; المجتمع التربوي: (العدد: 1573) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1573)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-أكتوبر-2003

مشاهدات 61

نشر في العدد 1573

نشر في الصفحة 54

السبت 18-أكتوبر-2003

استقبال رمضان واقع وإيجابيات وتطلعات

وقفة تربوية

عندما يغضب الدعاة:

أبو خلاد

   العمل الدعوي اليومي في المؤسسات الإسلامية المتنوعة في جميع أنحاء العالم صورة من صور العمل والنشاط البشري بشكل عام، إلا أن الذي يميزه أو يفترض أن يميزه أن العمل في هذه المؤسسات الدعوية، وخاصة التطوعية منها، قائم على الإخلاص لله وابتغاء وجهه وحده، هذا هو الأساس والأصل الذي يجب على جميع الدعاة العاملين في مثل هذه المؤسسات ألا يفارق قلوبهم وعقولهم قيد أنملة، لأنه إذا غاب هذا الأساس الأصيل فإن كل ما يصيبهم من بلاء بسبب تحركهم، أو ما يصيبهم من نقد أو نصح أو توجيه فإنهم سيعدونه إهانة، وتجريحًا وتدخلًا واستهزاء، وتجهيلًا، إلى آخر قائمة هذه المتوالية مما ينفثه الشيطان في نفوسهم دفاعًا وغضبًا للنفس لا لله تعالى.

لذلك يختلط الحابل بالنابل، وتظهر الضغينة والخلاف والصراع والغضب والمقاطعة، وترك العمل، وتشهير بعضهم ببعض، وإباحة الغيبة والنميمة.

 وقد يسأل سائل، أيمكن أن يحدث مثل هذا في مجتمع الدعاة؟ أقول نعم، وأضعافه، إذا ما غابت عن أذهانهم تلك الركيزة والأساس الأصيل، وهو أن عملنا كله لله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 162) 

سمير الحلواني: كلما اقتربت نسائم شهر رمضان المبارك تحرك المسلمون للاستقبال وتكلم الخطباء بالنصح والتذكير بفضيلة الشهر العظيم، وهذا لعمري اقتفاء لسنة السلف الصالح، وعلى رأسهم قرة أعيننا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان يقول في مطلع شهر رجب: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- يدعون الله ستة أشهر قبل رمضان أن يبلغهم الله هذا الشهر الكريم، وليس المسلمون فقط هم الذين يهتمون ويحتفون باستقبال هذا الشهر الكريم، بل إن الكون كله

يستعد بأرضه وسمائه، لذلك الحدث العظيم فأول ذلك أن الجنة تتزين من السنة إلى السنة، وأن أبواب الجنة تفتح وأبواب النار تغلق، وتغل الشياطين فلا تخلص إلى ما كانت تخلص إليه في غير رمضان، وأنه شهر الركن العظيم الذي تولى الله -عز وجل بذاته العلية- إعطاء الأجر عنه، كما ورد في الحديث القدسي كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، إن الكثيرين من الخطباء والكتاب والمحدثين عندما يتكلمون عن شهر رمضان إنما يتحدثون بالترهيب وإظهار العيوب وأنواع التفريط الواقعة من كثير من المسلمين، ويريد الجميع الأخذ بعزائم وفضائل الأمور، وإن كانت هذه الأمور طيبة ومطلوبة أعني السمو إلى معالي الأمور والاستزادة من الخير في رمضان، إلا أننا يجب ألا ننسى واقعنا الإيجابي حيث تتميز بمزايا متعددة وإيجابيات تحتاج إلى الاهتمام والتطوير، ولا نحتاج إلى التثبيط وإعلان السلبيات في كل وقت وحين فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التفاؤل، ورفع المعنويات كما حصل في غزوة الأحزاب، عندما كان المسلمون في أشد حالات الخوف، وإذا به عندما اعترضتهم صخرة عظيمة في الخندق يبشرهم بفتح فارس والروم واليمن، وحتى أوضح جليًا بعض الإيجابيات الموجودة التي لا يجادل فيها أحد إليكم ما يلي:

1 – التزام الغالبية العظمى من المسلمين وغير المسلمين المقيمين بين أظهرنا باحترام الشهر والمشاعر والمظاهر الرمضانية والمحافظة على جلال الشهر وقدسيته. 

۲- عودة الكثيرين إلى صلوات الجماعة في المسجد من جمع وتراويح، واجتماع الناس على مجالس الخير والإكثار من النوافل كالعمرة وزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة للصلاة والاعتكاف.

٣- اجتماع معظم الأسر أو كلها على الإفطار سويًا، وهذا فيه ما فيه من تقوية الروابط وتعطير الأجواء الرمضانية بمزيد من الأنس والتقارب وصلة الأرحام.

٤- إقبال المسلمين على فعل الخيرات من صدقة، وقراءة قرآن، واستماع للمواعظ وغيرها من أعمال البر.

ه- تعويد الكثير من الأسر أبناءها الصغار على الصيام وكذلك الصلوات في المساجد وتأديبهم بآداب الصيام، وهذه الأمور فيها ما فيها من توريث الخير وتعليم العادات الإسلامية، وتثبيت أركان الإسلام في قلوب وعقول الناشئة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بعثت ميسرًا ولم أبعث معسرًا»، وقال: «إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وكان من دأبه صلى الله عليه وسلم الرحمة والتغاضي» وكان يقول: «ما بال أقوام فعلوا كذا وكذا؟ ولم يخصص ولم يكن دائم التشهير بالأخطاء والهفوات، بل كان كما وصفه ربه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 128).

محمد عبده: اللهم بلغنا رمضان.

     تتجه حناجرنا في مثل هذا الوقت من كل عام بالدعاء إلى الله -تعالى- أن يبلغنا رمضان، ومن منا ليس في حاجة إلى أن يبلغه الله رمضان، وهو شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، تتنزل فيه الرحمات، النافلة فيه بفريضة، والفريضة بسبعين فريضة والله يضاعف لمن يشاء؟ من منا لا يريد أن يتعرض لنفحات الله في ذلك الشهر الكريم، وقد صفدت الشياطين، وغلقت أبواب النيران، وفتحت أبواب الجنان؟ من منا ليس في حاجة أن يبلغه الله رمضان وقد قست القلوب، وضعفت النفوس، وفترت الهمم، وخارت العزائم، وضاعت الأوقات طيلة العام، فمكنت الصحف بالسيئات والذنوب، وأحاط بنا التقصير من كل جانب وتكون الران على القلوب إلا من رحم الله، فلم تعد تشغلها الآخرة، فحجب النور الإلهي عن القلوب والبصائر، فلم نعد نشعر بحلاوة الإيمان، ولذة الطاعة، فلماذا نهرب من الحقيقة أولسنا بمحاسبين: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (سورة الصافات: 24)، فأين الزاد وماذا قدمنا؟ وقبل رمضان ما أحوجنا إلى أن نراجع صحيفة أعمالنا خلال العام الماضي.

هذا هو واقعنا:

     لو بدأنا في رفع واقعنا لنتعرف نقطة البداية، لوجدنا أنفسنا رغم علمنا بمكانة الصلاة، ربما نتكاسل عن أدائها ونصلي، ولكن بلا خشوع ولا حضور قلب، نبحث عن قلوبنا في كل صلاة فلا نجدها حاضرة، فلقد امتلكتها الدنيا وسيطر عليها حب البقاء فيها، كما أننا لا تحافظ عليها في جماعة دائمًا، ومع علمنا بأن صلاتي العصر والفجر لا يشهدهما منافق إلا أننا قد نضيعهما أو نؤخرهما، علاقتنا بالمساجد ضعيفة فلا يكاد الإمام ينهي الصلاة بالتسليم حتى تكون أول الخارجين من المسجد، نصوم رمضان، ولكننا نتكاسل عن صلاة القيام، لا نعرف شيئًا عن صلاة الليل، ولا وقت السحر، ربما لم تدمع عيوننا يومًا قط، وربما لا نعرف شيئًا عن صيام التطوع، أما عن علاقتنا بالصدقة التي هي ظل العبد يوم القيامة فربما لا نجد لأنفسنا منها نصيبًا، بل قد نرد السائلين، ونمتنع عن المحتاجين، ربما لم نفرج كربة عن أحد، رغم أننا نستطيع أن نفعل، أما مجالس الغيبة والنميمة فحدث ولا حرج، وسماع الأغاني والموسيقى، وسهرات الفن الماجنة ما أكثرها، لا نشعر بالعالم من حولنا، فلا نعبأ باحتلال اليهود للأقصى، ولا نتأثر لقتل الأطفال والشيوخ في فلسطين، ولا نعبأ بقتل الأبرياء في أفغانستان ورغم علمنا بقوله -تعالى-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (سورة محمد: 24) فعلاقتنا بالقرآن ضعيفة جدًا، لا نذكر أننا ختمنا القرآن كاملًا، وعندما نقرؤه فهي قراءة بلا تدبر، فلا ندري كم قرأنا ولا أين توقفنا، وهكذا حالنا مع الذكر، فرغم علمنا بالثواب العظيم للأذكار إلا أننا لسنا من الذاكرين، ورغم سهولته ويسره فمع ذلك لا نفعل، نسمع دائمًا أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- كان يقول: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما آمنت مكر الله، ورغم علمنا بقوله -تعالى-: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 115)، وقوله -تعالى-: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ (سورة النجم: ٣٩ – ٤١)، رغم ذلك كله فإن أملًا يراودنا بأننا من أهل الجنة، ونستبعد أن نكون من أهل النار، وكأن النار قد جعلت لغيرنا، أو أننا قد أخذنا من الله موثقًا بأن يدخلنا جنته، ولست أدري إلى أي شيء نستند في آمالنا هذه، ونسينا أن ذلك قد يكون استدراجًا قد يتبعه الهلاك والعياذ بالله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (سورة القلم: ٤٤ -٤٥).

