العنوان انتهاكات أمريكا لحقوق الإنسان
الكاتب د. عبدالله الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994
مشاهدات 89
نشر في العدد 1118
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 27-سبتمبر-1994
- السجل الأمريكي في مجال حقوق الإنسان يقوم على ازدواجية بشعة تفرق بين الناس على أساس الدين والعرق كما هو الحاصل في السودان.
- إسرائيل تمارس انتهاكاً بشعاً لحقوق الإنسان في فلسطين فتهدم المنازل وتشرد السكان وتقتل الأفراد بمساندة صريحة من أمريكا التي تدعمها ب 3.2 مليار دولار وتزودها بالسلاح والعتاد.
- حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك هي التمكين للصرب من تنفيذ سياسة التطهير العرقي باستخدام الأمم المتحدة.
تبشر الولايات المتحدة هذه الأيام العالم بحقوق الإنسان، حتى جعلت من هذا الحق مبررًا، وطريقا إلى تجاوز القواعد السابقة التي تفتقت عنها العبقرية الإنسانية في مجال القانون الدولي، والمعاهدات، فقد كان حق السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مبادئ ثابتة، سارت على هداها منظومة دول النظام العالمي منذ آماد بعيدة، أما عالم ما بعد الحرب الباردة فعالم يختلف؛ إذ أتت أمريكا بدعاوى مراعاة حقوق الإنسان للقضاء على القواعد السابقة القاضية بسيادة الدول، على أقاليمها الجغرافية وسكانها حفظًا للنظام، والأمن، وسعيًا وراء التقدم الإنساني تحت حكم القانون، والتبشير بالمبادئ، ثم العمل بشيء آخر، أحد السمات الأساسية للنفسية الأمريكية، والبناء الثقافي، والاجتماعي والاقتصادي، والفكري للشخصية الأمريكية، هذه السمة الأساسية للشخصية الأمريكية تنعكس بصورة واضحة في السياسة العامة للبلاد داخليًا ، وعلى مستوى العلاقات الدولية، هذا ومسالة حقوق الإنسان إحدى المساحات الهامة التي يظهر فيها ازدواج الشخصية الأمريكية، وفي هذا المبحث المبسط سوف نحاول التعرض لحقوق الإنسان في السجل الأمريكي، متلمسين ذلك من مختلف أوجه الحياة، والسلوك الأمريكي؛ إذ بينما تبشر أمريكا بحقوق الإنسان في أرجاء العالم، تقوم هي نفسها بارتكاب أبشع الجرائم والمخالفات في مجال حقوق الإنسان؛ إذ تنتهك بموجب القانون حق الإنسان في الحياة وحقه في الميلاد!
الولايات المتحدة، وحق الإنسان الأساسي في الحياة، وتقنين الإجهاض:
تقوم الولايات المتحدة بانتهاك الحق الأساسي للإنسان، حق الحياة، إذ إن القانون الأمريكي الفيدرالي يعطي المرأة الأمريكية الحق في إجهاض نفسها متى شاءت، بل وتمول عمليات الإجهاض من الميزانية العامة للدولة الأمريكية، ففي سنة ١٩٧٣ حكمت المحكمة العليا للولايات المتحدة باعتبار أن قوانين الولايات التي تحد من الإجهاض أمر غير دستوري، لأن الإجهاض في مراحله الأولى أكثر سلامة من عملية الولادة الطبيعية، ولأن الشخص أو كلمة الشخص في الدستور الأمريكي لا تنطبق على الجنين غير المولود(۱)؛ إذ إن القضية المشهورة المعروفة والتي حسمت مسألة الإجهاض، وجعلته قانونيًا تحت الرقم (٤١٠) الولايات المتحدة (۱۱۳ (۱۹۷۳) تقول: «إن القوانين الجنائية التي تمنع الإجهاض إلا للحفاظ على حياة الأم - تعتبر غير دستورية، وهي بذلك مخالفة لحق الخصوصية المضمنة في الحرية الشخصية، المحمية بواسطة التعديل الرابع عشر في الدستور الأمريكي (۲).
وهكذا تعتدي الولايات المتحدة على الحق الأساسي للإنسان في الحياة، وذلك بجعل قتل النفس الإنسانية، أمرا يحميه القانون، فالتشريعات المسيحية الصادرة عن السلطات الكنسية العليا تضع الإجهاض في مصاف قتل النفس الإنسانية، ففي زيارته الأخيرة للولايات المتحدة كرر البابا جون بول الثاني موقف الكنيسة الثابت حول الإجهاض، وقال: إن الإجهاض قتل للنفس لا تقره الكنيسة، ولأن موضوع الإجهاض موضوع أخلاقي وسياسي، كان البابا دائمًا يتفادى ذكره باللفظ، ولكن هذه المرة عدل عن ذلك حيث ذكرت جمعية «الواشنطن بوست» أنه ولأول مرة في هذا الأمر استخدم البابا كلمتي «الإجهاض»، و«القتل الرحيم،» والتي قال عنها إنها القتل الفعلي لإنسان آخر، وقد سماها الذين يزاولونها حقوق وحلول للمشكلات، وقد سمى النوعين من الممارسة ذبح للأبرياء(۳). كيف إذًا تطلب الولايات المتحدة من دول العالم قاطبة مراعاة حقوق الإنسان في حرية التعبير، والمشاركة الرئاسية الجماعية، وحق السفر، دون مصاحب، وحق النقد للنظام السياسي دون خوف من الاعتقال، وتقوم هي في نفس الوقت بالمخالفة الصريحة لحقوق الإنسان الأساسية، مثل حق الإنسان في الحياة، إن حق الحياة هو الحق الأساسي للإنسان، ثم تأتي بعد ذلك حقوقه المترتبة على ضمان حق الحياة، مثل حق النشر وحرية التعبير، وحرية القول إلخ، الحقوق الإنسانية التي تصدع بها الولايات المتحدة العالم، في الوقت الذي تشرع القوانين التي تنزع من الإنسان حقه الأساسي في الحياة، والولادة! إن جعل الإجهاض قانونيًا في الولايات المتحدة ولد ظواهر اجتماعية يندى لها جبين الإنسانية، فقد صار الإنسان مثله مثل الأوساخ التي ترمي في المزابل، فكل يوم تحمل الصحف الأمريكية وجود العشرات من «الأجنة» في صفائح القمامة، ومزابل الأوساخ، مثلهم مثل أي أوساخ أخرى، ليس ذلك فحسب بل إن الشابات صغيرات السن، اللاتي في سن المراهقة صار لهن الحق في إجهاض أنفسهن دون معرفة أسرهن، أين هي حقوق الإنسان في الدستور الأمريكي؟ أين حق الإنسان في الحياة في الولايات المتحدة؟
أمريكا، وتعميم، نموذج انتهاك من حق الإنسان في الحياة في العالم عن طريق الأمم المتحدة مخالفة صريحة لحقوق الإنسان:
وآخر التعليقات الأمريكية، هو استخدام الأمم المتحدة نفسها كأداة لتعميم أنموذج انتهاك حق الحياة، وذلك بالدفع بمشروع قانون يطلب من دول العالم منح المرأة الحق في إجهاض نفسها عن طريق القانون، هذا وقد أرسلت الولايات المتحدة رسالة دبلوماسية إلى سفارتها بالخارج تطلب فيها من سفرائها في دول العالم الضغط على هذه الدول للوقوف على مشروع القانون الجديد المذكور في الأمم المتحدة، وطبعًا سوف يقوم سفراء أمريكا في أرجاء العالم بإبلاغ الدول أن الدولة التي لا تقف على مشروع القرار المذكور سوف تمنع عنها المساعدات الاقتصادية، كما سوف تمنع عنها المساعدات الأخرى مثل المساعدات الفنية، وميزة استيراد التكنولوجيا إلخ الإغراءات الأمريكية، فقد أوردت صحيفة «الواشنطن تايمز»، تقول: تقوم إدارة الرئيس كلينتون بالضغط على دول العالم لمساندة دعوتها القاضية بتأمين الخدمات الخاصة بالإجهاض، لأن الولايات المتحدة تعتقد أن الإجهاض حق أساسي من حقوق المرأة، وذلك حسبما جاء في التلغراف الذي أرسلته وزارة الخارجية إلى سفارات الولايات المتحدة بالخارج(٤).
