; هل هذا هو «الزلزال» الذي تحدث عنه عرفات؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل هذا هو «الزلزال» الذي تحدث عنه عرفات؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1983

مشاهدات 68

نشر في العدد 625

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 14-يونيو-1983

الخلاف القائم حاليًا داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» كبرى المنظمات الفلسطينية والعمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، هل هو خلاف طارئ أم قديم؟ وهل هو خلاف على المراكز القيادية أم خلاف على المبادئ؟ وهل هو خلاف فلسطيني أم فلسطيني عربي؟

وقبل أن نجيب على هذه الأسئلة نود أن نوضح الفرق بين الاختلاف في وجهات النظر حول موضوع محدد، وهذا لا يشكل خطرًا، بل ربما كان فيه الفائدة، وقديمًا قيل: «واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية» ولكن الخطر كل الخطر أن يكون هناك خلاف داخل الحركة الواحدة يصل إلى حد استعمال السلاح والانشقاق والمعادة، وهي ظواهر للأسف الشديد موجودة في ديار العرب، والفلسطينيون جزء منهم.

  • التراجع الأول:

وحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» باعتبارها حركة وليست «جبهة»، فالمفروض فيها أن تضم أفرادًا يجمعهم هدف واحد.. لا كتلًا سياسية لكل منها أيديولوجية خاصة، ولكن الذي حصل أن الأفراد الذين دخلوا «فتح» بأيديولوجياتهم المختلفة لم يلبثوا مع الوقت أن شكلوا كتلًا داخل الحركة، وبدلًا من أن تنصهر كافة الأيديولوجيات في بوتقة «فتح» فيصبح «الفتحوي» إنسانًا مناضلًا لتحرير فلسطين، وبعد ذلك يترك للشعب اختيار النظام السياسي الذي يريده، ظهرت تيارات معينة داخل «فتح» تطرح أيديولوجيات مسبقة لما بعد التحرير، وتصر على أن تجعلها الأيديولوجية المعلنة لفتح، ولقد وجد هذا الطرح معارضة شديدة لدى الغالبية العظمى من كوادر «فتح» وبخاصة المؤسسين الأوائل منهم.

وكان أصحاب هذا التيار ماركسيين في مجملهم، ورغم أنهم لم يستطيعوا أن يقحموا الماركسية كأيدلوجية «الفتح» إلا أنهم استطاعوا للأسف الشديد أن يجروا تعديلات على الأهداف البعيدة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني، فبدلًا من المناداة بتحرير كافة الأراضي الفلسطينية من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، أصبح الهدف إنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين، ورغم أن هذا الشعار طرح لكسب الرأي العام العالمي -أو هكذا قالوا- إلا أنه لم يحقق أي كسب في الرأي العام العالمي لا شرقية ولا غربية، كما يقول «أبو إياد» في كتاب «فلسطيني بلا هوية».

وبتبني هذا الشعار فقد حقق الماركسيون مكسبًا أيديولوجيًّا في فتح مما شجعهم على طلب المزيد، فرفعوا شعار طلب الالتقاء مع قوى المعارضة الإسرائيلية، وظلوا يلحون في الطلب حتى تحقق لهم ذلك، وكان كبش الفداء الذي لقي حتفه في هذا السبيل هو عصام سرطاوي، وبغض النظر عما قيل عن هذا الاتصال من أنه أدى إلى إحراج لحكومة بيغن وقيام مظاهرات ضد النظام القائم، إلا أن مما لا شك فيه أن المعارضة الإسرائيلية مهما اشتدت فلن تصل إلى حد المطالبة بزوال الكيان الإسرائيلي وعودة فلسطين لأهلها الشرعيين؛ وبناء عليه فإن اقتراب منظمة التحرير من المعارضة الإسرائيلية هو في المحصلة النهائية ابتعاد عن هدف التحرير، وليس اقترابًا من تدمير الكيان اليهودي في فلسطين.

  • التراجع الثاني:

ثم كان الطرح الآخر -إنشاء دولة فلسطينية في الضفة والقطاع- تراجعًا آخر عن أهداف التحرير واعترافًا ضمنيًّا بالكيان الإسرائيلي في حدود ما قبل عام ١٩٦٧، وربما كان «للغربيين» دور في هذا الطرح الجديد الذي ظهر عام ١٩٧٤ وكان من نتيجته «جبهة رفض» داخل الثورة الفلسطينية لم تلبث أن امتدت إلى خارج الثورة الفلسطينية فيما سمي بجبهة الصمود والتصدي. وفي هذا العام أيضًا خرج صبري البنا «أبو نضال» من «فتح» ثم قام بعدد من الاغتيالات لقادة منظمة التحرير في البلاد العربية والغربية.

