; رد على فتوى سيد طنطاوي: الإجماع على حرمة فوائد شهادات الاستثمار | مجلة المجتمع

العنوان رد على فتوى سيد طنطاوي: الإجماع على حرمة فوائد شهادات الاستثمار

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 935

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

قبل أن ندخل في هذا الموضوع الفقهي، أحب أن أعلق على الظروف التي أحاطت بهذه القضية من الناحية السياسية والفكرية والاقتصادية، وذلك لأن هذه النواحي لا تنفصم واحدة عن الأخرى حتى قال خروشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي: «إن نجاحنا السياسي والعسكري والاقتصادي مرتكز على نجاحنا الفكري».

ومن هذا المنطلق فإن نجاح البنوك الإسلامية على الرغم من العقبات التي وضعت أمامها لصالح البيئة الربوية الرأسمالية التي تسيطر عليها المنطقة، قد لاقت تشجيعًا كبيرًا من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية وبشكل كبير، مما يدل على أن عامة الشعب قلوبهم مع الشريعة، كما أن استمرار نجاح هذه البنوك يحقق دعمًا كبيرًا لأصحاب الحل الإسلامي، ولم يخفِ ذلك أحد وزراء الداخلية فقال: إذا كان مع الإسلاميين المال، وهم يملكون تحريك الشارع العام، إذًا ماذا يبقى؟! ومن جانب آخر فقد عُقدت خلال العقد الأخير إلى 1985 م (1600) ألف وستمائة ندوة تحت إشراف المخابرات الأمريكية المباشرة وغير المباشرة حول الصحوة الإسلامية وتياراتها المؤثرة في المجتمع، فكانت النتيجة المذهلة هي أن أخطر تيار هو التيار الأصولي الذي رسخ جذوره في كافة نشاطات الحياة والمجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بعد أن ضُرِب الجانب السياسي حيث لا يتاح لهم في أية دولة تشكيل حزب سياسي إسلامي، بل الضربات المتتالية تترى على رؤوس الإسلاميين من كل جانب. وقد صَعُب على الغرب والشرق أن يصحو المسلمون من سكراتهم، بعد أن غرست أجهزة إعلامهما في نفوسهم في بداية عهد الاستعمار أنه لا مجال للتقدم إلا بتقليد الغرب، وأخذ حضارته بحلوها ومرها وخيرها وشرها، وشكلها ومادتها.

ومن المسلمين سرعان ما استيقظوا من سُباتهم العميق، وكشفوا زيف هذه الدعوات المنبوذة المُحكَمة بعد أن جربوها حينًا من الدهر، وكانت النتيجة خراب الديار وفساد العباد فطالبوا بقوة الحل الإسلامي. لقد بدأ المسلمون ينفضون عن أنفسهم غبار الماضي، ويُطهرون أنفسهم من ذل التبعية السياسية والاقتصادية والتشريعية، وعادوا إلى شريعتهم فأرادوا تطبيقها من الناحية الشعبية بعد أن رفضت الحكومات تطبيقها من الناحية الرسمية، وبدأوا بخطوات جادة من الناحية الاقتصادية، ونجحوا فيها إلى حد ما، في وقت يعاني العالم من التضخم ومشاكل الديون، وبدأت الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية تتخلى عن كثير من أفكارها مما يدل على سقوطهما بالفعل، وحل نظام الاقتصاد الإسلامي محلهما، وكان ذلك واردًا حتى قُدِّمت فكرة المضاربة الإسلامية على النطاق الدولي، وكتب الباحثون الغربيون عنها حيث سجلوا أكثر من خمسين أطروحة علمية عن البنوك الإسلامية، ناهيك عن الكتابة عن أهميتها؛ لأنها تُعد ضمانًا لعدم التضخم، كل ذلك دعا الغربيين إلى التخطيط لضرب المؤسسات الإسلامية، فأُثيرت الشبهات حولها بأنها مثل البنوك الربوية، وأنها تضع ما لديها من النقود عند البنوك الأجنبية، وأنها كذا.

