوابط شرعية في تقديم الأولويات ابتداءً عند التخطيط والعمل، وهناك العديد من هذه الضوابط منها على سبيل المثال:
1- تقديم الأصول على الفروع:
هذا من تقديم الأهم على المهم، والمهم على غير المهم، فالبدء بالأصول العقدية والعبادية بدء بما بدأ به الشارع الحكيم، فالقرآن المكي أول ما تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم كان لتأكيد هذه الأصول. ودعوات الأنبياء- عليهم السلام جميعًا- مقررة لهذا المعنى.1 يقول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ (النحل: ٣٦).
فالتشاغل بالفروع العلمية أو العملية عن تحقيق الأصول، وترسيخها جهالة وخرق وسمة لأهل الأهواء والفرق.2
2- تقديم الفرائض القطعية على المندوبات أو الظنيات الخلافية:
فالفرائض الركنية من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من الأولويات التي يجب الإتيان بها، والدعوة إليها، ويدخل فيها كل ما كان من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة وذلك أن منكرها أو المستخف بها أو المستهزئ بها مارق من الدين. ولهذا أنكر الله عز وجل من سوَّى بين الفرائض والمندوبات إذ قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾ (التوبة: 19). ففقه مراتب الأعمال يقتضي تقديم الأصول والفرائض القطعية على ما سواها من المندوبات والأحكام الظنية، وهذه المراتب أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».3
ومن هنا كانت وصية أبي بكر- رضي الله عنه- لعمر - رضي الله عنه- عندما ودع الدنيا واختاره للخلافة أن قال له: «إن لله تعالى حقًا بالنهار لا يقبله بالليل ولله في الليل حقًا لا يقبله في النهار، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة»4.
وللفقهاء قاعدة في هذا المقام أن «المندوب قد يترك تأليفًا للقلوب».5 لأن اجتماعها واجب وتحصيلها مقدم على تحصيل المستحبات.6 وصرح السيوطي- يرحمه الله- في قواعده: أن الفرض أفضل من النفل. وحكى عن ابن السبكي أن هذا أصل مطرد لا سبيل إلى نقضه بشيء من الصور .7
3- تقديم المصالح الضرورية على الحاجية، والحاجية على التحسينية:
فالضروريات: هي مما لابد منه في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تكن مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم.
وهذه الضروريات خمس هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
أما الحاجيات: فهي المصالح التي يحتاج إليها الناس لرفع الحرج والمشقة عنهم، وإن فاتت لا يختل نظام الحياة ولكن يلحق الناس المشقة والعنت، والحاجيات كلها راجعة إلى رفع الحرج عن الناس، فشرعت الرخص في العبادات، والبيوع المستثناة من القواعد العامة للمعاملات كالسلم والإجارة والاستصناع والقرض، وغيرها .
أما التحسينيات: فهي التي تجعل أحوال الناس تجري على مقتضى الآداب العالية والخلق القويم، وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة ولا يلحق الناس مشقة، ولكن تصير حياتهم على خلاف ما تقتضيه المروءة ومكارم الأخلاق كستر العورة والامتناع عن النجاسات والتحلي بالآداب العامة وبناء على هذا السلم الأولوي أبيح كشف العورات إذا اقتضى كشفها علاج أو جراحة لأن ستر العورة أمر تحسيني، والعلاج أمر ضروري لحفظ النفس، وتجب الفرائض والواجبات على المكلفين ولو شق عليهم ذلك، لأن الفرائض والواجبات أمر ضروري لحفظ الدين، ورفع المشقة والحرج أمر حاجي فلا يراعى الحاج إذا تعارض مع الضروري8.
القسم الثاني: ضوابط شرعية في تقديم الأولويات عند التزاحم:
المقصود بالتزاحم تعارض حكمين شرعيين في الواقع العملي على نحو يعجز معه المكلف عن الجمع بينهما فيضطر إلى اختيار أحدهما وإعطائه الأولوية في التنفيذ والعمل9.
ومن الضوابط التي يستنير بها المكلف عمومًا والداعية إلى شرع الله عز وجل خصوصًا في ترجيح حكم على آخر ليخرج من الزحمة التي وقع بها:
أولًا: عند تزاحم الضروريات يقدم حفظ الدين على حفظ النفس، ويقدم حفظ النفس على ما به حفظ العقل، وما به حفظ العقل على ما يكون حفظا للنسل، وما يكون حفظًا للنسل مقدم على ما يحفظ للمال.
فالجهاد واجب لحفظ الدين، وإن أدى إلى إتلاف النفس لأن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، وشرب الخمر مباح لمن أكره على شربها واضطر إليها لأن حفظ النفس مقدم على حفظ العقل، وهكذا.10
ثانيًا: عند تزاحم المصالح المتعلقة بكلي الحد كالدين أو النفس أو العقل فالضابط في التقديم يرجع إلى اعتبارات عدة منها :
المصلحة العامة تقدم على الخاصة، والأكيدة تقدم على الظنية والدائمة على المنقطعة، والمتعدية على القاصرة، والأطول نفعًا على المحدودة والمصالح الجوهرية على الشكلية، والمستقبلية على الآنية الضعيفة، وغيرها من الضوابط المعتبرة في هذا الباب.11
ثالثًا: عند تزاحم المصالح والمفاسد، يكون الأولى في التقديم والاعتبار ما يلي:
1- أن تتزاحم المصالح فيقدم ما مصلحته خالصة أو راجحة.
2- أن تتزاحم المفاسد فيقدم بالدرء ما مفسدته خالصة أو راجحة، ومن القواعد الفقهية في ذلك يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها ضررًا وارتكاب أخفهما.12
3- أن تتزاحم المفاسد والمصالح، والمصالح راجحة فتقدم المصالح على المفاسد، أو تكون المفاسد راجحة فيقدم درؤها على ما في المصالح من نفع ولا نبالي بفوات المرجوح.13
٤- أن تتساوى المفاسد والمصالح في ذات الأمر، فنقدم القاعدة الفقهية: درء المفاسد يقدم على جلب المصالح.14
يظهر مما مضى أن النظر المصلحي للأعمال وفق مراتبها من خلال ما يترتب عليها من نفع أو ضرر يعتبر أساسًا لفهم الأولويات، يقول الشاطبي- يرحمه الله-:«الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عظم المصلحة أو المفسدة الناشئة عنها، وقد علم في الشريعة أن أعظم المصالح جريان الأمور الضرورية الخمسة المعتبرة في كل ملة، وأن أعظم المفاسد ما يعود بالإخلال عليها».15
رابعًا: أحكام المقاصد أولى بالاعتبار من أحكام الوسائل:
هذا عند التزاحم في العمل بالأحكام الشرعية، فإنه يقدم ما هو من الأعمال والتصرفات مقصود لذاته والنفوس تسعى لتحصيله بمساع شتى أو تحمل على السعي إليه امتثالًا، فهذه المقاصد تقدم على ما كان من باب الوسائل المشروعة لتحصيل أحكام أخرى ليست مقصودة بذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل.16
فالوسائل أو الذرائع في حقيقتها معتبرة... فوسائل المحرمات في كراهتها، والمنع منها مطلوب بحسب إفضائها إلى غاياتها، وكذا الطاعات في محبتها والإذن بها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، ولكن عند التزاحم والتعارض نعتبر المقاصد ولو كان في ذلك تضييعًا لأحكام الوسائل.17
ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية: «يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد»18، لأنها أهون منها بعكس المقاصد لا يفرط فيها، ومن الأمثلة لذلك الخروج إلى الدعوة إلى الله عز وجل وسيلة إلى واجب شرعي، وحقوق الزوجة والأولاد والوالدين واجبة مقصودة في ذاتها، فإن كان في الخروج إلى الدعوة تضييع لحقوق الأولاد والزوجة فإن المقدم ما كان واجبًا مقصودًا في ذاته على كل ما هو وسيلة إلى واجب.19
المعدن النفيس في الوضع التعيس
ما زال الناس في هذا الزمان المادي يتسابقون على المصالح، ويتشابكون بالأيدي لكنهم يتنافرون بالقلوب بسبب أشياء مادية زائلة، فتجد النفوس غاضبة، والصدور حاقدة والعيون قادحة شررًا، والمعاملة قاسية في أدنى أساليب الانحدار الاجتماعي. ولكنَّ هناك أناسًا رفضوا هذا الوضع فأقاموا الموازنة الحقة بين الماديات والمعنويات فأخذوا يعملون على قضاء مصالحهم بكل أمانة، وصدق، وضمير حي، وعند الخلاف في وجهات النظر لا يحملون في أنفسهم ضغينة لأحد، فمبادئهم لا للغيبة والنميمة، ولا للحسد والتباغض والتملق، ولا للنفاق أو للمداهنة والخداع، ولا للتلون والمراوغة، فاعتدال المبادئ واستقامة الأمور عندهم تجعلهم معدنًا نفيسًا بين الناس. إن الرقائق الروحية، والمعاني النفسية، والروح العالية التي تسمو فوق ماديات جافة في مصالح زائلة هي سبيل صنع الخير في البشر، وإنسانية الناس، باكتساب الجانب المعنوي الذي يرطب جفاف الجانب المادي، وغربته. ومهما ازدادت الحياة قساوة، وتكالبت الهموم وتتالت المصائب، وضاقت الدنيا برغم رحابتها أقول: صبرًا.
إن ضغط المشكلات وصعوبة إيجاد الحل وقلة المخلصين وقت الشدة أو حين الحاجة كل ذلك يولد انفجارك الذاتي، وزيادة الملل والإكثار من التأفف المقيت، ومع ذلك فعليك بالتجمل بالصبر.
إن مشوار الدرب طويل، ومتاهاته متعددة، فعليك التزام الثابت من المبادئ والقيم من الفضائل، والأفضل من الأعمال، والطيب من الأخبار، والإكثار من الصلوات، والابتعاد عن الحرام، وأهل الفساد، والأماكن ذات السمعة الرديئة.
والصبر ليس نسيانًا للحل بل هو وسيلة جيدة لتهدئة الوضع والتفكير بإيجابية لمعالجة الضيق من الأمور، والمتعثر من المشكلات، وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2، 3).
إن الناس في معظمهم لاهون خلف مصالحهم وأحوال معيشتهم، وأوفياء هذا الزمان أندر من المعادن النفيسة، وألمع من الأحجار الكريمة، وبرغم قلة أهل الوفاء إلا أننا يجب أن نتسلح دومًا بالتفاؤل بالفرج، بتباشير السعادة الحقيقية التي تمحو الهموم والأحزان وأنواع القهر الدنيوي، وتجلو الصدر من ضيقه وآلامه.
سعد مجبل القحص
1 الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للفوزان ص ۲۷، فتح المجيد ص .١٦.
2 مناهج أهل الأهواء والافتراق للعقل 3/138.
3 رواه البخاري (۹) 1/12 ، ومسلم (٣٥) 1/63.
4 الزهد لابن المبارك ص ۳۱۹.
5 القواعد النورانية لابن تيمية ص ۲۱، الوجيز في القواعد الفقهية لزيدان ص ۱۹۷.
6 مجموع الفتاوى 24/170.
7 الأشباه والنظائر ص ۲۷۲.
8 الموافقات 2/17- ٤٤ المقاصد العامة للعالم ص ١٥٥- ۱۷۳ ، الوجيز في أصول الفقه لزيدان ص ٣٧٥- ۳۷۹ أصول الفقه لشلبي ص ٥١١ – ٥٢١، أصول فقه الزحيلي 2/1017- ۱۲۰۹.
9 فقه الأولويات للوكيلي ص ۱۲۲.
10 انظر: فقه الأولويات للهلالي ص ۳۰- ۳۱، فقه الأولويات للوكيلي ص ۱۹۷ وما بعدها، السياسة الشرعية للقرضاوي ص ۳۱۰- ۳۱۱.
11 ضوابط المصلحة للبوطي ص ۲۱۷ وما بعدها، فقه الأولويات للهلالي ص ۳۰- ۳۱. قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص ٥٦ وما بعدها.
12 الموافقات 2/44- ٥٠ الأشباه والنظائر للسيوطي ص ۱۸۷.
13 قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص ٥٦.
14 الأشباه والنظائر للسيوطي ص ۱۸۸، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص ٥٦- ٥٧. مفتاح دار السعادة لابن القيم 2/14، الوجيز في شرح القواعد الفقهية لزيدان ص ۹۷ – 105.
15 الموافقات 2/511.
16 مقاصد الشريعة لابن عاشور ص ١٤٧.
17 أعلام الموقعين 3/153.
18 الأشباه والنظائر للسيوطي ص ۲۹۳.
19 فقه الأولويات للوكيلي ص ۲۳۹.