العنوان مداد القلم.. خدعوك فقالوا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 67
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 50
الأحد 29-مارس-1992
من الغريب أن العالم اليوم يتسابق وبقوة في ابتكار أساليب الخداع
ليضلل بعضه البعض الآخر وتتكاثر أساليب الخداع وتتجمع مواكب التضليل في تناغم
وتواصل في مواجهة حقائق الإسلام وتوجهاته الفكرية والاجتماعية.
وهناك كثير من المسلمين اليوم لا تنقصهم حسن النية، ولكن ينقصهم الوعي
الشامل والحصانة العلمية والإدراك العميق، فتنطلي عليهم كثير من هذه الإيحاءات
الخبيثة فتشيع مثلًا عصابات التضليل أن التوجه العلمي والتقني يحتاج إلى التحرر من
رِبْقَة الدين.
وهم بهذا يريدون أن يضعوا المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في
عالم المادة في الكفة الأخرى ثم يقولون لنا اختاروا!! إما المنهج الإلهي في الحياة
والتخلي عن كل إبداعات الإنسانية في عالم المادة، وإما الأخذ بثمار المعرفة
الإنسانية والتخلي عن منهج الله!!
وهذا تضليل وخداع خبيث، والحق في المسألة ليس هكذا أبدًا، فالمنهج
الإلهي ليس عدوًا للإبداع والتقدم الإنساني بحال من الأحوال، وإنما هو منشئ لهذا
الإبداع وموجه له الوجهة الصحيحة، حيث حض الإسلام على العلم وجعله والإيمان قرينين
في رفع الدرجات في الدنيا والآخرة، وصدق الله ﴿يَرْفَعِ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ﴾
(المجادلة:11) كما أمرنا بالنظر والبحث لاكتشاف ما أودع في الأشياء من
أسرار ومنافع فقال سبحانه ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:101) ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ (عبس:24)
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق:5) ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:50) هذا وقد
وجه الإسلام الإبداع العلمي الوجهة الصحيحة، وجهه للإسعاد والإصلاح والنفع، ولم
يطارد به- كغيره- البشرية المتعبة الحائرة، التي فقدت القيم وشقيت بالعلم والإبداع
والمادة، فتجمع عليها البلاء كله.
إن الإسلام وصل الإنسان بالكون والحياة والنواميس في تفاعل متسق
متناغم مع منظومة من القيم والواجبات التي تجعل الاتساق والتفاعل والإبداع عبادة
في محراب الإيمان لا سلاحًا في يد الشيطان، إن الذين يظنون أن الإبداع العلمي
والقوانين الطبيعية تشاقُّ المنهج الإيماني واهمون وإن بدا لهم بعض المظاهر
الخادعة لافتراق المنهجين حين يَرَون أن بعض أتباع القوانين الطبيعية قد قطعوا
شوطًا كبيرًا في التقدم العلمي بدون إيمان، ولكن الناظر في التاريخ يرى غير هذا
لأن النتيجة لا بد وأن تكون غير ذلك قد لا يظهر ذلك في المدى القريب ولكنه لا بد
أن يظهر حتمًا في النهاية وقبل النهاية، وهذا هو ما وقع للإسلام نفسه ووقع لكثير
من الأمم قبله من أهل الكتاب حين تخلوا عن مناهجهم ﴿وَلَوْ
أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ
لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة:65-66).. ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
(الرعد:11). ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا
عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:96).
والحضارة الغربية اليوم بشهادة العقلاء وأصحاب البصيرة تقف كالطائر
الذي يرف بجناح واحد جبار بينما جناحه الآخر مهيض فيرتفع في الإبداع المادي بقدر
ما يرتكس في الشعور الإنساني، ويعاني من أمراض الحضارة، ومن النهم والجشع والحيرة.
والحضارة اليوم قد تخفي وجهها ببعض المساحيق والأصباغ حتى لا تظهر
بشاعتها للمخدوعين الذين يساعدون في خداع وإفساد أوضاع المسلمين الذين فقدوا
المنهجين الإيماني والإبداعي، ففقدوا بذلك الجناحين وتمرغوا في الرَّغامِ ووصلوا
إلى الحضيض وضاع منهم الطريق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل