; دولة العدل.. هل تحترق؟ | مجلة المجتمع

العنوان دولة العدل.. هل تحترق؟

الكاتب مبارك المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 612

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 15-مارس-1983

اللهم لا اعتراض -على قدرك- وأزمة السوق ألمَّت بنا كانت قدرا مقدورًا..  ولا اعتراض على كل محاولات الحل والعلاج، سيما تلك الخالصة المخلصة من كل مصلحة أو تورط..  وجهد مشكور هذا الذي بذلته الحكومة ومجلس الأمة- وهو جهد الشاعر بالمسؤولية- فضلا عن كونه هو السبب في الأزمة سواء بالسكوت عنها وهو يملك سلطة منعها أو بالمشاركة فيها كما بات ظاهرا للجميع؛ ذلك أن الحل المطروح جاء بعد جهد وتأمل ودراسة..  وربما ليس بالإمكان أفضل مما كان..

وعدم الاعتراض لا يعني أن الحل المطروح بغير عيوب أو سلبيات، بل هي موجودة ومتوقعة ومن الواجب التحذير منها وهي معلومة عند البعض

ولكن الاعتراض قد يأتي أثناء التطبيق ولو بعد حين..  وسيرتكز في تقديري على عدم الشعور بالعدل أو المساواة أو بوجود ضوابط موحدة وقواعد ثابتة للتطبيق والتنفيذ.

وقد حذرت من ذلك قبل.. وافترضنا حلولا تقوم على تطبيق قواعد العدالة والقانون التي حكمت المعاملات منذ نشأتها وبعلم الكافة مع مراعاة الأزمة وظروفها..

فماذا يمكن أن ينشأ عن عدم الشعور بالعدل؟

الجواب باختصار: أزمة أخرى أكبر وأدهى.. وأزمات إذا صدق هذا الشعور، وكان حقيقة، لذلك تراجعت الدولة عن مبدأ صرحت به منذ بداية الأزمة، وهو عدم التدخل بحل مالي ولا بدينار واحد ولكن تحت ضغط الأزمة وحجمها دخلت بصندوق كامل من الدنانير حجمها ٥٠٠ مليون فقط

وأكاد أشعر أن السبب في ذلك لم يكن إنصاف صغار المستثمرين حسني النية كما قيل، وإنما السبب الفعلي هو التنفيس عن الضغط المتزايد وامتصاص النقمة العامة المتوالدة ضد الجهة التي تسببت بالأزمة، ومن ثم تحجيم الأزمة إلى دائرة صغيرة فقط تضم أي عدد من الناس ثمانية أو أكثر لتحول إليهم النقمة الشعبية والإجراءات القانونية كمتلاعبين أو متسببين بينما يعلم كل متعامل صغر أم كبر في قرارةِ نفسه أنه مارس ذات العمل الذي مارسه الآخر وجميع المتعاملين في السوق وهو البيع بالأجل من غير توافر الرصيد

ولا يفرق في الحكم اختلاف حجم تعامل أحدهم عن الآخر (إلا الآن) لأنه طبقا للقوانين السابقة المعطلة عليهم، كانت العملية مخاطرة تقوم على الثقة بين طرفين ولو أخلَّ بها طرف لحطَّم الآخر وهو ما حدث بالفعل.

ويأتي الحل الذي أقرَّ ليكون خروجًا بالأزمة بأي شكل وبأي ثمن..  وأي ثمن يمكن دفعه ومن أي حساب إلا من حساب العدالة، العدل وحده هو الذي يجب ألا يمس ويصمد حتى النهاية..  يجب أن يصونه أبناء هذا الوطن بكل قوة وروح لأنه ديمومة العيش في الوطن ونبض الحياة فيها، بغيره نحن بلا روح.

لا شك أنه على المسؤولين عبء ثقيل في إرساء قواعد العدل مرة أخرى خاصة وقد اهتزت كما قالوا بقانون استثنائي عاجل روعيت فيه ظروف طارئة..

وأول عدل يجب تداركه والمسارعة إليه ليس هذا الذي بين المتعاملين بالسوق والمطبق عليهم القانون الجديد، بل هم قطاع الشعب العريض والقاعدة الصلبة لهذا البلد التي ظلت تعمل من أجله في صمت وحب، ما فرطت في واجبها أو أهملت من أجل حفنة مال وربح سريع.. إنهم قطاع المواطنين، وإذا استبعدنا قطاع المتعاملين بالسوق منهم فسيبقى خمسمائة ألف مواطن آخرين تضررت سمعتهم وميزانية دولتهم وشغل وقتهم وفكرهم بأمر لا يد لهم فيه.. وأقول تضررت ميزانيتهم؛ لأن ميزانية الدولة لكل المواطنين وخمسمائة مليون تقطع منها بغير ذنب جَنَاهُ المواطن العادي، بل جَنَاهُ غيره، كل الذين تكبروا عنه يوما وتطاولوا عليه في البناء والملك وتسببوا في ارتفاع تكاليف الحياة، وكان المواطن العادي يجنِي ضررها.. ولو سألت هذا القطاع من المواطنين العاديين ما أنت فاعل بخمسمائة مليون من الميزانية؟ فستراه يقول:

-      ٥٠٠ م أحل بها أزمة الإسكان وأعمر الأراضي الفضاء.

-      ٥٠٠ م أكمل بها قروض المقترضين- من أجل بيوتهم وستر أعراضهم.

-      ٥٠٠ م أكمل بها النقص في القضاء والعدل والإدارات المهمة.

-      ٥٠٠ م أسد بها حاجة الجامعة من هيئة التدريس والكفاءات لتستوعب أعداد الطلاب.. 

-      ٥٠٠ م أدعم الجيش بالخبرات والأفراد وأرجع تلك التي هاجرت عن العمل.

-      ٥٠٠ م أرجع بها أعداد الطلاب الفارِّين للخارج بنسبهم بسبب عجز الجامعة عن قبولهم وتشددها.. 

-      ٥٠٠ م أشدد بها النظام الأمني لأمنع الفساد والرذيلة وأغلق المحلات المروجة لها وأحمي المجتمع منها.

-      ٥٠٠ م لأصنع بها ما قد يكفيني من الداخل بدل الاعتماد على الاستيراد من الخارج.

-      ٥٠٠ م أنشئ بها وحدة للصناعات الحربية تتبع الجيش.

-      ٥٠٠ م أوطن بها العناصر البشرية الصالحة التي خدمت الوطن وانسجمت معه طويلا.. 

وكلما تأملت وجدت في نفوس الناس حديثا مكبوتًا، وشعورًا بالحاجة لكثير من المطالب، ولكن لصدقهم وإخلاصهم لا يرون في اختراع القانون وخلق الأزمات طريقًا للتجمع بأعداد هائلة لتستجيب السلطات إلى مطالبهم كما يحدث في أزمة السوق.. ويبقى المواطن المخلص يقول

اللهم لا اعتراض لأنه متمسك بخيط رفيع هو أدق من الشعرة يحتفظ به ولا يكاد يفرط به هو خيط العدل.. فمن يفرط به أولا؟ لقد انتظر المواطن كثيرا لتشمله نظرة عطف تفك أزمته سواء كان ساكنًا أو موظفًا أو عسكريًّا أو طالبًا أو عاملًا - ومازال يتمسك بشعرة العدالة.. 

العدالة..  ولو استطاعت الدولة أن تُؤَمِّن جوانب النقص الأخرى للمواطنين كافة لحققت العدل المنشود..  

ولكن كيف يمكنها ذلك ومن بيننا أناس، إن يقولوا تعجب لقولهم، يقول أنا أولًا ومِن بعدي أي شيء.. وإن قلت له العدل يا أخي أين العدالة والمساواة بين الناس وتكافؤ الفرص بين المواطنين المنصوص عليها في مبادئ الدستور.

قال لك: المهم يسددون لنا فلوسنا والعدل والدستور يحترق، فمن يَصْدُق ظنُّه؟ هو أم المواطن؟ وهل يتحقق العدل أم يحترق؟!

الرابط المختصر :