العنوان المجتمع الأسري (1130)
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 79
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
رئيس جمعية «الرابطة الإسلامية بالشمال الفرنسي» لـ المجتمع :
المرأة المسلمة مستهدفة من وراء إثارة قضية الحجاب
الأستاذ عمر الأصفر من أصل مغربي، مقيم منذ أربعة عشر عامًا في فرنسا، وبالتحديد في مدينة «ليل»، في الشمال، و هو رئيس «الرابطة الإسلامية بالشمال الفرنسي» المعروفة بمسجد «الإيمان»، منذ سنة ١٩٨٨م، وهي جمعية إسلامية تأسست عام 1882م، ولها أنشطة دينية وتعليمية وثقافية، كما أنه عضو سابق في مجلس التفكير حول الإسلام، الذي تكون بمبادرة من وزير الداخلية الفرنسي السابق بيار جوكس في عهد الحكومة الاشتراكية.
وفي هذا الحوار مع «المجتمع»، يتطرق الأستاذ الأصفر إلى قضية الساعة المتمثلة في منع الحجاب في المدارس الفرنسية ومضاعفاتها على الجالية الإسلامية عمومًا، وفي المنطقة الشمالية خصوصًا ذات الحضور الإسلامي الضخم.
المجتمع: تعتبر منطقتكم من أكثر المناطق تضررًا من حيث عدد الطالبات المحجبات المطرودات من المدارس الفرنسية، إلى أي شيء يعزي هذا الأمر حسب رأيكم؟.
عمر الأصفر : هذه المنطقة تُعرف باندماج القطاع الطلابي الإسلامي في القطاع العمالي؛ حيث يوجد فيها أكثر من مليون مسلم أغلبهم من المغرب العربي ومن الجزائر والمغرب بالخصوص، وقد استطاعت الجمعية تأسيس عمل جماهيري يهتم بشئون الجالية، ويأتي أكثر من ألف وخمسمائة مصلي لمقر الجمعية، ونتيجة التفاعل الإيجابي للجالية معنا، برزت نتائج هامة منها انتشار الحجاب في صفوف الفتيات المسلمات، وتعتبر منطقة الشمال الفرنسي في الواجهة فيما يتعلق بمسألة الحجاب، وهناك اليوم ١٤٠ فتاة معنية بالقضايا المثارة حول هذا الموضوع.
المجتمع: في البداية كانت وسائل الإعلام تتحدث عن موقف ذاتي للفتيات اللاتي رفضن التخلي عن حجابهن في المدارس، كما يوحي بذلك منشور وزير التربية الفرنسي بايرو، ثم أصبحت تتحدث عن تحريك القضية من طرف جمعيتكم وجهات أخرى، هل لكم أن تفسروا لنا دوافع تبني جمعيتكم للفتيات المطرودات والظروف التي يتنزل فيها؟
عمر الأصفر : قضية الحجاب مرت بعدة مراحل:
المرحلة الأولى عام ١٩٨٠م استطاعت الجمعية فتح الحوار مع مديري المؤسسات التعليمية في منطقتنا كلما أثار أحدهم مشكلة الحجاب، فكانت الجمعية تبادر بتقديم حلول مناسبة للإدارة والطالبات، وبالتالي لم تكن هذه القضية محل جدل كبير في هذه المنطقة بالرغم من وجود أكثر من مائة فتاة محجبة في المجموع و ١٥ طالبة عام ١٩٨٩م في نفس الثانوية، التي طردت منها اليوم مجموعة من الطالبات.
والمرحلة الثانية: تعود إلى سنة ونصف تقريبًا عندما أراد مدير الثانوية منع الحجاب قبل صدور المنشور الوزاري الأخير، بدعوى أن الحجاب يعرض الفتيات في حصة الرياضة إلى الخطر، وجدنا حلًّا للمشكلة، وهو يشهد بذلك، وبعد ثمانية أشهر، طرح إشكالًا جديدًا باعتبار أن بعض الأساتذة لا يرغبون في الحجاب داخل الفصل الدراسي، وتمكنا بحمد الله - من إيجاد حل مع مجلس إدارة المؤسسة.
وفي أواخر السنة الدراسية الماضية :
قضية الحجاب حركت الجالية الإسلامية، وأوجدت تفاعلا بينها وبين المنظمات الإسلامية
(في شهر يونيو) هدد نفس المدير الذي طرد أخيرًا الفتيات من المؤسسة، التي يشرف عليها، هددهن بعدم التسجيل في السنة الدراسية الحالية إذا لم ينزعن حجابهن، وقمنا بتقديم دعوى ضده، وكتب محامي الجمعية إلى وزير التربية (فرانسوا بايرو)، وهو الذي أصدر المنشور الأخير، وأجاب الوزير بأن مدير الثانوية لا يحق له أن يمنع فتاة محجبة من التسجيل في مؤسسة عمومية، والرسالة بتاريخ 22/7/1994م، وقررنا عندئذ سحب القضية ضد مدير الثانوية - أي نفس المدير الحالي - بعد جواب الوزير.
لكن فوجئنا بعد شهرين: (أي في شهر سبتمبر) بمنشور وزاري يمنع العلامات أو الرموز الدينية في المؤسسة، والحقيقة أن الحجاب هو الذي كان معنيًّا بهذا القرار، وبأمر من الوزير هدد مدير الثانوية «فايدارب» بتطبيق المنشور، وبعده بدأت «المعركة»، ودخلت الفتيات المهددات في إضراب بداية من يوم 3/10 دام أسبوعين، وانتهى بطردهن بقرار من مجلس تأديبي.
فنحن كجمعية تعاملنا مع هذه القضية بحذر وتعقل، وكنا ننصح الفتيات باحترام القانون والدفاع عن حقوقهن بالأمور المشروعة.
ولما طردن، كان لزامًا على الجمعية وعلى المسلمين في المنطقة تبني القضية، وصرحنا بأنه لا يحق لأولياء الأمور والمسلمين والمساجد والجمعيات الإسلامية السكوت عن هذا الأمر، فإما أن ينصف القضاء الفرنسي هؤلاء الفتيات، وإما كان لزامًا على المسلمين إيجاد مدارس حرة لتعليمهن هن وأمثالهن.
المجتمع: ما مدى تفاعل الجالية الإسلامية في منطقتكم مع قضية الحجاب؟
الأصفر : قضية الحجاب حركت الجالية الإسلامية بصفة لم يسبق لها مثيل، وأثرت فيها أكثر من خطب الجمعة على مدى سنوات، وهذا الأمر ملحوظ من خلال الرسائل التي تصلنا، وشهادات المسلمين الذين عبروا عن استعداداهم للتضحية بالغالي والنفيس لإقامة المدارس الحرة.
ويفسر التفاعل الإيجابي للجالية مع هذه القضية باعتبار أنها تهدف في الصميم إلى مسخ الإسلام في هذه البلاد، ونحن نعتقد أن المرأة المسلمة هي المستهدفة من وراء إثارة قضية الحجاب، ولا قدر الله - إذا انحرفت المرأة تهدمت الأسرة، وبالتالي الجالية في عمومها.
المجتمع: هل وقف إلى جانب هذه القضية العادلة فرنسيون ذوو انتماءات سياسية ودينية مختلفة؟
الأصفر : من الناحية القانونية القانون يلزم القائمين على المؤسسات التعليمية بعدم طرد الفتيات المحجبات، فالمنصفون في البلاد - وهم موجودون والحمد لله - ساندوا قضية التمسك بالحجاب العادلة، وهناك من المسئولين المحليين من زارنا في المسجد، وتحدث مع الفتيات، ووعد بأنه سوف يقوم بما يستطيعه من أجل إيجاد حل لهذه المشكلة.
كما ساندتنا منظمة حقوق الإنسان، وكذلك شخصيات يهودية ومسيحية، فالأمر لا يخص المسلمين فقط، وكذلك أصحاب الضمائر الحرة، والمدافعون عن حقوق الإنسان كانوا معنا في هذه المحنة.
المجتمع: هل تعتقدون أن قضية الحجاب مسألة ظرفية مرتبطة بالأجواء الانتخابية، وستشهد فتورًا بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية في أبريل القادم، أم أنها قضية مبدئية تقوم على قناعات أيديولوجية لدى المسئولين السياسيين وصانعي القرار في هذه البلاد، وبالتالي مرشحة للتصعيد المتواصل.
الأصفر : نعتقد أنها ليست قضية مبدئية؛ لأن مثل هذه القضايا تحسم بالقانون في حالة حرصهم على مراجعة قوانينهم، وأنها في الحقيقة قضية ظرفية ومتزامنة مع الإعداد للانتخابات الرئاسية، ثم الانتخابات البلدية، ومع الأسف الشديد، ليست هذه المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الأمر، فالأجانب والمسلمون خاصة كانوا دائمًا فرس الرهان للعملية الانتخابية، ولهذا ليس من مصلحة الجالية التصعيد الكبير، بل تسعى إلى المطالبة بحقوقها، فالقضية سياسية بحتة ولا مبدأ فيها.
المجتمع: كيف ستؤثر مسألة الحجاب على موضوع اندماج الجالية الإسلامية في فرنسا وفي الغرب عمومًا؟
الأصفر : في الواقع تجاوزنا الآن مسألة الاندماج إلى قضية التوطين، فنحن نتحدث عن المواطنة باعتبار أننا لسنا عنصرا يقوم بالاندماج في هذا المجتمع، وإنما جزء منه.
ومع الأسف، يلعب المحيط الدولي أو الخارجي دورًا سلبيًّا في توطين الإسلام في هذه البلاد، وتعني بالمحيط الخارجي ما يجري في البلاد الإسلامية من صراعات وتناقضات ومشاكل، فهذا الأمر يعكر نوعا ما الأجواء الصافية، التي يجب أن تسود هنا، ثم إن قضية الحجاب هي نوع من الامتحانات التي تمر بها الجالية الإسلامية، والتي عليها اليوم الإجابة نهائيا على العديد من التساؤلات في صفوفها وخارجها مثل طبيعة الحجاب هل هو رمز للتطرف، كما يدعي البعض أم هو من جوهر الدين؟. فإذا وقف المسلمون إلى جانب قضية الحجاب العادلة فإنهم سوف ينصفون، وتحل مثل هذه المشاكل نهائيًّا.
ويحتاج منا المجتمع الفرنسي أن نطمئنه ونهدئ من تخوفاته، وأن يكون لنا علاقة عنصرية بالصراعات داخل بعض البلدان الإسلامية القريبة منا، وكذلك نُظهر له بأننا جزء منه نفرح لفرحه، ونحزن لحزنه، يحتاج منا لهذه الضمانات ولرفع الحواجز النفسية، وهذا الأمر ليس بالسهل ويحتاج إلى عمل سنوات؛ حتى يطمئن الأوروبي إلى المسلم، ويتعاون معه على تشكيل المجتمع المتناسق.
آن الأوان أن نفكر في المدارس الحرة لأنها الحل الجذري لمشاكل تعليم الجالية المسلمة
المجتمع: تبقى مسألة العلمانية التي تثيرها بعض الأوساط الرسمية والإعلامية والمثقفة كعقبة أمام موضوع الاندماج أو المواطنة، ما المخرج حسب رأيكم من هذه المعضلة؟
الأصفر : كنا نصرح للصحافة الفرنسية بأن العلمانية حظ للمسلمين إذا كانت تعني التسامح وقبول الآخر المخالف، وليس الإقصاء وكذلك فإن الإسلام حظ للعلمانية.
ومن هنا يجب على المسلمين الدفاع عن المدرسة العمومية كما طرحها جيل فيرى أبو التعليم العلماني، لكن مع الأسف تحاول بعض الجهات التراجع عن هذا المعنى، وتفرض في المقابل فلسفة علمانية إقصائية والسير في عملية عكسية لما يجب أن تقوم به المدرسة من صهر لأبناء الثقافات والديانات المختلفة، فتجعل منهم مواطنين صالحين في إطار من التسامح والاحترام المتبادل.
المجتمع: ما الدروس المستخلصة من قضية الحجاب على مستوى نوعية التفاعل الإسلامي معها، ونوعية التعامل الفرنسي مع الحضور الإسلامي في فرنسا؟
الأصفر : أولا: إن المسلمين لا يتحركون - للأسف الشديد - إلا عند المحنة والشدة.
وثانيا: آن الأوان أن نفكر في المدارس الحرة، ولو نظريًّا؛ لأنها الحل الجذري لمثل هذه المشاكل.
وثالثًا: لاحظنا أن المسلمين لا يعاملون بنفس المعاملة كغيرهم، ولا يخاطبون بنفس الخطاب، وحسب نفس المعايير، فهناك نوع من الانحياز، ومن انعدام العدالة في تطبيق القوانين، ونحن كمسلمين نتمسك بالقوانين المطبقة على كل الناس.
فالمسلم هنا عندما يريد أن يطالب بحقه أو يستفيد من هذه القوانين توضع أمامه العراقيل، ولا أكتمكم أن مجرد الاتصال بالمحامي أصبح ممنوعًا من أجل أن تتبنى قضية، وتتكلم باسم المسلمين أمر يكاد يكون ممنوعا أيضًا، فتتهم بكل الاتهامات وتنعت بكل النعوت، وقد وصلتني رسائل تهديد بالقتل؛ لأنني أدافع عن قضية عادلة للمسلمين في هذه البلاد.
المجتمع: ماذا تنتظرون من المسلمين خارج فرنسا؟
الأصفر : ننتظر منهم أولا دعم القضية من الناحية الإعلامية، فالمؤسف أن الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية العالمية لم تساندنا المساندة الكاملة، وأن تنصفنا أمام هؤلاء الذين يدبرون للإسلام والمسلمين أمورًا غير محمودة.
وثانيا: من أهل الخير من المسلمين أن یساندوا المشاريع الإسلامية هنا وخاصة مشروع المدارس الحرة، وقد تتاح لنا الفرصة لتشكيل ملفات حول هذا المشروع الهادف إلى المحافظة على هوية المسلمين في هذه البلاد ولتربية أبناء المسلمين التربية الصحيحة - إن شاء الله -.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل