الأربعاء 04-فبراير-1976
إن في النفس الإنسانية من الطاقات الهائلة والقدرات الخلاقة ما يدهش الألباب، ولا يزال علم النفس الحديث يجهل الكثير من جوانبها ويقف مبهور الجنان أمام ألغازها العجيبة المحيرة بالرغم من كل ما توصل إليه من دقة في التحليل وعمق في النظرة وخبره في التجربة.. وليس ثمة ريب أن أولئكم الأشخاص الذين حطموا المقاييس العلمية في قوة الإرادة والتفكير السليم والصبر، وشدة الاحتمال والتحكم الدقيق في العواطف والسلوك لم يهبطوا إلى هذه الأرض من كوكب آخر ولم يكونوا من غير هذا البشر وإنما استفادوا إلى درجة كبيرة من تلكم المواهب والقدرات المكنونة في النفس الإنسانية.
وحينما يكتشف الإنسان هذا العالم المجهول في نفسه وتتسامى روحه في تلك الآفاق الشاسعة ويحلق في أجوائه الرحيبة ستأسره الروعة وجلال الإبداع وتأخذ بمجامع فؤاده وسيجد من اللذة والأنس أضعاف ما يجده ويحسه في الجانب المادي من هذا التركيب العملاق، وستتضاءل هذه الشهوات الجوفاء من الجنس والمال والطعام أمام تلكم اللذائذ الخلابة.
إن العالم بإهماله شأن الروح يفقد توازنه وسيطرت عليه هذه الحضارة المادية وذهبت مع الرياح كل صيحات المفكرين والمصلحين وأصبحت هذه المكتشفات الجبارة كالشفرة بيد الطفل الصغير وهذا الانعدام في التوازن لم يستثن مجالًا دون آخر ولم يسلم منه مجتمع من المجتمعات وحينما نلاحظ التفاوت بين المجتمعات من جهة والمجتمع الواحد من جهة أخرى. نجد تفاوتًا هائلًا إلى جانب القصر المنيف والميوعة والإفراط في الجنس إلى جانب الكبت والحرمان والثروة المتخمة إلى جانب الفقر المدقع الخميص والقوة الذرية الضاربة إلى جانب الرماح التي لا زالت السلاح الغالب لبعض الشعوب الأفريقية.
يضاف إلى ذلك كله اضمحلال الضمير الإنساني وانعدام الوعي في الوجدان.
الجنس مسؤولية إنسانية لحفظ النوع
لم يوجد الله- سبحانه وتعالى- هذه الغريزة في الإنسان والحيوانات الأخرى إلا لغاية نبيلة هي حفظه من الانقراض وقد أحاطها بكل مظاهر اللذة والحب حرصًا على هذه المهمة المقدسة ورسم لها حدودها في الإنسان وبقية الأنواع على السواء فالحيوانات كل الحيوانات تمتنع عن الاتصال الجنسي بعد أن تلقح الأنثى خلال فترة زمنية معينة بما أودع بها الله من دقيق فطرته.
والإنسان بما أودعه الله تعالى من قوة عاقلة وإرادة رسم له سبحانه منهاجًا ينظم سلوكه وغرائزه وكل شؤونه الأخرى بكل توازن وحكمة وقد نالت الغريرة الجنسية قسطًا مهمًّا من تدبيره- سبحانه وتعالى- هو غاية في الروعة والإتقان إلا أنه جهل نفسه فجهل ربه وفقد توازنه.
وما الإفراط في الجنس وهذا العدو السريع خلفه والتكالب عليه إلا ظاهرة من هذه الظواهر العديدة من فقدان التوازن في إنسان اليوم، وسيكون الكبت وكل آثاره السلبية شيئًا لا يذكر اتجاه هذا الانزلاق المحموم خلف الجنس، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (ق:30). وحينما يعيش الإنسان لشهواته ويرخي لها العنان فسوف لا يجد هناك حدودًا لتقف عندها ويكون كركب الصعبة إذا أسلس لها- والتجاوب مع الشهوة بهذه الصورة سیزید سعيرًا أكثر مما يهدأها وستكون نارًا تأكل ما يلقى إليها من الحطب وتطلب المزيد ومتى تفي تلك المطالب كلها بمطالب الشهوات وهي جهنم...
وبعدها ستكون العواقب وخيمة ومدمرة على المستوى الفردي والاجتماعي، لقطاء يفتقرون إلى عواطف الأبوة. فقدان الروابط الأسرية. تفكك اجتماعي.
أعصاب محطمة. عقد نفسية رهيبة. ناهيك عن الجريمة ونموها في هذا الجو الملبد.
إن إحصائيات الانتحار في الدول الإسكندنافية في الآونة الأخيرة أذهلت المفكرين الاجتماعيين، فالمعروف أن هذه الدول تعتبر من أرقى بلاد العالم من حيث الرفاه الاقتصادي والاجتماعي ويشتهر أهلها ظاهريًّا بدماثة الخلق والوداعة إلا أن بعض المفكرين يعزون هذه الظاهرة إلى الحرية الجنسية الكبيرة جدًّا في تلك البلاد!.. وعندما نعرف رأي العلم في الإسفاف الجنسي وما له من أثر سيئ على الأعصاب والنفس الإنسانية بصورة عامة سترجح هذا التعليل الواقعي خصوصًا عندما تتقزم التفسيرات الأخرى عند الدراسة العميقة لوضعية هذه الشعوب.
رعاية الروح تحد من همجية الغرائز
ولو توجه الإنسان إلى ما يكمن في نفسه على الصعيدين المادي والمعنوي وأعطى لكل ذي حق حقه وسلك سبيل الاتزان في روحه وعقله وشهواته وغرائزه، لاستطاع أن يوفر على نفسه كل هذا الانحراف والعناء، أما أن يتم هذا التجاوب الكبير على حساب العقل والروح بهذه الصورة- فإنه سيلقي بنفسه إلى هاوية سحيقة ستذهب كل محاولاته الأخرى أدراج الرياح. فإن للعقل والروح متطلبات غير الجنس والطعام يجب تلبيتها وذلك بتطعيمهما بالمعرفة الأصيلة والمنطق السليم وربطهما بالسماء قبل أن تعصف بهم هذه الأرض ويدفنهما التراب وبذلك يستطيع الإنسان أن يحفظ نفسه من الضياع والعطب وإلا فإن المجاعة الروحية ستجتاح كيانه وسيعاني منها كما لو كانت مجاعة أخرى من أي نوع.
ونستطيع أن نؤكد بقوة أن الانطلاق المادي وإهمال الروح هي المشكلة الرئيسية لمشاكل هذا العالم وما الاستعمار والعنصرية والإقطاع والرأسمالية والشيوعية والجريمة إلا بعض فروع هذه المشكلة الأم.
إن الإنسان بدأ يتأفف تحت وطأة الحضارة المادية وسكن الوحش في كيانه صار يعتدي ليلهو ويسرق ليعبث ويمارس الجنس لسد الفراغ ويتآمر ليقتل الوقت؛ لقد أغفل الروح فأجدبت المثل في نفسه فيا لضيعة الإنسان في الخواء.
ولعل ما يجري في الكويت- هذا الجزء البسيط من العالم- وما تطالعنا الصحافة كل يوم خير دليل يمكن تقديمه عن هذا الواقع الفاسد الذي يعيشه إنسان العصر في ظل الحضارة المادية ونظمها العمياء.
إن الإنسان الشريف يكاد يصعق أمام الأنباء المؤلمة عن الخطف والدعارة الجنسية والجرائم الأخرى فقد أحصيت أربع حوادث خلقية «اعتداء أب على ابنته وثلاثة حوادث قتل خلقية خلال شهر واحد في بداية العام المنصرم ناهيك بالجرائم الأخرى التي تتجاوز حد الإحصاء وهذا بعض ما يتسرب للصحافة وليس هناك أي تفسير إلا هذا الخواء الروحي الذي يتخبط فيه إنسان اليوم.
العقوبة ليست بديلًا عن التربية
لقد فشلت وستفشل كل أساليب الردع والعقوبات القانونية في محاربة الجريمة وسترتفع نسبة الجريمة باطراد ما لم تتضافر كل الجهود البناءة وتقف وسائل الإعلام إلى جانب العقوبة وتعمل على تهذيب النفس وتغذيتها بالمثل الإسلامية وتشذيبها من المفاهيم المادية ووقايتها من تيارات الميوعة والدعارة الغربية وغرس الفضيلة والفكر الأصيل في عقل الفرد والمجتمع.
أما وهذه الإذاعة وهذا التلفزيون وهذه القصص المثيرة والصور العارية فسيكون العقاب بلا جدوى وسنكون قد ألقينا بهذا الإنسان في اليم وقلنا له: إياك إياك أن تبتل بالماء.
الصحافة رسالة ومبدأ
والصحافة رغم كونها سلاحًا ذا حدين يمكن استعماله للهدم والبناء معًا إلا أنه لم يوجد مبدئيًّا إلا لتوجيه الأجيال الصاعدة للوجهة السليمة والدفاع عن حقوق الأمة ومقدساتها وهو لم ينحدر إلى هذه الهاوية إلا نتيجة لتهاون المفكرين المخلصين في استغلاله والإفادة منه لتوعية الجيل الجديد وفضح مخططات الصهيونية العالمية في تمييع الشعوب والشعوب الإسلامية بالأخص وسلخها عن إسلامها العظيم الذي هو سر عزتها ومنعتها بشتى الأساليب الجهنمية حيث تبتدئ بالأغاني الماجنة وتنتهي بنشر الإلحاد وتشويه الحقائق ومن المؤسف حقًّا أن لا توجد في العالم العربي جريدة إسلامية يومية واحدة لتغطي أخبار العالم الإسلامي وتعطيها الأولوية إلى جانب الشؤون العالمية الأخرى وتعمل على بث الفكر الإسلامي الأصيل ومواجهة الافتراء وفضح مخططات الاستعمار في تخدير الأمة وإشغالها بالتافه من الأخبار والدعاية لكل ما يتناقض ورسالتها في الحياة وفوق كل هذا وذاك تذكر الأمة بهويتها كل صباح.
وإني أوجه ندائي إلى كل المسلمين الغيارى في الكويت للمسارعة لسد هذا الشاغر الحساس ولينصرن الله من ينصره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل