; معالم على الطريق .. الإسلام الصاعد والراية المقدسة «4 من 4» | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق .. الإسلام الصاعد والراية المقدسة «4 من 4»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1995

مشاهدات 47

نشر في العدد 1145

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 11-أبريل-1995

 

الحوادث الكبار دائمًا ما تكون مقدمات للانتصارات الكبيرة، والإرهاصات الداوية غالبًا ما تكون مبشرات للفتوحات العظيمة، والناظر إلى العالم اليوم يرى أنه يموج هذيانًا بذكر الإسلام، ويهدر غليانًا بالحقد على دعوته، والكيد له، والتحريض عليه حتى لتظن أن نبيًّا للإسلام قد ظهر، أو هجومًا للكتائب قد وقع، وهذا في الحقيقة ليس لوهم يخايل الغرب، أو لسراب يخدع العالم، وإنما لرصد للظاهرة الإسلامية. 

ودراسة للبنية المنهجية لهذا الدين، والتي تبين منها كما يقول دكتور مراد هوفمان في هذا العام ٩٤- ٩٥: «إن الإسلام لا يطرح نفسه بديلًا خيارًا للمجتمعات الغربية والصناعية»، إنه بالفعل هو البديل، وهذا الطرح، وهذه الرؤية رآها جوته قبله، حيث تقول الأستاذة الدكتورة «آنا ماري شمل» عميدة الاستشراق في العصر الحديث في حديثها مقدمة لكتاب «الإسلام كبديل» في عام ۱۹۹۲م: «أخيرًا ينبغي ألا ننسى بَيْتَيْ جوته في الديوان الشرقي الغربي الذي يشهد له بالبصر العميق في عالم الفكر الإسلامي» حيث يقول: 

إن يك الإسلام معناه القنوت            فعلى الإسلام نحيا ونموت

وقبل ذلك رأينا بول شمتز يؤلف كتابًا عن الإسلام يحذر الغرب منه باسم «الإسلام قوة الغد العالمية»، يشرح فيه خطر الإسلام الغازي على الغرب، وهذا ما يؤيده «توماس آرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام»، حيث قال: إذا كانت دولة الإسلام قد انقسمت وانهارت وحدتها السياسية، فإن فتوح الإسلام الروحية بقيت لا تحول دونها الحوائل، حدث هذا برغم غارات المغول على بغداد، وقيام حكام الأندلس بطرد المسلمين من الأندلس، كان ذلك يجري والمسلمون يضعون اقدامهم في أرض جديدة، ويدخلون أهلها في دين الله، ذلك جزيرة سومطرة، أرخبيل الملايو، وهكذا قام الإسلام في ساعات أزمته السياسية بطائفة من أعظم غزواته الروحية».