هذا وقد طلبت الولايات المتحدة من سفرائها أن ينقلوا إلى حكومات دول العالم أن الولايات المتحدة تريد توسيع دائرة مزاولة النساء لحقهن في الإجهاض بصورة قانونية، وبصورة نظيفة، وآمنة، وعن طريق تغيير القوانين التي تمنع ذلك! هذا ومن ناحية أخرى أصدر البابا جون بول الثاني بيانا هاجم فيه البرنامج الديموقراطي المذكور القاضي بتعميم الأنموذج الأمريكي بجعل الإجهاض مشروعًا على دول العالم قائلا: «إنه يؤمن القتل المنظم للأجنة الذين لم يولدوا بعد»(٥) والجدير بالذكر أن إدارة الرئيس كارتر الديموقراطية كانت تساند الجماعات التي تقف مع حق المرأة في الإجهاض من البلاد النامية، لكنها لم تصل أبدا لدرجة إرغام دول العالم على تغيير قوانينها كي تجعل الإجهاض قانونيًا، مثل الإدارة الحالية للحزب الديموقراطي «هذا وقد ذكر السيد تيم ريث المستشار بوزارة الخارجية الأمريكية أن موقف الإدارة الأمريكية هو أن الإجهاض يجب أن يكون مؤمنًا، وقانونيًا، ونادرًا، إذ يجب أن تنال المرأة حق إجهاض نفسها بصورة آمنة، وذلك في كل الحالات وليس فقط في حالات الاغتصاب وغيره (6).
والجدير بالذكر أن تنبؤات عدد السكان في العالم تقول بأن عدد سكان العالم اليوم (5.7) بليون نسمة، سوف يصل العدد إلى (١٢,٥) بليون نسمة سنة ٢٠٥٠، أما إذا وافقت دول العالم على المشروع الأمريكي وجعلت الإجهاض قانونيًا فإن عدد سكان العالم سوف يتضاءل إلى ۷٫۸ بليون نسمة سنة ٢٠٥٠ وهكذا فإن عدد ٤.٧ بليون نسمة سوف يلقون حتفهم في مدى ٥٠ سنة من جراء المشروع الأمريكي، أي انتهاك لحقوق الإنسان أعظم من انتهاك حق الإنسان في الحياة ؟! وهكذا تبشر الولايات المتحدة بحقوق الإنسان وتجعل منها مبررًا للتدخل في شؤون دول العالم الداخلية. وإثارة النعرات العنصرية وغيرها وأن تقوم هي وفي نفس اللحظة بانتهاك لم يشهد له مثيل لحق الإنسان الأساسي في الحياة، وذلك بجعل قتل الإنسان في رحم أمه أمرًا مشروعًا تقره الشرائع القانونية في الولايات المتحدة، بل وتسعى لتعميم هذا الأنموذج البغيض القاضي بانتهاك حق الإنسان في الحياة على المجتمع الدولي، وذلك باستخدام الأمم المتحدة.
أمريكا والنظرة الازدواجية لحقوق الإنسان:
الازدواجية في فلسطين:
وعندما يدرس الباحث السجل الأمريكي في مجال حقوق الإنسان في أرجاء العالم يرى ازدواجية بشعة تفرق بين الناس على أساس الدين، والعرق، فمن المعروف أن إسرائيل تزاول انتهاكًا مستمرًا لحقوق الإنسان المسلم في فلسطين، وذلك منذ قيام هذا الكيان سنة ١٩٤٨، فالقتل الجماعي وتهديم القرى وتشريد الناس عن ديارهم، والزج بأهل البلاد في السجون إلى فترات طويلة دون محاكمات، وتحويل شعب كامل إلى لاجئين في مخيمات، كل ذلك يقع بمساندة صريحة من الولايات المتحدة والتي تدعم إسرائيل بمبلغ (3.2) بليون بالسنة، وتزودها بالسلاح، والعتاد، وتقف خلفها في أروقة الأمم المتحدة، والمنتديات الدولية الأخرى، ليس ذلك فحسب بل إن أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الأمريكية الخارجية هو ضمان أمن وسلامة إسرائيل (٦) رغم كل الذي تقوم به في مجال انتهاك حق الحياة، والحقوق الأخرى بالنسبة للإنسان المسلم في فلسطين.