 فماذا لو قضي الأمر، وفاضت أرواحنا إلى بارئها فسألنا عما ضيعنا، وحاسبنا على ما قصرنا، وجزانا بما قدمنا؟ ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ﴾ (سورة يونس: ٢٧) ولن تعطى الجنة لمتكاسل متواكل لا يعمل لها، «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها».

 رمضان والفرصة الأخيرة: فلنعد العدة بالتعرض لنفحات الله، ولنكن أكثر عملًا لا أكثر قولًا، ولنعتبر أن رمضان القادم آخر رمضان لنا فلنعد البرنامج العملي، ولنحرص على الخروج من رمضان بشهادة ميلاد جديدة، وبقوة دفع نحو الطاعة أقوى، ولتشمر عن سواعد الجد حتى نخرج فيه من الفائزين وحتى نكون قومًا عمليين سنضع برنامجنا

في رمضان من الآن، ونحن عاقدو العزم على التنفيذ، وإليك بعض الأعمال التي يجب اغتنامه، وعليك تحديد الزمان والمكان المناسبين لك.

    يقول د. مجدي الهلالي في كتابه «ماذا نريد من رمضان» هناك عدة وسائل تسهم في تحقيق الثمرة المرجوة من رمضان، علينا أن نضع من خلالها برنامجًا لأنفسنا نسير عليه طيلة هذا الشهر المبارك، ولنجعل في يومنا ثوابت لا نحيد عنها:

1 – فلنخصص وقتًا ثابتًا للاعتكاف في المسجد، وليكن من الفجر حتى طلوع الشمس فإن لم نستطع فمن بعد العصر إلى المغرب، نقرأ في هذا الوقت ورد القرآن بتدبر وحضور قلب.

 ۲ – ولنخصص صندوقًا في البيت نضع فيه الصدقة اليومية.

3- وليكن لنا وقت للتهجد قبل الفجر ولو بنصف ساعة بخلاف صلاة التراويح.

4- وعلينا كذلك تخصيص أوراد من الذكر المطلق كسبحان الله وبحمده مائة مرة، واستغفار (۱۰۰) مرة وصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم (۱۰۰) مرة وحوقلة (١٠٠) مرة، ويقترح تقسيم هذه الأذكار لتكون بعد ختام كل صلاة. 

5- وعلينا أن نستفيد من أوقات استجابة الدعاء، فنلح فيها على الله -عز وجل- وندعوه دعاء المضطر -المشرف على الغرق- لنا ولأهلنا ولإخواننا وللمسلمين أجمعين.

6- ولنتحين الفرصة المناسبة التي نخلو بأنفسنا لنحاسبها على ما مضى.

7- وأخيرًا يجب ألا نعطي الشيطان الفرصة في أن يثنينا عن طريقنا أو يفسد خطتنا، ولنعمل ليوم لا ينفع الإنسان فيه إلا ما قدم: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (سورة غافر: 52).

استعد من الآن: رمضان، موسم التزكية.