  • تمرد وعشائرية:

ولم يكن عام ١٩٧٤ هو العام الوحيد الذي شهد خلافًا داخل حركة «فتح» وصل إلى حد الانشقاق والقتل، فقد حدث في عام ۱۹۷۲ تمرد في قوات اليرموك استمر لمدة أربعة أو خمسة أشهر ولم ينشر شيء عن هذا التمرد وقتها، ومن المعروف أن هذه القوات تركت الجيش الأردني وانضمت إلى الثورة الفلسطينية أثناء معارك أيلول وبعدها، ثم اصطبغ الخلاف داخل الثورة الفلسطينية بصبغة عشائرية فأصبحت تتردد نغمة «غزاوي، نابلسي، خليلي» بطريقة تدل على مدى الانحدار في الوعي الثوري لدى الذين كانوا يرددون مثل هذه الكلمات.

  • بين التروي والثورة:

وقبل ذلك، وبالتحديد في عام ١٩٦٧ -أي عقب ما يسمى «بالنكسة» مباشرة- حصل خلاف داخل حركة «فتح» بين من يطالب باستئناف الثورة وبين من يطالب بالتروي والانتظار. ولم يحسم هذا الخلاف إلا الشباب في الداخل، وخاصة في قطاع غزة الذين استأنفوا ضرب الأهداف الصهيونية، فلحقت بهم الضفة الغربية بعد عشرة أيام بقرار من القيادة العامة، بعد أن تبين أن ردود الفعل الصهيونية لم تكن بالمستوى الذي يشكل خطرًا حقيقيًّا على أهلنا في الضفة والقطاع.

واستطرادًا وراء الخلافات داخل حركة فتح، نرجع إلى الوراء قليلًا إلى عام ١٩٦٦ أي قبل حرب حزيران، فقد حصل خلاف بين ضابطين من ضباط فتح في سوريا هما «أبو حشمة» و«يوسف عرابي»، وقد وصل الأمر إلى أن يقتل كل منهما الآخر، وحينئذ وضعت كل قيادة فتح في سجون دمشق!

  • دور لأبي نضال:

ثم نقترب مرة أخرى من الخلاف الحالي فتذكر أن مجموعات ممن تتبع أبا نضال حاولت أن تؤسس لها قواعد في جنوب لبنان؛ مما أدى إلى احتكاك بينها وبين قواعد «فتح»، نتج عن ذلك جرح أحد العناصر، ثم سوي الأمر بأن عاد بعضهم إلى «فتح» ورحل البعض الآخر.

الخلافات داخل «فتح» إذن ليست جديدة والصدام المسلح والتصفيات الجسدية ليست جديدة أيضًا، والدعم العربي لجناح منشق من «فتح» ليس جديدًا، ولكن الجديد هذه المرة الظرف الحرج الذي تمر به «فتح» في بقاع لبنان مع تهديدات إسرائيلية وحشودات سورية إسرائيلية، ثم دعم ليبيا العلني الإعلامي والمالي وبالسلاح لجماعة «أبو موسى» على اعتبار أن حركته حركة تصحيحية، أو ثورة داخل الثورة، أو ثورة في الثورة، والأخطر من ذلك أن تقترح سوريا تعیین «أبو موسى» نائبًا للقائد العام بدلًا من «أبو جهاد» القائد التاريخي، وهو واحد من أفراد قلائل أسسوا فتح في الخمسينيات من الذين لا يقبلون أن تخرج «فتح» عن خطها الأساسي في رفض الوصاية والتبعية والاحتواء.

  • بين اليمين واليسار

وإذا كان «اليسار» في فتح قد لعب دورًا رئيسيًّا فيما آلت إليه الأمور داخل فتح، فهل يعني ذلك أن القيادة التاريخية لفتح قيادة «يمينية» الواقع غير ذلك، بل إن منهم من هو محسوب على قائمة اليسار مثل «أبو اللطف»، ومنهم من حاول «اليسار» أن يتخذ منه واجهة لهم مثل «أبو إياد» رغم إعلانه المتكرر أنه متدين وأزهري. صحيح أن عددًا من القادة مثل «أبو جهاد، أبو الأديب، أبو السعيد» له ماض إسلامي، ولكنهم حين دخلوا «فتح» أو أسسوها لم يعلنوا يومًا أنهم انطلقوا من منطلق إسلامي، أو أنهم يسعون لإقامة دولة إسلامية في فلسطين، ولعل عبدالناصر حين كان حيًّا كان له دور رهيب في محاربة أي توجه من هذا القبيل، ولم تكن الأنظمة التي لها احتكاك مباشر بالثورة الفلسطينية أقل عداء للإسلام من عبدالناصر.

  • اتجاهات مختلفة

وحركة «فتح» التي أصبحت مع الوقت وتطور الأحداث أشبه بجبهة وطنية تضم عدة اتجاهات أيدلوجية كما يقول «أبو إياد»: إنما هي جزء من الشعب الفلسطيني الذي لم يكن بعيدًا عن الصحوة الإسلامية المعاصرة، والتي تجسدت أكثر ما تجسدت لدى أهلنا في الأرض المحتلة ولدى شباب فلسطين في الجامعات، ولدى الأشبال ضاربي الـ آر. بي. جي، الذين كانوا يهتفون مع كل قذيفة «الله أكبر» ولدى العناصر المقاتلة في القواعد التي أقبلت بعفوية على التثقف بالكتب الإسلامية رغم وجود كتب أخرى غير إسلامية عزفت عنها بحسها الديني الأصيل وبفطرتها الإسلامية الربانية.

ومثلما تحركت روسيا الشيوعية للتصدي للحركة الإسلامية المباركة في أفغانستان، ومثلما تحركت أميركا الصليبية للتصدي للحركة الإسلامية المباركة في تركيا ومصر وكثير من ديار المسلمين، فإن محاولة إنهاء «فتح» كحركة تحرير وطني وربطها بهذا النظام المرتبط بالشرق أو ذاك النظام المرتبط بالغرب إنما يعني في النهاية التصدي للإسلام المتنامي في نفوس المسلمين بوجه عام والفلسطينيين بوجه خاص الذين تعتبر منظمة التحرير ممثلهم الشرعي الوحيد، هذه المنظمة التي تعتبر فتح عمودها الفقري.

  • مؤامرة:

الذين يخططون لضرب «فتح» يعلمون هذه الحقائق، ولكن الذين ينفذون ربما انطلقوا من منطلقات ذاتية آنية عاجزة عن إدراك أبعاد المؤامرة الخطيرة.

ونحن من جهة أخرى لا ننزه قيادة «فتح» عن الأخطاء وعن تعدي حدود المعقول أحيانًا في مسيرة الحلول «السلمية»، وإذا كان الشرق والغرب قد تآمرا على إفراغ «فتح» من محتواها الجهادي الأصيل سواء بمحاولة إضفاء الصبغة الماركسية والعلمانية عليها، أو باحتوائها عن طريق مشروع ريغان فتصل إلى حد الاعتراف بإسرائيل ثم تنتهي، فإن حركتها الكاملة حتى الآن لم تتحقق وأن اعترافها الكامل بإسرائيل حتى الآن لم يتم، ولكنها في الحالتين وصلت مرحلة الخطر وتعدت حدود المعقول، والمطلوب منها أن تعيد دراسة أوراقها وأن تقوم مرحلتها السابقة وأن تلتصق بضمير هذه الأمة فكرًا وبجماهير هذه الأمة المنطلق إلى الجهاد مسلكًا ومنهجًا. وإذا كانت الظروف التي تعيشها «فتح» حاليًا غابة في الصعوبة والتعقيد، فليعلم قادة الثورة الفلسطينية أن لهم إخوة مسلمين يتطلعون إليهم كأمل وضاء وسط دياجير اليأس القاتلة.

  • هل هو الزلزال؟

نحن نعلم أن «فتح» تتحرك في الوحل وأن الأرض التي تقف عليها أرض مهتزة، وأن الحلقة التي تحيط بها تضيق مع الأيام، وأن من المعجزات بقاء «فتح» حتى الآن محافظة على استقلاليتها رغم كل الضغوط والمؤامرات، وأن «الزلزال» الذي بشر به «أبو عمار» بعد الخروج من بيروت يراد له أن يكون زلزالًا «لفتح»، وليس زلزالًا «بفتح»، ولكن الذي نود أن نقوله إنه آن الأوان لكي تتعامل «فتح» مع أصدقائها المبعدين ومع أعدائها المقربين بالطريقة التي ينبغي أن تكون عليها قبل فوات الأوان. وإذا كان «أبو إياد» في مؤتمره الصحفي الأخير بالكويت قال ما لم يعتقد به واعتقد بما لم يقله خوفًا على الثورة وجماهيرها في الوطن العربي، فمن باب الخوف على الثورة وجماهيرها أيضًا تعدى الخطوط الحمراء في الاقتراب من هذا النظام أو ذاك، أو المساهمة في هذا المشروع أو ذاك.

ولعل الذين اختاروا زمان ومكان هذا الخلاف داخل «فتح» يدركون أن الحركة قادرة على حسم هذا الخلاف في سويعات لو أنه كان خارج هذا الزمان وهذا المكان، ولكن الذين ينفخون في هذا الخلاف ليظهروه على غير حجمه الطبيعي سينقطع نفسهم بعد حين؛ لأن الفلسطيني بعد كل تجاربه أصبح يدرك أنه موجود ببندقيته وأن قبوله الوصاية من وصي غير أمين خطيئة لا تغتفر، وأن عودته إلى الله ستكون بداية الخلاص.

الرابط المختصر :