الازدواجية في البوسنة والهرسك:
وفي البوسنة والهرسك يزاول الصرب سياسة القتل الجماعي المتمثلة في سياسة التطهير العرقي ضد المسلمين ويقومون بالاغتصاب الجماعي لنساء المسلمين، وتهديم المدن وإزالة دور العبادة، في هذا المجال حقوق الإنسان في نظر الولايات المتحدة هو فرض حظر على تصدير السلاح لشعب البوسنة حتى لا يدافع عن نفسه، ويذود عن حياته، وهي الحق الأساسي للإنسان حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك في نظر الولايات المتحدة، هي التمكين للصرب من تنفيذ سياسة التطهير العرقي باستخدام الأمم المتحدة، كوسيلة لفرض حظر على تصدير السلاح لشعب دولة عضو في هذه المؤسسة الدولية، هذه هي حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك.
الازدواجية في السودان:
أما حقوق الإنسان في السودان- حسب الأنموذج الأمريكي الازدواجي- فهي العمل على كل الأصعدة من أجل تقوية وتوحيد حركة التمرد لمواصلة حربها ضد الحكومة الشرعية، الأمر الذي ينتج عنه موت العشرات من أبناء الشمال والجنوب، حقوق الإنسان حسب الأنموذج الأمريكي الازدواجي هي العمل على إضعاف الحكومة الشرعية عن طريق فرض المقاطعة الاقتصادية والمحاصرة في المنظمات الاقتصادية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حقوق الإنسان حسب الأنموذج الأمريكي في السودان هي تجميع عناصر المعارضة في مؤتمرات مستمرة في واشنطن، من أجل بث الدعاية المضادة وتشويه سمعة الأنموذج الإسلامي بنشر الأكاذيب مثل مزاولة تجارة الرقيق، وبيع الناس للبلاد الغربية، والقتل الجماعي وتشريد الناس عن قراهم ومزاولة الإرهاب، والعلاقة مع إيران وتشجيع الحركات الأصولية في العالم الإسلامي، هذا هو الأنموذج الازدواجي الأمريكي لحقوق الإنسان في السودان، وكل ذلك أكاذيب لا يسندها أي دليل.
الخلاصة:
هذا وباستعراضنا للسجل الأمريكي في بعض مساحات حقوق الإنسان يتضح أنه في الوقت الذي تطالب فيه الولايات المتحدة العالم بمراعاة حقوق الإنسان، وتتخذ من ذلك زريعة للتدخل في شؤون دول العالم الداخلية، تتجاوز هي الحق الأساسي للإنسان وتقوم بتسخير القانون لانتهاك الحق الأساسي للإنسان في الحياة، وذلك بتشريع حق المرأة في إسقاط الحمل تخلصًا من الجنين لأي سبب تراه المرأة، ليس ذلك فحسب بل تسعى الولايات المتحدة لجعل ذلك قانونًا يسود العالم كله عن طريق الأمم المتحدة ولجانها المتخصصة، كما حدث في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عقد مؤخرًا في القاهرة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يرى الباحث أن الولايات المتحدة تطالب بعض البلاد بمراعاة حقوق الإنسان رغم مراعاة تلك البلاد لها، وتتجاوز الانتهاك الصريح لحقوق الإنسان في بلاد أخرى سعيًا في كل ذلك وراء تحقيق ما يسمى بمصالحها الوطنية، التي تستدعي الكيل بمكاييل مختلفة حسب المصلحة .
الهوامش:
١-موسوعة، فتك، دو اقتلز الجزء الأول من ص 84-٨٥-86.
٢-القاموس السياسي الأمريكي الطبعة الرابعة ص١٠٠٠ - ١٩٧٦.
٣- مجلة المجتمع الكويت العدد ١٠٦٤ بتاريخ 1993/11/9.
٤- الواشنطن تايمز 1994/4/8.
٥، 6- نفس المصدر.