العنوان سلسلة النجاح «۸» نجاح الإنسان بين الممكن والمستحيل
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 87
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
• الإيمان بالقدرة على إنجاز عمل ما هو بداية التوجه نحو هذا العمل.. ثم يكون الإصرار والاستمرار عاملين مهمين لإنجاز ما تريد
• إن القناعة النفسية بشيء ما تجعله ممكن التحقيق بسهولة أو بصعوبة.. وإن فقدان هذه القناعة يجعل السهل صعبًا.. واليسير عسرًا
الممكن أو المستحيل.. أيهما أقرب إلى نفسك وأحب إلى قلبك؟
لا شك في أن الممكن أحب إليك من المستحيل، وإن كلفك بعض المشقة أحيانًا، إذ المستحيل حقيقة لا يكلفك مشقة، فأنت منصرف عنه بقلبك وفكرك قبل الانشغال به، وأما الممكن فإنه يحتاج إلى نشاط وحركة، ودراسة وتطبيق وعمل، وقد يحتاج إلى قول في بعض الأحيان، على أن النفس الخداعة التي تميل بطبعها إلى الدعة والراحة قد تصور بعض ما فيه صعوبات على أنه مستحيل، وما ذلك إلا محاولة تجنبه والابتعاد عنه حتى توفر مشقة البحث والكدح من أجل تحقيقه.
ومن هنا يأتي التفاوت في إحسان الأعمال بين أصحاب المهنة الواحدة أو أصحاب التوجه الواحد، حيث تجد أعمالهم قد تفاوتت في رتبتها ودرجتها بناء على تفاوت أصحابها في تحمل أعباء العمل، ومحاولتهم النهوض به على أحسن الوجوه.
والبداية الحقيقية تأتي من داخل النفس أولًا، فإن استقر فيها أن عملًا ما ممكن، صار ممكنًا رغم صعوبة تحقيقه، وإن استقر فيها أن عملًا ما مستحيل، صار مستحيلًا رغم إمكان حدوثه وسهولة الوصول إليه.
وهذا بعض ما يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11) فالمشاعر السلبية قيد ثقيل على الحركة قد تجعل الممكن مستحيلًا، والمشاعر الإيجابية مؤثر قوي في الحركة قد تجعل ما يراه البعض مستحيلًا يقع في حيز الممكنات، فهل مشاعرك عون لك أو هي قيد عليك؟ إن الإيمان بالقدرة على إنجاز عمل ما هو بداية التوجه نحو هذا العمل، ثم يكون الإصرار والاستمرار عاملين مهمين لإنجاز ما تريد.
ولو نظر الدعاة الحقيقيون من أتباع الأنبياء والمرسلين إلى العقبات التي تكتنف طريقهم والمشقات التي كان عليهم أن يخوضوها، ليثبتوا دعوتهم في قلوب الناس، لأحجم كثير منهم عن الإقدام، ولكنهم كانوا في قرارة نفوسهم مؤمنين بغايتهم وبهدفهم، فلم يعبأوا بالصعوبات، ولم يخافوا من كثرة المشقات والمضايقات، وتخيل معي موقف الإسلام لو أن أبا بكر رضي الله عنه رأى أن محاربة المرتدين الذين يحيطون بالمدينة ومكة والطائف «البلاد الوحيدة التي لم ترتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم» لو رأى أبو بكر أن حربهم مستحيلة أين كنت تجد الإسلام الآن؟
ولو أن صلاح الدين الأيوبي رأى أن الصليبيين منتشرين في بلاد الشام وأن من بين الحكام المسلمين من يحالفهم، وأن النصر عليهم مستحيل أكان يمكن أن يقوم بما قام به؟ ولو رأى أصحاب المشروع الإسلامي الأسلاك الشائكة التي توضع في طريقهم، والتهم التي يمكن أن توجه إلى أشخاصهم وأتباعهم، والعداوات التي تلقاهم هنا أو هناك أكان يمكن أن يوجهوا الشباب إلى تعاليم الإسلام الحنيف، فكيف نفسه عن اللهو المتاح في كل مكان، ويفكر في بناء ذاته وفيما ينفع أمته؟
ولو أن كل صاحب إنجاز رياضي أو كشف علمي، أو فتح حربي فكر في استحالة تحقيق غرضه لضاعت على الإنسانية مبتكرات عظيمة، ونعود فنقول: إن القناعة النفسية بشيء ما تجعله ممكن التحقيق بسهولة أو بصعوبة، وإن فقدان هذه القناعة يجعل السهل صعبًا، واليسير عسيرًا، فالقناعة الذاتية والإصرار والمثابرة والجهد المستمر سمات تميز كل بطل حقيقي في أي مجال من مجالات الحياة النافعة، وإن تحقيق بعض النجاح في بعض الأوقات، ثم الركون إلى الدعة والكسل.. ثم العودة إلى النشاط، وتبادل الأحوال بين النشاط الحي وبين الخمول المميت لا يصل إلى غاية يعم نفعها وتعظم فائدتها.. كيف إذن نتغلب على عاداتنا ونخلق الاستمرار في حياتنا وتحركاتنا؟
إن معرفة ما يجب فعله غير كافية لتحقيق ما نريد ما لم نتبعها بفعل ما نعرفه، فالباعث النفسي والنشاط الحركي، والاستمرار في هذا النشاط والتغلب على كل المعوقات علامات بارزة على طريق النجاح للفرد والجماعة وللدولة والأمة على السواء..
فهلا خطونا خطوات في هذا الطريق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل