العنوان هزيمة ثقيلة لتشيللر وانتخابات قريبة في تركيا
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1172
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
- 230 نائبًا يرفضون إعطاء ثقتهم لحكومة أقلية برئاسة تشيللر
- مسعود يلماظ يطالب بتشكيل حكومة موسعة، بينما يقترح حسام الدين جندروق إقامة حكومة وحدة وطنية
تلقت السيدة تانسو تشيللر -رئيسة الوزراء التركية- ضربة ساحقة برفض مجلس الشعب التركي منح حكومة الأقلية التي شكلتها من حزبها الطريق القويم الثقة، وتعد هذه الهزيمة أول هزيمة تتلقاها السيدة تشيللر في حياتها السياسية والعامة، حيث كانت تفخر دائمًا بقولها: لم أفقد حربًا دخلتها قط في حياتي حتى اليوم، حتى إذا نجحت ثانية في تشكيل حكومة مع دنيز بيقال - شريكها السابق- فإنها ستكون قد فقدت من نواب حزبها 17 نائبًا، علاوة على تناولها المقدم لبيقال مما سيضعف موقفها.
إلا أن تلك الهزيمة التي تلقتها تشيللر من جبهة الرفض المُشكَّلة من أحزاب الوطن الأم والشعب الجمهوري، والرفاه، والوحدة الكبير، وعدد من نواب حزبها الطريق القويم، المعارضين لسياستها، جاءت ثقيلة إلى درجة كبيرة، حيث إن الفارق بين أصوات المعارضين لحكومتها والموافقين عليها بلغ 39 صوتًا لصالح الفريق الأول.
حضر جلسة التصويت التي رأسها ياسين خطيب أوغلي - نائب حزب الرفاه- والرئيس المؤقت للبرلمان 421 نائبًا «عدد المقاعد 450 مقعدًا، منها 22 خالية بسبب الوفاة، والفصل، وأسباب أخرى، وهي المقاعد التي رفضت تشيللر إجراء انتخابات تكميلية لملئها، مما قوى حجم المعارضة لها سواء بين الأحزاب التركية أو داخل حزبها نفسه»، وتغيَّب عنها نواب من حزب الطريق القويم، وهم حسام الدين جندروق، فيصل أتاصوي وصادق أفوندوكلو أوغلي، وأحمد نديم، ومحمد علي يلماظ، وعبد الرزاق ياوز.
وجاءت النتيجة رفض 230 نائبًا إعطاء ثقتهم لحكومة الأقلية التي شكلتها تشيللر مقابل 191 نائبًا وافقوا على إعطاء ثقتهم للحكومة، منهم 164 صوتًا من الطريق القويم «177» صوتًا 17 من حزب الحركة القومية و2 من حزب الملة، و2 من الحزب الجديد الذي استقال منه حسن دوغان بهدف دخول حزب الوطن الأم المعارض، ومن الوطن، و من المستقلين، أما المعارضون الـ 230 فجاءوا من أحزاب: الوطن الأم 94 صوتًا، والشعب الجمهوري 60 صوتًا، والرفاه 37 صوتًا، والحركة الديمقراطية الجديدة صوتين، المستقلون 13 صوتًا، و10 من اليسار الديمقراطي.
خيانة أجاويد
وكانت السيدة تانسو تشيللر تتوقع حصول حكومتها الجديدة على موافقة 215 نائبًا وفقًا لنتائج مشاوراتها مع مختلف الأحزاب التركية، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، حيث قام بولنت أجاويد –زعيم حزب اليسار الديمقراطي- الذي كان قد أعلن دعمه منذ قيام السيدة تشيللر بإجراء مناقشاتها مع الأحزاب التركية دعمه الكامل لها، ثم اشترط بعد ذلك ضرورة قيامها بتعديل قانون الانتخابات، وإنزال النسبة المطلوبة لدخول المجلس مع قيامها بحل مشاكل العمال المضربين عن العمل منذ 19 سبتمبر الماضي، بعقد مؤتمر صحفي قبل بدء جلسة التصويت بالثقة على الحكومة بساعة واحدة فقط، أعلن فيه إصراره على ضرورة قيام الحكومة بحل مشكلة العمال كشرط أساسي لمنحها ثقة حزبه، وإلا فإنه سيصوت ضدها، وهو ما لم تتمكن السيدة تشيللر من تحقيقه بالطبع بسبب عنادها ورفضها تحقيق زيادة الأجور التي يطالبون بها.
