; بينما يطفو صراع الشركات على السطح.. ثنائية النفط أشعل الحرب وأثار الدنيا ضد من خططوا لها | مجلة المجتمع

العنوان بينما يطفو صراع الشركات على السطح.. ثنائية النفط أشعل الحرب وأثار الدنيا ضد من خططوا لها

الكاتب حسام شاكر

تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1545

نشر في الصفحة 24

السبت 05-أبريل-2003

«البروباجاندا» الأمريكية تتعقب الشعار اللاذع «لا حرب من أجل النفط»

عندما كان الكاتب ماكس بوت يستهل مقاله الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في الثالث عشر من فبراير الماضي؛ فإنه كان يضع نصب عينيه هدفاً جوهرياً محدداً؛ هو تقويض حجة لا حرب من أجل النفط. فقد استشعر مؤلف كتاب «حروب السلام الضارية» الحروب الصغيرة وبروز القوة الأمريكية أن «لاحرب من أجل النفط»، سيكون الشعار الذي سيعلو مع مئات الآلاف من اللافتات المرفوعة بعد ذلك بيومين فقط في مظاهرات الرفض للحرب التي اجتاحت الكوكب المضطرب.

وإذا كان بوت العضو البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، ليس وحده الذي قرر الكتابة لنفي الأطماع النفطية عن الحرب ضد العراق، فإن ذلك يعطي الانطباع بأن قرار بوت فتح ملف كهذا ليس خياراً فردياً، ففي الأسابيع القليلة الماضية أخذت طائفة من الصحافيين والمعلقين تخصص وقتاً أكبر لقدح زناد الفكر، من أجل الخروج بحجج مضادة لشعار «لا حرب من أجل النفط». أما بعد أن احتشد سبعة ملايين شخص حول العالم، يوم الخامس عشر من فبراير الماضي، رافعين هذا الشعار اللاذع، ومصورين سيد البيت الأبيض على هيئات عدة، لا تغيب عنها السخرية أو براميل الذهب الأسود، فإن حملة الردود على التحذير من المبررات النفطية للازمة العراقية اشتدت، على أمل تقويض المشاعر المعادية للحرب، والمشككة في النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية من وراء ملاحقة بغداد.

شعارات «لا دماء مقابل النفط» و «لا حرب من أجل النفط»، أو ما شابهها فقد وجدت طريقها بسرعة إلى وعي الرأي العام العالمي، وباتت لا تخطئها العين في أي من مدن العالم؛ عبر لافتات وملصقات وشعارات جدارية، فضلا عن التحركات المتعاظمة ضد الحرب الأمريكية الجديدة ضد بلد عربي لا يقل مخزونه النفطي عن ۱۱٢,٥ مليار برميل - وفق بعض التقديرات - بينما يعتقد بأنه يمتلك كميات هائلة غير مكتشفة.

وكانت الشعارات التي تقرن الحرب والدماء بالنفط قد شاعت في الأصل إبان التحضير لحرب الخليج الثانية، ولكنها حققت الرواج الأكبر في ظلال الأزمة العالمية الراهنة على ضوء الشعور المتزايد بأن واشنطن تريد اليوم حصد ما زرعته قبل عقد من الزمان.

ولأن المقارنة المفزعة بين الدماء والنفط بانت هاجساً يؤرق الساهرين على تسيير البروباجاندا الحربية الأمريكية في لحظة تاريخية دقيقة فإن المعلقين والمحاضرين يتدافعون لمحاولة تفريغ الشعار ذي الإيقاع الرشيق من محتواه، عبر سيل هائل من الكتابات والندوات.

في مقاله بنيويورك تايمز اعترف ماكس بوت «أن هناك أغلبية كبيرة في دول أوروبية رئيسة تعتقد أن الجشع هو الدافع وراء رغبتنا الإطاحة بصدام حسين» لكنه لا يتردد في إثارة التساؤل «هل تتوجه أمريكا إلى العراق سعياً وراء الذهب الأسود؟». ويعلق بوت على ذلك بالقول إن الاتهام جدير ظاهرياً بالتصديق، لأن العراق يملك ثاني أكبر احتياطي معروف للنفط في العالم.

ومقابل هذا الاتهام؛ سعى الكاتب إلى حشد الأدلة العددية التي يرى أنها كفيلة بتقويض الحجة القائلة بوجود أطماع نفطية أمريكية من وراء الحرب المحتملة، ولكن ذلك لم يمنعه من الإقرار بأن «الفائدة الاقتصادية الأخرى المحتملة في العراق؛ هي أن تفوز الشركات الأمريكية بعقود لإخماد الحرائق (في آبار النفط)، وترميم معامل التكرير والمساعدة في إعادة تشغيل صناعة البترول كما فعلت في الكويت، حسب ما يستنتج. 

وهو يرى بالتالي أنه «لو كانت عصبة رأسمالية هي التي تشرف على إدارة الحرب؛ لكان عليها أن تتوصل إلى نتيجة مفادها أنها ليست عملية مربحة» على حد تعبيره. 

وفي محاولة لدفع التهمة عن بلاده، والدفع بالكرة إلى الملعب الآخر؛ ذهب بوت إلى حد القول بأن «الأوروبيين يلصفون سلوكهم بنا. إنهم يعرفون أن الجشع كثيراً ما كان في الماضي الدافع لسياساتهم الخارجية»، مؤكداً بشأن الحرب الأمريكية ضد العراق أن «أوروبا لم تتوصل بعد أكثر من مائتي سنة، إلى فهم ما يدفع أمريكا إلى التصرف على النحو الذي تتصرف عليه»، على حد تعبيره. 

ورغم كثافة المادة الصحافية الرامية لنزع الأطماع النفطية عن الحرب المحتملة؛ فإن المنابر الإعلامية الحافلة بالتعليقات، والتي تأتي في هذا السياق تبدو في تناقض يسهل العثورعليه بقليل من التأمل.

ففي الصفحات السياسية ومساحات الرأي: تتزاحم الحجج الرامية لإضفاء الطابع الأخلاقي على الحرب المكروهة من الرأي العام العالمي، فيأتي مثلاً تعليق لصحيفة «فاينانشيال تايمز» منشور في الثاني والعشرين من فبراير تحت عنوان «ليست حرباً من أجل النفط» ولكن تعليقات كهذه تغيب تماماً في الصفحات الاقتصادية لصالح ما يوحي بنقيضها. ففي عدد اليوم السابق لذلك،۲۱ فبرایر، خصصت الصحيفة ذاتها في إصدارها الألماني؛ صفحة كاملة عن الاحتياطيات النفطية للعراق. وتشير التقارير المنشورة في هذه الصفحة إلى أن «الخبراء يعتقدون بوجود مخزون نفطي هائل لم يعثر عليه بعد غربي العراق»، وهو ما سيمثل «منافسة لمناطق الإنتاج الواقعة حول بحرقزوين»، حسب تقديرها. 

ويستعرض تقرير آخر في «فاينانشيال تايمز» الألمانية أبعاد الصراع بين الشركات الدولية متعددة الجنسية على الفوز بعقود التنقيب عن النفط واستخراجه، مشيراً إلى مساعي الأمريكيين والبريطانيين لتعزيز نفوذهم في الحقول النفطية العراقية على حساب الروس والفرنسيين. 

ويؤكد التقرير الذي أعدته كورولا هريوس من نبويورك أنه «حتى قبل أن تبدأ حرب ضد العراق؛ تتصارع شركات النفط فيما بينها، وراء الكواليس على الخروج بمراكز جيدة قدر الممكن في مرحلة ما بعد الحرب». 

وينقل التقرير عن أرشي دونهام، مدير شركة كونوكو فيليبس الأمريكية التصريح الذي يشير إلى العراق؛ «نحن نعلم أين هي أفضل الاحتياطيات (النفطية)، ونريد أن نحصل على شيء من ذلك»، كما جاء في تعليق جريء في مرحلة يتحاشى فيها المنافسون في الشركات الأمريكية العملاقة التصريح بتطلعاتهم من وراء الحرب في الخليج. 

ورغم أن الصمت ما زال سيد الموقف في أوساط عمالقة الصناعة النفطية في العالم فإن الأمر قد لا يبقى على هذا النحو.

ومن المفاجآت التي ينتظرها المراقبون طبيعة الصراع المقبل بين الشركات الأمريكية والبريطانية على اقتسام الكعكة العراقية في مرحلة ما بعد التغيير المفترض في بلاد الرافدين، والذي قد ينعكس على متانة الاصطفاف البريطاني في المسار الأمريكي.

ولم ينشأ الصراع بين الشركات النفطية من فراغ ، فالحرب ضد العراق تؤذن بإعادة رسم خريطة الاستثمارات النفطية في العالم، فالعراق مؤهل بجدارة لإغراق السوق العالمي بالذهب الأسود إذا ما أتيح له المجال لذلك.

وبينما تميل التفسيرات لمرامي الإدارة الأمريكية من وراء شن حرب جديدة ضد العراق إلى الإشارة إلى العامل النفطي، بوصفه أحد الدوافع الجوهرية لهذه الحرب؛ فإن المراقبين لا يترددون في استدعاء العامل ذاته لتفسير مواقف الدول المعارضة لحرب كهذه أو المتحفظة عليها، وهو ما عليه الحال بالنسبة لفرنسا وألمانيا وروسيا وحتى الصين.

فثمة خشية تتعاظم لدى راسمي الاستراتيجية في هذه الدول، من مغبة التهام الأمريكيين للمخزون النفطي العالمي، بعد نفوذهم المتزايد في وسط آسيا وبحر قزوين، وإثر تعزيز حضورهم التقليدي في الخليج، وسعيهم للهيمنة على العراق بالكامل، فضلاً عما سيجره ذلك من تبعات على إيران مستقبلاً، وهي الرابعة عالمياً في مجال إنتاج النفط بواقع 3.7 مليون برميل يومياً (٢٠٠١)، والخامسة في العالم على صعيد الاحتياطي النفطي الذي يقدر لديها بنحو ٨٩,٧ مليار برميل.

أما في روسيا فيسود القلق أوساط الصناعة النفطية وينعكس ذلك بالتأكيد على رؤية بوتين وفريقه للتطورات الدقيقة، وبحسب المعلق الروسي فاسيلي سفرنتشوك، فإنه «في حال إسقاط حكومة صدام حسين؛ ستغلق إمكانية الدخول إلى مواطن النفط العراقية في وجه الشركات الروسية، ولن تشارك روسيا كوسيط في عملية تصدير النفط العراقي، وستخسر السوق العراقية»، كما رأى في تعليق له نشرته في نهاية أغسطس ۲۰۰۲ صحيفة سوفيبتسكيا روسيا الشيوعية المعارضة.

وبينما تتوجه الأنظار إلى ألمانيا وفرنسا بصفة خاصة؛ فإن الصين لا تبدو مثيرة للانتباء هذه الأيام، ولكن ذلك لا يجعلها بمنأى عن تطورات الموقف من العراق، حتى فيما يتعلق بالأبعاد النفطية فالمخططون الجالسون في بكين لديهم - على ما يبدو- ما يقلقهم على المستقبل الاقتصادي الزاهر لبلاد السور العظيم. فمن المحتمل أن تخسر الصناعة الصينية - المتوسعة على نحو باهر - شريكاً تجارياً ونفطياً واعداً يتمثل في العراق. 

وعندما تتضاعف حاجة التنين الصيني من الموارد النفطية عدة مرات في العقود القليلة المقبلة، سيكون على الساسة الصينيين أن يدركوا أن الطريق للحفاظ على معدلات النمو الواعدة يمر عبر البيت الأبيض، مادام أنه سيمسك بكافة خبوط النفط العالمي؛ المورد الحيوي الذي يصب في شرايين الازدهار الصناعي، وهو ما يقلق أوروبا الموحدة أيضاً التي تسعي لنمو اقتصادي يعزز مكانتها الدولية، إلا أن المفارقة تتمثل في الانقسام الأوروبي على الذات إزاء الموقف من الحرب، وهو ما ستدفع القارة العجوز ضريبته في الأمل المنظور.

إن الشهية المفتوحة، العابرة للحدود، لدى الإدارة الأمريكية كانت مؤهلة لإثارة موجة من الحنق أكبر مما عليه اليوم؛ إذ يبدو أن الحصانة من الانتقاد التي حاولت الإدارة الأمريكية، منذ حوادث الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱، تطويق نفسها بها على نحو غير مسبوق؛ قد أدت إلى لجم كثير من الحانقين على تطلعات الجالسين في أروقة صنع القرار في واشنطن؛ إلا أن المؤكد أن النرويجي يوهان جالتون ليس واحداً منهم فالحائز على جائزة نوبل البديلة معروف بجرأته النادرة التي لم تمنعه حتى من انتقاد سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ليل الحادي عشر من سبتمبر، وتحميلها المسؤولية عن النقمة ضدها التي أسفرت، في تقديره عن وقوع هجمات مدوية في نيويورك وواشنطن.

أما فيما يتعلق بالعراق فإن جالتون يلخص فرضيته في «أن الأمريكيين يسعون إلى العثور على بلد يمكن أن يكون تعويضاً عن دول أخرى في مجال واردات النفط، كما قال في مقابلة أجرتها معه أسبوعية ، «فيلت فرخه»، السويسرية في عددها ۲۸ الصادر في خريف ۲۰۰۲.

وبينما بقي جالتين محتفظاً بموقفه الناقم على الإدارة الأمريكية؛ فما زال شعار «لا حرب من أجل النفط»، يتمتع بشعبية كبيرة ورواج غير مسبوق، خاصة وأن منتقدي الحرب الأمريكية المحتملة ضد العراق يكتشفون يوماً بعد آخر ضلوع آل بوش، القادمين من تكساس، في الاستثمارات النفطية حتى النخاع، مما يجعل للحرب وإرادة الهيمنة الشاملة على بلد يرقد على ثاني أعظم احتياطي نقطي في العالم شهية كافية. 

وخلال ذلك؛ يتوجب على كتاب الأعمدة ومعلقي التلفزة والمحاضرين في الندوات العامة أن يستميتوا في محاولة إقناع سبعة ملايين شخص حملوا اللافتات التي ترفض حرباً من أجل النفط، بأن خروجهم إلى الميادين الكبرى لم يكن قراراً صائباً. أما إذا تحققت أعجوبة «البروباجاندا»، في إقناع هذه السيول البشرية بما يريده البيت الأبيض فإن أعجوبة أخرى تبدر أبعد منالاً؛ إنها إقناع بوش وفريقه بأن يكفوا عن لعبة الحرب القاتلة.

الرابط المختصر :