كيف يحدث الصيام تغييرًا جوهريًا في الأشخاص والأفكار والأشياء؟ 

      بالأمس ودعنا رمضان، وها نحن اليوم نستعد لاستقباله، ورمضان موسم التزكية الهائلة على جميع المستويات، هناك ثلاث مسارات حيوية تكون الواقع كله كما يقول مالك بن نبي -رحمه الله عليه- في (ميلاد مجتمع) إن التربية ليست مجموعة من القواعد والمفاهيم التي لا سلطان لها على الواقع على عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، هذه العبارة القصيرة تحوي معاني كبيرة، فالتزكية التي نعنيها هي التربية التي عناها مالك، فجسد لنا المسارات التي تعمل فيها نظريتنا في الإصلاح ثلاثة عوالم حين تمرر عليها فلسفة الإسلام العظيم تصبغ باللون الرباني الذي يكفل السعادة الأبدية في القريب العاجل أو البعيد الآجل:

عالم الأشخاص: أو الفرد العامل أو العنصر الفاعل أو الجزيء المحرك، سمه ما شيت ولا اختلاف هنا بين ذكورة وأنوثة، فإن لكل دوره إننا أمة قدر لها معنى التكامل وتنوع الاختصاص، حتى لا تتشتت المشارب فيكون كل شيء أو كل شخص عنصرًا عاملًا في البناء المرتقب، من هنا كان الحديث عن الشخص الذي يبني أمة، حين تتجسد فيه معاني التربية الإسلامية، ويستدرك في لحظات الصفاء الروحي فيتخذ القرار الحاسم، حين يجعل من رمضان محطة للتزكية وتغيير المسار وترويض الروح، حينها تقوى الأمة بقوة أفرادها فتكون قادرة على النماء والثبات والمواجهة أيضًا، فكيف يكون رمضان موسم التزكية الهائلة على هذا المستوى.

     إن سؤالًا كهذا لا يجاب عنه في مقال كهذا، بل هو في حاجة إلى نوع بحث واستقصاء لعلنا نوفيه حقه، لكن مدار أمره حول ثلاث نقاط، الأولى: معنى الاستغناء والترك عن المباحات والمرغوبات لمن وهبهما، ويرى واضحًا في الصوم، يقول المولى -سبحانه وتعالى- في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» وتأمل قوله: «لي» و«من أجلي» تدرك سرًا عميقًا في فلسفة الصوم هذه، إنه لله وليس لأحد أو لشيء غيره، والمسلم الحر من كل القيود الأرضية يربيه الصوم، كيف يدع طعامه وشرابه ونكاحه من أجل الله، فيظل حياته كلها صائمًا يطبق في روعة كيف يدع شهوته ورغبته ورأيه وحاجته وماله ووقته وجهده من أجل الله تعالى، الثانية: معنى الصبر على الطاعة واغتنام اللحظات، ويتجسد ذلك جليًا في القيام، قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» وفي تلك اللحظات التي يقف فيها العبد بين يدي ربه يلوح له بريق الأمل في إجابة دعوة وإصابة ليلة القدر، وعتق من النيران، حينها يلتذ المؤمن بنسائم الليل الهادئة، ومن صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، وما أعظمها من نعمة، لكن طلاب مدرسة الليل يرغبون في مزيد إيضاح ودروس تقوية، فيخلون بالله حيث يشتغل الناس بدنياهم، وهكذا لا يزال المسلم يطبق ما تعلمه في هذه المدرسة حياته كلها صابرًا على الطاعة، فتجده صابرًا في أيام المحن، جلدًا عند الفتن، يجلد بالسياط وهو يتمتم بآيات القرآن، ويصلي، وفي النقطتين السابقتين يستشعر المسلم معنى الأخوة الإسلامية، حين يتذكر أن المسلمين في كل بقاع الدنيا يشاركونه إياهما ويا له من معنى جليل.

الثالثة: معنى الاتصال الوثيق بين الخالق والمخلوق، روى أهل السير عن الإمام الشافعي أنه كان يقرأ القرآن في رمضان ستين مرة، ورووا عن الإمام مالك أنه إذا أهل رمضان رفع كتب الفقه والحديث وأقبل على القرآن.

    لعلك أدركت أني أعني أن حبل الاتصال هو القرآن، وهو ما عنيت، وعلى مدى التاريخ لا يزال القرآن المعين الذين لا ينضب الذي يستقي منه المحبون ويرده الوالهون، وإذا بالمسلم حتى يلقى ربه يتغنى بكتاب الله، ويحدو السائرين، وبهذه النقاط جميعًا يتحقق الشرط الثاني مع الأخوة، وهو الإيمان الذي يصنع العجائب، وإذا بذلك الفرد أو الشخص كتلة وطاقة من العطاء انطلقت من رمضان موسم التزكية الهائلة.

عالم الأفكار: 

      أو الرأي العام أو ثقافة المجتمع سمه ما شئت، إننا مطالبون بأن يحس هذا العنصر بالغاية العظمى للخلق والتصور السليم عن الكون والحياة والإنسان، فيكون المجتمع بطبيعته آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، كما كان حال الرعيل الأول من الإسلام العظيم، وكما يقول علماء الاقتصاد: إن دولة ما لا تفكر في تصدير منتج ما لم تحقق الاكتفاء الذاتي، وإنني أجزم أننا لو استطعنا أن نقيم مبادئ الإسلام وقيمه، وحققنا ذلك الاكتفاء لصدرناه دون ضرائب جمارك ولاستورده العالم دون نظام استبدال بله الشراء، والسؤال هنا كيف نجعل من رمضان موسمًا للتزكية على هذا المستوى، أو بعبارة أدق كيف يعد رمضان فعلًا موسمًا للتزكية الهائلة على هذا المستوى؟ والجواب في نقطتين تتفرع عن كل واحدة ثنتان:

فالأولى: معنى التكافل الاجتماعي ووعي المجتمع أنه كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وأنه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، ويمكن أن ندرك كيف أن رمضان موسم تزكية في هذا المجال من خلال جانبين:

الجانب الأول: الصدقة فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان جوادًا، وكان أجود ما يكون في رمضان» بل إن روعة الإسلام تجاوزت الندب إلى الوجوب لتعيش أرواح معتنقي هذا الدين متواثبة نحو بعضها، ويتضح ذلك في زكاة الفطر في آخر رمضان، ما أروع هذا الدين الذي يزكي المجتمع بتخليصه من رق الدرهم والدينار، والسمو به إلى عالم رفيع يسبح فيه جلال الإيثار.

الجانب الثاني: إصلاح ذات البين، جاء في الحديث «ترفع أعمال العباد إلى الله كل إثنين وخميس فيغفر الله لكل مسلم إلا رجلًا بينه وبين أخيه خصومة، فيقول الله -تعالى- انظروا هذين حتى يصطلحا»، وهذا في غير رمضان فكيف وكل من الحسنة والسيئة يعظم بشرف الزمان والمكان.

    وتبلغ شفافية الإسلام مبلغًا راقيًا حين يعلم المسلم أن يوم صومه ويوم فطره ليسا بسواء فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم» إني في عبادة لا أود أن يشوبها ما ينقصها، إني صائم، كما أنك صائم، فنحن متفقان في العبادة وفي النية إن شاء الله، وإن أخطأ أحدنا فالخطأ مغفور، وليس يوم الصوم كيوم الفطر، ومن عفا وأصلح فأجره على الله، يا لروعة الإسلام حين يعلم أفراده الحرص على العلاقة الطيبة، ويزرع في نفوسهم عظمها وعظم المحافظة عليها.

      أما الثانية فهي المعنى الجماعي في تلك الثقافة أو في ذلك العالم كما يحلو لمالك -رحمه الله- أن يسميه، وإننا حين ندرك أن هذا المعنى هو سر العظمة في هذه الأمة، فإننا نسعى طاقتنا أن يورق عوده وينضج ثمره، ومن خلال جانبين أيضًا يبدو رمضان موسمًا للتزكية الهائلة في هذا المعنى.

الصيام يعلم الأمة الانضباط ويدعوها إلى التكافل وإصلاح ذات البين. 

 الجانب الأول: الوحدة في بدء ونهاية شعيرة الصوم، إن الإسلام يعلم الأمة الانضباط وأنها كيان واحد يفطرون في وقت واحد، ويمسكون عن الطعام والشراب والنكاح في وقت واحد، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور» إنه ليس عبثًا أن يعلق المصطفى الخيرية على أمر كهذا، إنه يعلم الأمة أنها جسد واحد.

الجانب الثاني: الندب إلى بعض الأعمال الجماعية في هذا الشهر، وبها يختص دون سائر الشهور، ونلمح ذلك جليًا في صلاة التراويح، فما أجملها من عبادة تلك الركيعات التي تجمع المسلمين في حالة الذلة بين يدي الله لتذكرهم بالاجتماع في حالة العزة ضد أعداء الله، هنا نلمح فلسفة رائعة لهذا الدين الرائع حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» فانظر عظم الأجر مع سهولة العمل لما يجنيه العبد من معنى عميق في التربية الجماعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مع الإمام حتى ينصرف»

عالم الأشياء:

     أو الكون المحيط أو تفاعل الكائنات، سمه ما شئت ما وضح لك المراد، قاعدتنا في هذا قول الله -جل وعلا- ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (سورة الإسراء: ٤٤)، وفي هذا العنصر بوضوح أكثر من سابقيه يلوح لنا نوع اختلاف لم نقصده هنا في معرض الحديث عن التزكية، وربما قصده مالك -رحمه الله- وهو يقعد لأبجديات في التربية، وإن رمضان يكون موسم تزكية في هذا المجال إذا ما تسالمنا كيف؟ في نقاط أربع واضحات ولو تلمس متلمس لوجد:

أفق واسع للجهاد المقدس جهاد النفس والشيطان وجهاد أعداء الإسلام

الأولى: التصفيد، فمن فضائل رمضان كما في الحديث: تصفد مردة الشياطين وذلك يعني التقليل من أثر الوسواس، وإذا علم أن أكثر ما يقع فيه ابن آدم من المعاصي والآثام إنما سببه الوسواس، تبين أن لهذا التصفيد أثرًا على ابن آدم، وإذا علم أن الفساد في الكون بسبب ابن آدم، قال -تعالى-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (سورة الروم: ٤١)، تبين كذلك أثر التصفيد على الكون كله، ولا مراء أن الشياطين هم عنصر الشر الفاعل في الكون، فمن رحمة الله في هذا الشهر الكريم أنها تصفد مردتها، وهذا يعني أن عالم الأشياء في نوع راحة منها.

 الثانية: فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار، وقد ورد ذلك في الأثر، وفيه عبارة لا تغلق أبدًا، عند حديثه عن الجنة، وعبارة لا تفتح أبدًا عند حديثه عن النار، وعلى القاعدة السالفة، فإن ابن آدم معقد الصلاح والفساد في الكون، والجنة والنار معقد الخوف والرجاء لابن آدم.

الثالثة: ليلة القدر، وفيها التقدير الحولي الثابت في قوله -جل وعلا-: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ (سورة الدخان: ٤-٥)، وإذا كان كذلك فإن تغييرًا ما يحدث كل سنة في هذا التاريخ في الكون جميعه البشر وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وشقائهم وسعادتهم وما سخر لهم وحياتهم وأرزاقهم وأجالهم وغير ذلك، إن هذا الشهر في الناموس الكوني نقطة البدء والنهاية، فإذا تأمل العاصي والمذنب هذا المعنى ما كان له إلا أن يجري مع الكون في فلك العبودية فيذعن ويستكين.

الرابعة: أفق الجهاد المقدس، فإن الكون في هذا الشهر يخوض صراعًا عنيفًا لا ينقطع، وأفق الجهاد هذا له -ككل أفق- جانبان لا مناص من لقائهما، الأول: جهاد النفس والهوى والشيطان، وما أشده من جهاد، وما أضراها من معركة، إن رمضان يشهد أحداث الصراع العنيف مع أعداء الإنسانية الداخليين، ولا ريب في انتصار الفضيلة وخبو الحظوظ الأرضية واضمحلال الهوى واندحار الوسواس الخناس، كما أن هذا الموسم على مر التاريخ يشهد معاني الجهاد المقدس ضد أعداء الإسلامية، وإذا الحياة صراع بين الحق والباطل لا يتوقف حتى يأذن الله بزوال الدنيا، وهي سنة جرت وطريقة سارت، ولله في خلقه حكم، يوم الفرقان، ويوم الفتح، ويوم عين جالوت، ويوم ۱۹۷۳م وآخر وآخر، إن شهر رمضان شهر الانتصارات، شهر تذكي فيه الدعوة فتيانها الأبرار فتخرج الشهداء، بعد كل ذلك يقال بحق إن رمضان موسم للتزكية الهائلة، كيف لا وهو يحمل خاصية تزيد على كل ما ذكرنا، قال الله -تعالى-: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 185).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 111

120

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

الإنسان...  بين الجبر والاختيار

نشر في العدد 236

162

الثلاثاء 11-فبراير-1975

حصار الأمل