صفقة العمال
وكان اتحاد العمال قد تراجع في مباحثاته مع وفد حكومي عن مبلغ 130 تيريليون ليرة تركية كزيادة في الأجور، ووصل المبلغ إلى 70 تريليون ليرة يتم بزيادته على الأجور بنسبة 24% في الشهور الست الأولى و 19% في الشهور الست الثانية، إلا أن ممثلي الحكومة أصروا في اجتماعاتهم مع اتحاد العمال التي تمت بهدف التوصل إلى حل لتلك الأزمة، على أن الحكومة لن يمكنها دفع أكثر من 43 تيريليون ليرة تركية كزيادة في أجور 680 ألف عامل بنسبة 13% في الشهور الست الأولى و12% في الشهور الست الثانية، وأوضحوا لوفد العمال أن أي زيادة أكثر من هذا ستؤدي إلى كارثة بالاقتصاد الوطني للبلاد، خاصة بالنسبة للتضخم الذي ستزداد نسبته بصورة مفزعة. في نفس الوقت الذي هدد فيه البير أوزتورك -المتحدث الرسمي باسم اتحادات نقابات العاملين القوميين «الموظفين» بالأحزاب- عن العمل لمدة يوم واحد، مشيرًا إلى أن الموظفين سيقومون بمسيرة احتجاجية بسبب ضعف أجورهم، ويصر الموظفون على زيادة الأجور إلى 18 مليون ليرة كحد أدنى، هذا سيكلف الخزانة ميزانية إضافية، وهدد بإضراب عام عن العمل.
المعارضة الداخلية
هذا بالإضافة إلى زيادة حجم المعارضة التي واجهتها السيدة تشيللر داخل حزبها الطريق القويم، وهو ما يمكن رصده في عدة نقاط، أبرزها عدم مشاركة 80 نائبًا منهم في مناقشة بيان الحكومة وسط معلومات عن قيام بعض النواب بمغادرة أنقرة، حتى لا يتم إجبارهم على حضور جلسة التصويت بالثقة، وتقديم أربعة نواب من حزبها استقالاتهم من الحزب، بالإضافة إلى تصريحات حسام الدين جندروق -رئيس مجلس الشعب السابق- الذي استقال احتجاجًا على تصرفات السيدة تشيللر وأسلوب إدارتها للحزب وسياساتها في أمور الحكم، التي أشار فيها إلى أنه لن يصوت الصالح حكومة أقلية السيدة تشيللر، مؤكدًا أن ذاك هو موقفه الشخصي، وأنه لن يشارك في جلسة التصويت بالثقة على الحكومة بدلًا من حضوره، وقيامه بالتصويت بالرفض ضد حكومة يُشكِّلها حزبه، وأوضح في تلك التصريحات أنه لا يُشكِّل تنظيمًا معارضًا للسيدة تشيللر داخل حزب الطريق القويم.
ونصح جندروق تشيللر في تصريحاته على صفحات الصحف التركية بالتخلي عن حكومة الأقلية التي تبحث لها عن مؤيدين، وطالبها بالجلوس من إدارة الحزب، وقياداته المختلفة للتباحث حول مشروع حكومة جديدة يمكنها أن تجد لها الدعم من حزبها والأحزاب التركية الأخرى، ولذلك لم يحضر 6 نواب، وصوَّت ضدها 8 نواب آخرين، وتقرر في جلسة مجلس إدارة الحزب إخراجهم يوم الاثنين 16 سبتمبر الماضي.
كل تلك العوامل والظروف، بالإضافة إلى جبهة المعارضة القوية التي شكلتها الأحزاب الرئيسية داخل البرلمان أدت إلى تلقي السيدة تشيللر تلك الهزيمة الثقيلة، وعقب جلسة التصويت بالثقة وإعلان النتيجة ألقت السيدة تشيللر كلمة مقتضبة أكدت فيها قبولها بالنتيجة، واحترامها لجميع نواب المجلس سواء من صوت لصالح حكومتها أو من صوت بالرفض لها، مشيرة إلى شعورها براحة الضمير لأداء واجبها نحو وطنها، مؤكدة أنها لم يكن بوسعها التضحية بمستقبل البلاد مقابل الحصول على ثقة المجلس على حكومتها، معلنة استعدادها لإجراء انتخابات مبكرة.
وتعد تشيللر بذلك ثالث رئيسة وزراء تفشل في الحصول على ثقة البرلمان في تاريخ الجمهورية التركية، إذ كانت أول حكومة تفشل في ذلك هي حكومة الدكتور سعدي إيرمق في 16 نوفمبر 1974م، والذي استمر في الحكومة لمدة 200 يوم فقط بعدها سقطت حكومته، بعد أن قام البرلمان بسحب الثقة منها، أما المرة الثانية فكانت في 21 يونيو 1977 حينما لم يستطع بولنت أجاويد -زعيم حزب الشعب الجمهوري- أن ينال ثقة المجلس في الحكومة التي شكلها.
إلا أنه بعد فشل تشيللر في الحصول على التصويت بالثقة وقبولها بالنتيجة، وإبداء استعدادها لدخول انتخابات مبكرة أحدث نوعًا من التغيير في التكتيك السياسي داخل حزب الشعب الجمهوري شريكها السابق في الائتلاف الحكومي، والذي كان قد أغلق الباب أمام السيدة تشيللر يوم 20 سبتمبر «أيلول» الماضي لاحتمالات الاستمرار في الحكومة الائتلافية، إذ صرح دينز بيقال - رئيس الحزب- بأنه يمكن العودة للشراكة من جديد، وأن الحل في تشكيل حكومة جديد، وليس في إجراء انتخابات، مشيرًا إلى وجود فرص حقيقية لعمل ائتلاف حقيقي بعدما أصبحت تشيللر واقعية، وذلك بعدما كان يعلن أن الحل في إجراء الانتخابات، وأنه على استعداد لخوضها.
ويبدو أن تصريحات بيقال تلك فتحت أبواب الأمل أمام السيدة تشيللر، وهو ما يمكن رصده في لقائها مع السيد بيقال الإثنين الماضي، ثم ذهابها إلى الرئيس دميريل الذي استقبل رؤساء الأحزاب التركية على مدى يومي الإثنين والثلاثاء لمناقشتهم في كيفية الخروج من المأزق، ومحاولة إقناعهم بإعادة تكليف تشيللر لتشكيل الحكومة بعد اتفاقها مع بيقال، وأهم تطور حدث بعد ذلك هو إعلان نجدت منزير -مدير أمن إسطنبول- استقالته يوم الإثنين الماضي، وكان ذلك أحد شروط بيقال لاستمرار الحكومة الائتلافية السابقة.
إلا أن ذلك الأمر قد يزيد من غضب الأحزاب المعارضة لتشيللر، خاصة وأنه من المفروض أن يكلف سليمان دميريل مسعود يلماظ -زعيم حزب الوطن الأم- لتشكيل حكومة، وكان يلماظ قد طالب دميريل في تصريحات الأحد الماضي بالتصرف وفق ما تمليه على مسؤوليته كرئيس للجمهورية، مشيرًا إلى ضرورة تشكيل حكومة موسعة يشارك فيها حتى حزب الرفاه الإسلامي الذي يعارض دخول تركيا الوحدة الجمركية.
بينما اقترح حسام الدين جندروق المقرب من الرئيس دميريل إقامة حكومة وحدة وطنية موسعة يكون فيها وزراء العدل، والداخلية، والاتصالات محايدين على أن تعمل تلك الحكومة على إصدار قوانين الوحدة الجمركية، وأشار إلى استحالة إجراء الانتخابات في ديسمبر المقبل، بينما طالب نجم الدين أريكان - زعيم حزب الرفاه- بتشكيل حكومة محايدة المؤشرات الأولى لاحتمالات الموقف تشير إلى عودة الحكومة الائتلافية المكونة من حزبي الطريق القويم بزعامة تشيللر، والشعب الجمهوري بزعامة دينز بيقال وفق بروتوكول جديد، سيكون بالقطع لصالح بيقال، خاصة وأن تشيللر في حاجة إلى أصوات حزبه الستين، وهو ما سيتضح بالقطع خلال الساعات القليلة القادمة. إلا أنه في حالة نجاح تشيللر في ذلك ربما تفقد المزيد من النواب المؤيدين لها في حزبها، خاصة إذا توجَّه حسام الدين جندروق والنواب المعارضين للانضمام إلى الحزب الديمقراطي الأب الروحي لحزب الطريق القويم، إذ إن معظم النواب المحافظين سيخرجون في تلك الحالة من الحزب ليهبط عدد نوابه إلى 150 نائبًا، وسيكون من الصعب على تشيللر وقتها الحصول على ثقة مجلس الشعب خاصة إذا تخلَّى عنها ألب أرسلان توركش - زعيم حزب الحركة القومية.