; المجتمع التربوي (1156) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1156)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995

مشاهدات 149

نشر في العدد 1156

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 04-يوليو-1995

وقفة تربوية

«ذم الآخرين»

 الصبر والتقوى هما عماد كل الصفات التي تقوم عليها الرجولة الحقة

تفهم طائفة من الدعاة أن إنكار المنكر هو البحث والتنقيب عن عيوب الآخرين وفضحهم أمام الخلق إما تصريحًا أو كتابة، وكأنهم بعد ذلك قد انتهت مهمتهم عند ذلك، وكفى الله المؤمنين القتال..

هذا الفهم الخاطئ لميكانيكية الإنكار يجعل هذه الفئة تستمر النقد من غير أي ضوابط شرعية، مما يوقعها في الكثير من المخالفات الشرعية دون أن تشعر، ومن أبرز هذه المخالفات.

 ۱ - قذف الآخرين من غير تثبت أو دليل.

2- الحقد على أهل التوحيد ممن لا يبدو في ظاهرهم إلا الخير.

3- الغيبة لمن لا يباح غيبته.

 ٤ - الظن السوء.

5 - الطعن بالنيات.

وعادة تكون هذه الفئة من الدعاة غارقة بالأخطاء قليلة الورع جاهلة بالعلم الشرعي غير بصيرة بعيوبها، تفرح عند سماعها أخطاء الآخرين، لقد ذكر عند التابعي الجليل أحدهم بسوء فقال للمتكلم «ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله في ذنوب العباد، وأمنوا على ذنوبهم» «الورع ص ٤٢»

لقد زاغت أعين هؤلاء بعيدًا عن العيب القريب، وذهبت تنقب عن العيب البعيد، أو أنها علمت به فتغافلت عنه وانشغلت بعيوب الآخرين، كأنها أخذت أمانًا من الله بالعفو عن عيوبها، إن هذا لا يعني دعوة لعدم الإنكار على الآخرين، ولكنها دعوة بعدم الغفلة عن عيوب النفس، والانشغال فقط بذم الآخرين، والقاعدة تقول الأقربون أولى بالمعروف.

أبو بلال

الدعوة إلى الخير

بقلم: محمد أبو سيدو

لم تقتصر دعوة الإسلام ومنهجه في بناء المسلم عقيدة وسلوكًا على أن تجعله صالحًا في نفسه فقط، بل إلى إيجاد المسلم الصالح المصلح لذاته ولغيره، وهذا شرط أساسي لصالح الأمة المسلمة واستقامة الحياة بقيادتها وريادتها.

سئل رسول الله أي الناس خير؟ فقال : «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وأمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» (رواه: درة بنت أبي لهب, المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد) فالحياة لا تستقم إلا بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدى المفسدين، ولا يملك أحد ما يسمى بالحرية الشخصية في التصرف بلا ضابط فحرية الفرد غير مطلقة، بل يحكمها ترك الضرر سواء كان عن جهالة أو عن عمد، وهذا ما بينه رسول الهدى  في صحيح البخاري بقوله: «مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها، مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به فأحد فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا مالك قال تأذيتم بي ولابد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه انجوه ونجوا أنفسهم, وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» (رواه: النعمان بن بشير، صحيح البخاري).

هذه الصورة تعبر في مفهومنا المعاصر عن وسيلة الإيضاح بلغة التربية المعاصرة، وهي تجمع بين واقعين متشابهين معتدين عبر الحياة أخذهما واقع القائمين على حدود الله الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وواقع الواقعين فيها التاركين للمعروف والمرتكبين للمنكر، وواقع المداهنين المصانعين في الحق الساكتين عن الشر بدعوى الحرية الشخصية.

والواجب على المسلم أن يتخيل نفسه حارسًا على الدين ويتذكر قول المصطفى : «كلكم على ثغرة فلا يؤتين الإسلام من قبلك» (المحدث: ابن باز، المصدر: رسائل ابن باز) ومن هنا يقوم المسلم بالنصيحة حتى لا يعم الفساد.

والواجب أن يقوم كل من في قلبه ذرة من إيمان ليغير المنكر بالضرب على أيدي المفسدين حتى لا يعم الفساد امتثالًا لقوله : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (من أفراد مسلم على البخاري).

وبعض الناس يظن عند قراءة هذه الآية الكريمة ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ (المائدة: 105) إنه انتصار على إصلاح النفس فقط وعدم الاكتراث بفساد الآخرين، والآية لها مدلولات كثيرة منها ما يتعلق بعلاقة المسلم بأخيه المسلم، فبعد أن يصلح المسلم نفسه ويهذبها ويثقفها بثقافة الدعوة إلى الله فكرًا وسلوكًا يدربها على حسن الدعوة والصبر عليها، حينئذ لن يضره من ضل عند دعوته إلى الله بالحسنى، وفي مجال آخر نتيجة إلى علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم.

فالأمة المسلمة متضامنة متكاملة تقوم بدورها في تزكية النفوس وتطهيرها وبعد ذلك لا عليهم أن يضل غيرهم إذا هم اهتدوا، والأمة المسلمة محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بينها أولًا ثم في الأرض جميعًا، لأنهم شهداء على الناس ورسول الله عليهم شهيدًا.

وبذلك يعد تغيير المنكر فريضة، لأنه ضرورة للحياة، فيه يتحقق وجود المجتمع الآمن، وبغيره يعم العقاب ﴿ وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ  (الأنفال: 25).

فعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله  فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم تحكم المتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديد» (أخرجه ابن ماجه (4019)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (4671)، والحاكم (8623) باختلاف يسير(، وهذه صورة رسمها رسول الله محذرًا وهي قريبة جدًا من واقعنا، حيث إن المعصية إذا اختفت لا تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت ضرت العامة ما لم تبدل.

آلام وآمال

الرجال في أمة الإسلام

بقلم: جاسم المهلهل الياسين

الرجولة معنى أكبر من الذكورة، فإذا ذكرت الذكورة دلت على نوع من الإنسان يقابل الأنوثة، وإذا ذكرت الرجولة دلت على معاني كثيرة من الشهامة والوفاء والتمسك بالحق ومناصرة الضعفاء، ومعاونة الفقراء والثبات في وجه الشدائد والأعداء مع الهمة العالية والقوة البانية، ولذا فذكر الرجال في القرآن يكون مرتبطًا بهذه المعاني، ومن ذلك قول الله: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا (الأحزاب: 23) وقوله: ﴿ وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ (غافر: 28) وقوله: ﴿ وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ  (القصص: 20)، وقوله: ﴿ وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ  (يس: 20).

وجميع هؤلاء الرجال متمسكون بالحق، يواجهون الباطل بأقوالهم أو بأفعالهم، ويبذلون في سبيل ذلك أرواحهم وأموالهم وينصحون المؤمنين، ويدلونهم على الخير، مع إرادة صلبة لا تلين لها قناة، وهذا داب الرجال المؤمنين كما ينبغي أن يكون الحق مبتغاهم، والتضحية سبيلهم، وإعلاء كلمة الله غايتهم، يستشعرون المسئولية نحو الآخرين فيؤدونها بغير طلب من أحد، وبغير تأخير أو تكاسل، وبغير خوف على منصب يضيع، أو مال يرتجى، أو جاه يظهر بين الناس، فهذه أعراض زائلة لا تؤثر على الجوهر الذي هو الحق المستمد من الإيمان، والذي يقذف به الباطل، فيهوي ويترنح ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ (الأنبياء: 18).

لقد استشعر الإمام أحمد في حبسه مسئوليته نحو الآخرين فكان يصلي بالمسجونين إمامًا وهو مقيد بأغلاله فيقول: «كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد» ولقد كان استشعار المسئولية هو الحافز والدافع لكثير من المسلمين أن يؤدوا ما أدوا خدمة للدين فالجهاد كان استشعارًا للمسئولية، وكل أثر حضاري ثقافي أو عمراني أبدعه المسلمون في أي فرع من فروع الحياة، إنما كان استشعار المسئولية هو الحافز عليه والدافع إليه والأمثلة أكثر من أن تحصى في ذلك.

لقد كان الإمام النووي يعيش معظم أيامه على كسرة خبز وقطعة جبن، وهو الذي خلف أثارًا باقية ينتفع بها المسلمون وسيظلون.. ولو وجد هذا الشعور بين المسلمين اليوم ما أهمل عامل عمله، وما أخلف مسلم وعده، ولا خان أحد في أمانة، ولصلحت النفوس والضمائر بعد أن تعرف واجبها نحو الآخرين فتؤدى ما عليها لهم دون مقابل منهم إلا أن يتعلموا كيفية النهوض بالواجب والقيام بالتبعة واستشعار المسئولية نحو الآخرين, في سمو في التعامل مع الخلق يدفعهم للزهد فيما في أيدي الناس، ويضرب صفحًا عن المسيئين، لعلهم يرجعون إلى رشدهم، ويحب للناس الهدى والمرحمة، ﴿ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ  (البلد: 17/18)، وقد كان هذا نهج السلف الصالح يقول عمر بن عبيد: «في المؤمن ثلاث خلال, يسمع الكلمة التي تؤذيه فيعرض عنها صفحًا كأن لم يسمعها، ويحب للناس كما يحب لنفسه، ويقطع أسباب الطمع عن الخلق».

وهؤلاء الرجال إنما تربوا على تقوى من الله، فكانوا في كل جانب يتجهون إليه هم القادة، عليهم يقع العبء الأكبر في البناء الإسلامي، وقد لا يعود إليهم من الغنم شيء.

رجال عرفوا الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر في المحنة والشدة، فكانوا يستشعرون معية الله ﵟإِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ  (البقرة: 153) فزادت قوتهم بذلك، وتحملوا ما تحمله خباب ابن الأرت حين طفح به الكيل فجاء إلى رسول الله قائلًا: ألا تستنصر لنا؟! ويخبره الرسول  بأمر رجال سبقوا من قبل كان الواحد منهم يشق بالمنشار، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصرفه ذلك عن دينه، ثم يقسم رسول الله : «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخش إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» (رواه: خباب بن الأرت، المصدر: صحيح الجامع).

ومع الصبر الذي ترياق كل محنة تكون الصلاة، التي يتقرب بها العبد إلى الله، والله سبحانه يقول: ﴿ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ (البقرة: 153) وكان  يجد فيها راحته وسلواه ويقول: «أرحنا بها يا بلال» (أخرجه الدارقطني في ((علله)) (4/122)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (10/442))

ومع هاتين الصفتين «الصبر والتقوى» صفات أخرى كثيرة، ولكن هاتين الصفتين هما عماد كل الصفات ﴿ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ  (يوسف: 90).

ولقد أدرك عمر قيمة الرجال الذين تقوم على أكتافهم الدولة، لأمانتهم وجدهم، فلقد روي عنه أنه قال يومًا لجلسائه: تمنوا فتمنى كل واحد منهم ما تمنى، وعمر لا يوافقهم على أمنياتهم، فقالوا له تمن أنت يا أمير المؤمنين، قال: «أنى أتمنى ملء هذا المكان رجالًا كأبي عبيدة بن الجراح».

فالرجال هم صناع الحضارة وبناة الأمم، يا له من دين لو كان له رجال، رجال همهم هداية الخلق إلى الحق حتى لا يعلو الفجار على الأبرار فينهدم البنيان على الجميع سئل عمر أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قال نعم، إذا علا فجارها على أبرارها ولذا كان التصدي للضلال والانحراف والتقوى هما والنصح للناس سمة الرجال العاملين، يقول عبد القادر الكيلاني: «سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي» تلك هي بعض سمات الرجال وأثارهم في الإسلام فأين هم الآن؟

 المجتمع التربوي

أين نحن من هؤلاء؟!

صلاح الدين.. الطريق الوحيد لعودة القدس

بقلم: محمد عبد الله الخطيب

يقول القاضي بهاء الدين: «كان صلاح الدين خاشع القلب، غزير الدمع، إذا سمع القرآن خشع قلبه، ودمعت عينه، وكان كثير التعظيم لشعائر الدين، وكان يبغض الفلاسفة والمعطلة، ومن يعاند الشريعة، وإذا سمع عن معاند ملحد في مملكته كان يأمر بقتله» «المقريزي في خططه».

وكان عند القتال بخر ساجدًا لله، داعيًا باكيًا يقول في دعائه: «ألهى قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل» «المرجع السابق».

نحن اليوم حين نذكر صلاح الدين ونتحدث عنه، يكون القصد ذكر صفات البطل المنتظر، ليعيد دوره مرة أخرى، ويروي لأمة الإسلام كرامتها ومجدها.

فنحن نعيش في زمن حافل بالمتناقضات، وما أشبه الليلة بالبارحة، وكلما ذكرنا القدس وبيت المقدس، تجسدت بطولات صلاح الدين أمام أعيننا، لا تفارقنا لحظة، وفي غيبة الرجال الذين يرفعون اللواء، ويحسنون المواجهة مع اليهود، ويدافعون عن أمتهم وكيانهم ومقدساتهم، يتبجح العدو ويعلن الأفاعي «إن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل» ويصرح آخر «كل شيء قابل للتفاوض باستثناء القدس» وثالث يصرح «ستقاتل إسرائيل من جديد من أجل بقاء القدس موحدة» ويا للعجب؟ أصحاب الحق غافلون ونائمون، والمغتصبون يتبجحون ويهددون، والقدس وبيت المقدس ستظل هذه القضية دائمًا هي التحدي الأكبر، وهى قضية المسلمين والله محاسبهم عليها، إن جوهر الصراع ليس حول قطعة أرض بل هو صراع بين الإسلام كعقيدة وشريعة، وبين الصهيونية المجرمة المعتدية.

يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «بيت المقدس بنته الأنبياء، وعمرته الأنبياء، وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه ملك أو أقام عليه ملك».

ولقد حررها صلاح الدين من الصليبيين، والقدس اليوم أسير جريح وغريب عن أهله، ومن هنا كان حديثنا في هذه الحلقة عن البطل العظيم الفاتح صلاح الدين لعل الله يرزقنا بمثله لتحرير القدس مرة أخرى.

روى الإمام أحمد في سنده عن أبي أمامه الباهلي أن رسول الله  له قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله -عز وجل- وهم كذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكنان بيت المقدس» (من أفراد مسلم على البخاري).

 ونقول والأمل يحدونا والنصر يلوح أمام أعيننا، ولا مكان لليأس والقنوط في حياتنا، إن الأمة الإسلامية لن تموت، وإن الإسلام لن تخفض أعلامه أبدًا، بل هي مرفوعة إن شاء الله ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ  (يُوسُف : 21)

كم أنجبت هذه الأمة من أبطال سمت نفوسهم، وعلت هممهم وامتازوا باتساع دائرة تأثيرهم وسلطانهم، لم يتعصبوا لجنس، ولم يعيشوا في دائرة القوميات أو الحدود المصطنعة المزيفة.

والمسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى واحد من هؤلاء القادة يقوم بالدور العظيم الذي أداه أسلافه في إنقاذ الأمة وصيانة كرامتها ورد ما سلب منها.. وما ذلك على الله بعزيز.

ومن هؤلاء الأبطال صلاح الدين الأيوبي الشخصية الإسلامية الشامخة امتاز بالخلق الرفيع والشجاعة النادرة والبطولة الفذة والحرص على كرامة الأمة الإسلامية، ولقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء، يقول فيه المؤرخ الألماني المشهور «بروكلمان» «إن اسم صلاح الدين لا يزال خالدًا إلى جانب اسمي هارون الرشيد، والظاهر بيبرس كرمز لحقبة من أحفل حقب التاريخ بالجهاد والكفاح، لقد كان نموذجًا للحاكم العادل الذي يحسن سياسة رعاياه كما يحسن معاملة خصومه، ولا يقابلهم بالشدة والعنف ولكن بالرفق واللين دون أن يتنقص ذلك من شهامته وبطولته».

ولد صلاح الدين عام ٥٣٢هـ في قلعة تكريت، وأبو يوسف الأول ابن الأمير نجم الدين أيوب ونشأ في بعلبك، حيث يعمل أبوه في بلاط نور الدين بدمشق، ومضى فترة من سني طفولته في الكتاب يحفظ القرآن الكريم حتى حفظه عن ظهر قلب، ثم درس في المعاهد الدينية الفقه وعلوم الحديث والشعر، وكان ولوعًا بالجدل الفقهي في شبابه.

جاء إلى مصر مع شيركوه في ٥٥٩ هـ وأظهر شجاعة وقدرة على العمل، فعين وزيرًا لأول مرة في سنة ٥٦٤هـ ولقبه الخليفة بالملك.

واشتغل بتوحيد مصر والشام والمغرب والنوبة، ﴿ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ (آل عمران: 103) وبهذا استطاع أن يوقظ الأمة الإسلامية بعد أن تمزقت، وأن يقف في وجه الصليبيين كالطود الراسخ في عزيمة وثبات، وأن يذيقهم مرارة الهزيمة في مواقع شتي، وأن يبرهن للعالم أن الإلحاد لا يصرعه إلا الإيمان بالله، وأن العقيدة لابد لها من النصر مهما صال الباطل وجال وانتشر في كل ميدان.

نظرة بسيطة إلى هذه المعركة تكشف لنا عن مدى انتصار الإيمان متى رجع المسلمون إليه, فلقد لجأ المؤمنون إلى ربهم وصلاح الدين يظل ليلة المعركة في دعاء وتضرع واستغاثة وابتهال إلى الله - عز وجل - ويصبح يوم المعركة صائمًا والجنود طوال الليل ما بين قائم يصلي وقارئ للقرآن الجميع في جو رباني طاهر، وحين التقى الجمعان شهدت روابي حطين، انتصارًا على النفس قبل دخول المعركة، وذلك هو سر الانتصار المادي، ﴿ فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ (الأنفال: 17) ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ(محمد: 7).

وبعد هذه المعركة لم تقم للصليبية قائمة فسقطت في يده، وبعدها حصون طبرية والناصرة والسامرة وصيدا وبيروت وتيران وعكما والرملة، ثم فتح بيت المقدس سنة ٥٨٣هـ وتحقق أمل العالم الإسلامي، فهل يعيد التاريخ نفسه؟ وترى الدنيا من جديد بطولة المسلمين وعظمة الإسلام، وعمل العقيدة حين تتمكن من النفوس فتتغلب القلة على الكثرة، لأنها صاحبة حق، والكثرة عبيد الشيطان والباطل، وإلا فكيف يغلب اثنا عشر ألف فارس خمسين ألفًا من الصليبيين في حصونهم وفي أرض سكنوها واستعمروها, ظانين أن القوة مع الباطل توصل إلى النصر وإن العدوان سبيل إلى الفوز.

في رجب سنة ٥٨٣ هـ وصل صلاح الدين بجنده إلى بيت المقدس وهو يعلم أن الصليبيين قد حشدوا في بيت المقدس، أخلص فرسانهم وأكبر قوادهم لأنها حرب دينية ضد الإسلام والموت أهون عليهم من أن يملك المسلمون بيت المقدس ويستردوه وبدأ صلاح الدين يمارس مع قواده الجانب الذي يبدأ منه الهجوم، ثم حاصرهم، وبدأ المسلمون يحملون حملة رجل واحد، ووصلوا إلى السور ونقبوه وزحف الرماه، فلما رأى الصليبيون شدة بأس المسلمين رأوا أن يرسلوا من يطلب لهم الأمان والتسليم وهنا امتنع صلاح الدين وقال لرسلهم لا أفعل إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه من القتل والسبي، وجزاء سيئة بمثلها، وكان الصليبيون قد خربوا المسجد وقتلوا الرجال والنساء والأطفال حتى كانوا يخوضون في بحار من الدماء، فلما علموا برفض صلاح الدين لطلبهم ازدادوا في التخريب وفي قتل الأسرى وكانوا خمسة آلاف أسير من المسلمين وأراد صلاح الدين أن يدفع الفدية، ودخل المسلمون المدينة في يوم الجمعة، وكان يومًا مشهودًا طهروا المسجد الأقصى، وأقاموا صلاة الجمعة وخشعت الأصوات ووجلت القلوب وبكى المسلمون من شدة الفرح.

ربى صلاح الدين رجالًا غايتهم رضاء الحق، وأداء الواجب على وجهه الكامل، ربي رجالًا كان الانبعاث إلى العطاء عندهم دوافعه ذاتية والحق أن فتح بيت المقدس، وانتصار المسلمين بعد جمع كلمتهم، كان من ورائه أصحاب العقيدة الذين قاموا بعملهم في صمت وعفة وصدق، وكان هو نفسه رضي الله عنه نموذجًا وأسوة أمامهم، فقد كان يشاركهم بنفسه في حمل الأحجار لسد الثغرات، وبناء الحصون.

روى المؤرخون الثقات:

«إن صلاح الدين لاحظ وهو يقاتل الصليبيين، أن النار اشتعلت مرتين في معسكرات الأعداء، مخلفة وراءها الدماء والاضطراب والقلق والفزع، وفي مرة كان يرقب جهة العدو فلاحظ أن النار بدأت تشتعل ونظر فرأى الفاعل بعد ما بدأ الحريق، يعود إلى جند المسلمين، فأمر فجيء به، فلما مثل بين يديه قال له ما اسمك؟ قال الرجل يعلمه الله، قال صلاح الدين مطمئنًا: إني أريد مكافأتك؟ قال الرجل لو أردت المال ما جئت هنا، وانصرف لشأنه.

هذه حقيقة الجندي المسلم الذي يجاهد ويقاتل لله وحده، وهو يطلب أجره من الله، وحين أراد السلطان أن يكافئه كره أن يأخذ على جهاده ثمنًا حسبه عند الله، وما أكثر هذه النماذج في تاريخ الإسلام؟

يقول القاضي بهاء الدين:

 «إن صلاح الدين رأى أن الله سبحانه وتعالى خلقه لأمر عظيم، لا يتفق معه لهو ولا ترف ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوارحه استيلاء عظيمًا بحيث ما كان له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في الله وعدته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره به وبحثه عليه، ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وماله ومسكنه وسائر ملاذه، وقنع من الدنيا بالسكون فوق الجبل في خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة، وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد».

وحين ذهب إلى دمشق أعد له قصر بولغ في حسنه وجماله، فلما راه قال: «ما يصنع بالدار من يتوقع الموت؟ وما خلق العبد إلا للعبادة والسعي في تحصيل السعادة الأبدية، وما جئنا إلى دمشق بنية الإقامة».

كتب إلى ملك الإنجليز يقول له:

«القدس لنا كما هو لكم وهو عندنا أعظم مما هو عندكم، فإنه مسرى نبينا ومجتمع الملائكة، فلا يتصور أن تنزل عنه، ولا تقدر على التلفظ بذلك بين المسلمين، أما البلاد فهي لنا في الأصل, واستيلاؤكم كان طارئًا عليها, لضعف من كان بها من المسلمين في ذلك الوقت».

وكتب يوصي ابنه الطاهر فقال:

«أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل خير وأمرك بما أمرك الله به فإنه سبب نجاتك، وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم فأنت أميني وأمين الله عليهم وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر، فما بلغت ما بلغت إلا بمدارات الناس, ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبقي علي أحد, وأحذرك ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره لك بتوبتك إليه فإنه كريم».

وفي ليلة الأربعاء ٢٧ صفر سنة ٥٨٩هـ اشتد به المرض وغالبته سكرات الموت, وكان الشيخ يقرًا عنده القرآن فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ (الحشر: 22) سمعه يقول «صحيح» وكانت آخر كلمة لفظها، وكان في السابعة والخمسين من عمره، وخلف سبعة عشر ولدًا وبنًتا واحدة، وحكم قريبًا ولم من أربعين سنة ولم يوجد في خزانته سوى سبعة وأربعين درهمًا، ولم يخلف دارًا ولا عقارًا ولا بستانًا, وإنما ترك ما هو أسمى من الدنيا، ترك بطولة وشجاعة وإخلاصًا لأمته، تقف أجيال المسلمين أمام ذكراه وقفة إكبار وإعزاز وسيبقى اسم صلاح الدين ما بقي الدهر, رحمه الله رحمة واسعة.

النافذة التربوية

ذات يوم:

دخلت ذات يوم إلى منتدى يرتاده بعض شباب الصحوة الإسلامية، فسلمت عليهم فإذا بالجميع يصافحني بحرارة وابتسامة مشرقة أحسست معهما بحلاوة الأخوة في الله التي جمعتنا على غير أنساب بيننا!

وخلال الأحاديث الأخوية الجانبية إذا بأحد الحاضرين يغير مجرى الجلسة ويطرح قضية فقهية مختلف فيها، ودار بعدها جدال طويل عريض دافع فيه كل فريق عن وجهة نظره، ثم خرج أحدهم وحسم الخلاف وقال: «إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية, ولنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه».

وهنا حمدت الله الذي قيض لهذه المجموعة ذلك الرجل الذي كان بحق مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، ثم أردف يقول إن الجدال داء الأمم والجماعات الفارغة التي لا تعرف ولا تتقن سواه وإن كان ولا بد منه فعلينا الالتزام بأدب الحوار والنقاش وما ينتج عنهما، ويحضرني في هذا المقام ما قاله يونس الصدفي - رحمه الله تعالى- ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة «الحوار أصوله المنهجية وآدابه السلوكية ص ٧٠ لأحمد الصويان».

وبينما نحن كذلك دخل علينا أحد الإخوة وكان المكان ضيقًا، فإذا بالجميع يوسع له في المجلس، مما أدخل السرور في قلب الأخ الداخل، فجلس وبدأ يقرأ علينا من قصاصة في يده عن حال المسلمين في البوسنة وتطورات الوضع هناك، وعقب آخر عليه موضحًا موقف الأمم المتحدة والعالم أجمع من هذه القضية التي أظهرت وحشية الصرب وحقدهم على مسلمي البوسنة!!

تمضي الدقائق وتمر اللحظات وإذا بأصوات المآذن ترتفع منادية لصلاة العشاء، فأخذ الجميع يردد خلف المؤذن امتثالًا لأمر المصطفى .

وبعد ذلك قمنا لتأدية صلاة العشاء مرددين كل في نفسه دعاء كفارة المجلس.

خلال هذه اللحظات، سمعت صوت الهاتف فوق رأسي وإذا بالوالدة –حفظها الله– توقظني لصلاة الفجر وإذا به حلم جميل أحسست معه بجمال الحياة، وجمال الإخوة وجمال الصحبة الصالحة ولكنه يبقى حلم.

عبد اللطيف الصريخ

الرابط المختصر :