ولما لم تُجدِ هذه الشكوك وتلك الشبهات بدأت الضربات الفعلية تترى عليها، وبدأت وسائل الإعلام تركز على تشويه سمعة المؤسسات المالية الإسلامية، وجعلت وسائل الإعلام منها مادة يومية للهجوم عليها ولم تكتف بذلك، وإنما بدأت بالتهجم على أصل الفكرة، والنظام الاقتصادي الإسلامي.

وأمام هذا الضجيج الإعلامي ظهرت مؤخرًا كتابات حررها متخصص في القانون، مفادها حِلّ فوائد البنوك الربوية، إذًا فلا داعي لبنوك إسلامية، ولا لاقتصاد إسلامي. وقد ضخمت وسائل الإعلام ذلك وانتشرت بصورة لم يسبق لها مثيل، لكن العلماء المخلصين قاموا بالرد عليه ودحض آرائه وتفنيده.

ثم نشر الدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف الأسبق على صفحات كبرى الجرائد اليومية مقالًا بعنوان «حول تجديد ربح القرض، والوديعة الاستثمارية» حيث طالب فيه العلماء بعدم الجمود، ثم تطرق إلى أن سبب التحريم لا ينطبق على البنوك المعاصرة «البنوك الربوية».

وقد أدى ذلك إلى أن تجتمع مجموعة من كبار العلماء برئاسة فضيلة شيخ الأزهر الشريف ليقرروا ما قرره مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الثاني عام 1385 هـ الذي ضم نخبة من كبار العلماء بالفقه الإسلامي، والقانون الوضعي، والاقتصاد، وأجمعوا على أن فوائد البنوك من الربا المحرم. فقام فضيلته بنشر هذا القرار الجماعي مرة أخرى فجزاه الله خيرًا.

وبالمقابل بدأت دار الإفتاء التابعة لوزارة العدل تبحث الموضوع ليظهر فضيلة المفتي في مؤتمر صحفي، ويُعلن عن حِلّ فوائد شهادات الاستثمار وصندوق التوفير. ولا شك أن هذه الفتوى في هذا الوقت بالذات، قد أحدثت بلبلة واضطرابًا وفوضى بين الناس لم يُعهد لها مثيل، حتى كتبت إحدى الجرائد بخط كبير على أولى صفحاتها المفتي يُحلل، وشيخ الأزهر يُحرم.

وكثرت التساؤلات حول الموضوع: هل هي حلال أم حرام؟ واستهزأ المرجفون من خلال المقالات و«كاريكاتير» بالعلماء، وبالإعلام وأشاروا إلى تعدي اختلاف علماء المسلمين حتى على مبادئ دينهم... إلى غير ذلك. وحقًا إن الموضوع جِدُّ خطير، حيث اتفقت جميع المجامع الفقهية بتحريم فوائد البنوك الربوية سواء كانت على شهادات الاستثمار، أم على غيرها.

 وكان بعض الكتاب أمام ضغط النظام الاقتصادي في العقود الأولى لهذا القرن قد ذهب إلى حِلّ بعض أنواع هذه الشهادات، وفي اعتقادي كان ذلك يعود إلى ضغط الانبهار بعظمة الأنظمة الغربية! ومن باب الفكر الدفاعي والتبريري، وكذلك يعود إلى الجهل بطبيعة البنوك وماهية فوائدها، حيث كانوا يعتقدون أن البنوك فعلًا تستثمر هذه الأموال بطريقة دقيقة، ولم يعلموا أنها لا تستثمر، وإنما تُقرض هذه الأموال بنسبة أكبر مما أعطت؛ ولذلك دعا مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف نخبة من علماء الفقه وعلماء الاقتصاد، فدار النقاش حول الموضوع، واتضحت الرؤية، ولذلك قرروا بالإجماع أن فوائد البنوك من الربا المحرم، فحُسم الأمر. ثم عُرض هذا الأمر على المؤتمرات الفقهية والاقتصادية الإسلامية والمجامع الفقهية كمجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي يضم نخبة من علماء العالم الإسلامي، ومجمع الفقه التابع للرابطة العالم الإسلامي فأقرت جميعها حرمة هذه الفوائد. وختامًا نقول: إن التجرؤ على الفتيا حرام، وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «أَجْرَؤُكم على الفُتْيا: أجْرَؤُكم على النَّارِ» (الدارمي 157).

الرابط المختصر :