وهذا أيضًا جانب يخيف الأنظمة التي تحكم بالديمقراطية، حيث تتحرك الشعوب في مساحة واسعة من الحرية الشخصية والمذهبية، وتعيش في أزمة حقيقية نفسية واجتماعية وخلقية، تصيبها باليأس والقنوط من الحياة، فحيث تجد قوة الإسلام الروحية، فإنها- لا شك- سترتمي في أحضانه، والإسلام مازال يتمنع بقدرته الحيوية روحيًا واجتماعيًا وقيميًا كقوة مستعدة للانطلاق، وهذا هو ما دعا رجلًا غربيًّا مفكرا مثل «هملتون جيب»، يقول: «إن الإسلام ما يزال في قدرته أن يقدم للإنسانية خدمة سامية جليلة، فليس هناك أية قوة يمكن أن تنجح نجاحًا باهرًا في تأليف الأجناس المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة، فإذا وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع الدرس، فلا بد من الالتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع، وما زال الإسلام يسلك سبيلًا وسطًا بين المتناقضات الشديدة، فهو يقف في مكان وسط بين تلك الرأسمالية والبلشفية»، إذن فالإسلام يمثل العملاق العجيب الذي بيده مفاتيح حل تلك الأزمات البشرية المستعصية، ولكن الأمة الإسلامية التي تحمل هذا المنهج قد طرحته أرضًا، وذهلت عنه وعن نفسها، وهذا لا يعني نهاية الحياة والتاريخ، أو الحكم على الأمة بالموت وعدم النهوض، بل العكس هو الصحيح، وهذا هو ما يقرره «رينيه ميليه» حيث يقول: «يهمني هنا أن أقول لا نستطيع أن نحكم على أمة الإسلام بالسقوط، لأن الأمة التي أمكنها أن تنهض من الجاهلية في وقت ما يمكنها أن تعيد نهضتها في المستقبل»، إذن وبعد كل هذا البيان لا تحسب إرهاصات الغرب وضجيجه هذا شيئًا جاء من فراغ، أو أمرًا نشأ من عدم، وإنما هي حسابات ودراسات مؤكدة، وعليها ألف دليل ودليل، وتكثيف الغرب لحملاته على الإسلام، وجعله العدو الأول، وتحريض بعض السلطات عليه، واتهام العاملين للإسلام بالتهم الجزافية، وكبتهم، وسجنهم، وتشريدهم، بل وقتلهم، ليس للتلهي أو الأحقاد الشخصية، وإنما للخوف والرعب من البديل، ولتوقع المعركة والصراع الذي سينشأ في المستقبل القريب بين قوى يعدونها عدوة، وهي قوة خير وسلام وإنقاذ، وهذا شأن الباطل دائمًا.

والمسلم الدائر مع رحى الإسلام، والحامل لمنهجه، يجب أن يكون على مستوى تلك الأحداث، وعلى مستوى المسؤولية، وأن يفتح بصره وبصيرته حتى لا يقع في مصيدة عدوه، وليعلم أن الإسلام في حركته الواعية قد أصبح عالمي الانتشار، يمثل عند الأمة أملها وخلاصها الذي يداعبها بانفراج الهم وزوال الغم، وانحسار النحس الذي لازم الأمة سنين طوالًا، كما يجب أن يعلم المسلم أن الإسلام اليوم ليس هو الكلمة وفقط، وإنما أصبح نماذج إنسانية حية تضحي بالنفس والنفيس، وتعطي من مالها ودمها، ووقتها، وجهدها محتسبة طيبة هانئة مستقرة، بل عاشقة والهة. 

هواي له فرض تعطف أم جفا                    ومنهله عذب تكدر أم صفا

وكلت إلى المعشوق أمري كله                     فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا

وما أصدق قول ربنا في ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾(التوبة:111)، كما يجب أن يعلم المسلم كذلك أن الإسلام أصبح واقعًا معاشًا، فالمنظمات الإسلامية تدير المدارس والمصحات والمستشفيات والبنوك والنقابات ودور النشر، وتقدم الخدمات الاجتماعية بكفاءة ورجولة وطهارة وأساليب حضارية، بجيل من صفوة المثقفين من ذوي التعليم الحديث ذي التوجه الإسلامي في جميع التخصصات، أطباء، محامون، مهندسون، معلمون، عاملون في المجالات الاجتماعية والسياسية والصحفية والإسلامية، ليرى المسلم حياة الإسلام الحقيقية بين يديه، ويلمس واقعها، ويراها بعينيه:

خذ ما رأيت ودع شيئًا سمعت به       في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل

 كما يجب أن يعلم المسلم أن مع العسر يسرًا، وأن مع الشدة فرجًا، وأن مع التوكل مخرجًا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾(الطلاق:2). 

فإذا اشتملت على اليأس القلوب                وضاق لما به الصدر الرحيب

أتاك على قنوط منك غوث                       يمن به اللطيف المستجيب 

وكل الحادثات إذا تناهت                           فموصول بها الفرج القريب

وصدق الله العظيم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾(الإسراء:51)، وسيكون ذلك إن شاء الله، ويحمل الإسلام الصاعد الراية المقدسة، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾(الروم:4-5)..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 35

126

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

أفكار مستوردة - الديمقراطية

نشر في العدد 113

71

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

بريد القراء (113)