العنوان المجتمع التربوي (1518)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 14-سبتمبر-2002
مشاهدات 58
نشر في العدد 1518
نشر في الصفحة 54
السبت 14-سبتمبر-2002
العملة المزورة.. بين أهل الدعوة!
علي التمني
من المنخرطين في تيار الصحوة: المتقلب والوصولي والتاجر والمغامر وطالب الدنيا
المقاييس يجب أن تكون الإخلاص للدعوة وليس العدد أو الكثرة
كنا فرحين أشد الفرح ببشارات الصحوة الإسلامية - وحق لكل مؤمن أن يفرح بما يفرح منه وله المؤمنون في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة -وكنا نجزم بأن شريعة الله تعالى سوف تصل- في وقت قياسي - إلى كل موقع من مواقع القرار في الوطن الإسلامي الكبير، أي من مشرق الشمس إلى مغربها، ولكننا في غمرة الفرح، ولجة السرور بهذه الإنجازات العظيمة؟ نسينا أو تناسينا، جهلنا أو تجاهلنا أن الصف عريض جدًا، وأن ألوان طيف المنخرطين في هذه الصحوة الإسلامية كثيرة جدًا، ومتعددة جدًا.
لقد نسينا أو تناسينا أن من بين عشرات الملايين الذين حملوا هم الدعوة والصحوة -صدقًا أو زورًا- ورفعوا شعاراتها، وعلقوا لافتاتها، ملايين الأشخاص ممن لهم حساباتهم الخاصة، وطموحاتهم الشخصية البعيدة عن حقيقة الشعارات، وصدق اللافتات.
شتان بين الثرى والثريا
نسينا أو تناسينا -بحسن نية لا تنقصها الغفلة- أن كثيرين من هؤلاء الملايين إنما يريدون الدنيا، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (آل عمران: ١٥٢) لكن الفارق شاسع جدًا بين الرماة الذين خالفوا أمر رسوله r في غزوة أحد، ورماة العصر، فالأولون خالفوا أمرًا واحدًا وكانوا -من قبل ومن بعد- من خير جيل طلعت عليه الشمس، ولن تطلع على خير منه، وأما الآخرون تجار الصحوة، والمغامرون، وطلاب الدنيا، من الألف إلى الياء فشتان بين الثرى والثريا.
ومع صدق الأولين وإخلاصهم وقد حازوا شرف الصحبة، فقد عاتبهم ربهم ووصفهم بقوله عز وجل وتقدس ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ (آل عمران: ١٥٢)
أما الآن فقد بان الصبح لذي عينين، وانجلى الغبار: فبان الحق ووضح الصواب، فلقد كنا ونحن نكاد نطير من الفرح، نظن أن كل بيضاء شحمة، وأن كل مطوع متطوع، ولكن -وهذا والله فضل من الله- قضي الأمر، وتكشفت الحقيقة، فعرف كل على حقيقته.
تمايز الصف
لقد امتاز وعرف صاحب المال وكيف كان يتجر بالصحوة والدعوة، جريًا وراء حطام الدنيا ومتاعها الزائل، وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي قال -فيما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». (أخرجه البخاري (2529)، ومسلم (1907)
كما عرف صاحب شهوة الجاه والذكر والسمعة فنال حظه على سلم الدعوة والصحوة ولكنه، وقد حقق ما يرجوه، سقط في قاع الدنيوية المهلكة، وعُرف -كذلك- صاحب الفكر المغاير للفكر الشرعي الصحيح القائم على الكتاب والسنة، فكانت هجرته إلى ما هاجر إليه.
وعرف صاحب الجدل للجدل، وكذا المتقلب الذي تراه يومًا هنا ويومًا هنالك، وكذا الوصولي الذي يتسلق المواقف الآنية لبلوغ غاياته القريبة، فهو ليس مثل ذلك الذي جعل الانتماء لصف الدعوة سلمًا لبلوغ أهدافه «الاستراتيجية».
وإذا كنا قد عرفنا في السنوات الأخيرة، ما لم نعرفه خلال أكثر من عشرين سنة من عمر الدعوة والصحوة من أمر الكثيرين من المنخرطين في مسيرة الدعوة والعمل الإسلامي السلمي، فإن ظهور تيار الكتاب الليبراليين الذين كانوا يومًا محسوبين ضمن الصف الكتابي والفكري الإسلامي، كان متوقعًا في ظل سلسلة الانكشافات التي أؤكد أن الدعوة الإسلامية قد كسبت الكثير والكثير من حدوثها، لا بمقاييس العدد والكثرة، فذلك ما أوهن مسيرة الدعوة، ولكن بمقاييس الإخلاص لهذه الدعوة، والصدق مع غايتها، وهو وجه الله جل جلاله.
انکشاف حقيقة الليبراليين
إن من أبرز سمات هذا التيار المسمى بالليبرالي الذي ادعى يومًا انتماءه إلى مسيرة الدعوة إلى الله، وظهرت حقيقته.
انخراطه في صف الكتاب والمثقفين العلمانيين الذين لم يدعوا يومًا أنهم من الدعاة أو من مثقفي الدعوة، بل كانوا -ومنذ البداية- على مفترق طرق مع الدعوة وأهلها، هذا الانخراط الذي تمثل في الهجوم على الدعوة ورموزها وآلياتها البيانية، بل والهجوم على أسس ثابتة من أسس الشريعة، وهو ما تواتر ذكره بين الناس، وبطبيعة الحال فكل واحد منهم يدعي أنه إنما يهاجم الدعوة ممثلة في رموزها وغاياتها وآليات عملها لمصلحتها ولتصحيح مسارها، وهو حينما يمتدح المنهاج الديمقراطي - وهو منهاج أرى أنه لا يلتقي مطلقًا والشريعة الإسلامية لأن الديمقراطية منهج حكم متكامل أهم أسسه أن مرجع الحكم إلى الناس وليس إلى الله وهؤلاء يعلمون أن الديمقراطية يقابلها مصطلح الثيوقراطية، وهو الحكم الديني المرفوض من قبل الديموقراطية العلمانية في أسها وفصها -وحين يمتدح أهل هذا التيار الديمقراطية والعلمانية، فهم حين يفعلون ذلك يقولون إنما ذلك لمصلحة الدعوة و« عش رجبًا تر عجبًا».
ندمهم على ماضيهم - وهو ماض مغشوش طبعًا - إذ كانوا محسوبين على تيار الدعوة وأهلها، وقد ظهر ذلك في كتاباتهم.
لقد كان لظهور تيار صحفي في السنوات الأخيرة أثره الكبير في ظهور حقيقة هؤلاء، وربما أسهم في إسقاط بقية قناعاتهم المؤسسة سلفًا نزولًا عند إغراءات هذا التيار الصحفي الذي ضمن لهم الشهرة الواسعة التي لم يكونوا يحلمون بها، وللعلم فقبل ظهور هذا التيار لم أقرأ لهؤلاء شيئًا، ولم يكن لهم أي حضور في منظومتنا البيانية الكتابية، فلما وجدوا ضالتهم أقبلوا عليه وشربوا منه شرب الهيم، وهكذا يكون للشهرة ضحاياها وللسمعة صرعاها، وفي هذا دلالة على هشاشة ثقافة هؤلاء وسطحية رؤيتهم، فليس من السهل أبدًا على من أسس بنيانه على تقوى من الله أن يتخلى عن قناعاته بهذه السهولة.
لقد برز القوم في لحن القول من خلال كتاباتهم التي انساقوا فيها وراء الاتهامات التي وجهت إلى التعليم في الوطن الإسلامي، ولا يشك عاقل في أن اختيار هذا الوقت بالذات لإثارة مسألة تغيير المقررات الدراسية، بل والمناهج الدراسية يعد تماهيًا وتمازجًا مع أهداف وسائل الإعلام والمسؤولين الغربيين، الذين يرون في كل ما هو إسلامي عدوًا للغرب.
وإذا كنا نعذر الغرب الصليبي في رؤيته للمناهج والمقررات في الوطن الإسلامي، فإننا لا نجد عذرًا أبدًا لكاتب يدعي الانتماء لصف الدعوة، إلا أن يكون مغفلًا، وذلك ما نستبعده إذا أخذنا في اعتبارنا تلك الدعاوى العريضة، والتظاهرات الكلامية الاستعراضية الضخمة التي تدعيها هذه الفئة لنفسها، وتنكره على غيرها، وتدعي الفهم العميق لمصلحة الدعوة ولما يصلحها ويصلح لها، وتنفيه عمن سواها أو يكون هذا التماهي مع الهجمة على التعليم الشرعي ممن كان يتحين الفرص لإظهار خبيئته، ويعلنها صريحة: نعم للمشروع الغربي الليبرالي، وهنا نقول لقد كان الغرب في حاجة إليكم انطلاقًا من مبدأ: «اضربوهم بأيديهم»، أو: «بيدي لا بيد عمرو»..
بالصدقة.. اشكر ربك على سلامة بدنك
د. زكريا المصري
عن أبي ذر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقته: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» «رواه مسلم».
خلق الله تعالى البدن، وجعل الأصل فيه الصحة، وقد يطرأ عليه المرض، وفي الحالين مطلوب من المؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة الصحة، وأن يصبر على مصيبة المرض، فإنه إذا فعل ذلك كان مأجورًا عند الله تعالى، كما قال (صلى الله عليه وسلم) : «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كل له خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن». (من أفراد مسلم على البخاري)
ومطلوب عند شكر الله تعالى على صحة البدن وسلامته، أن يتصدق المرء كل صباح عن كل مفصل من مفاصل البدن، وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) «سُئل: كم مفصلًا في البدن؟ فقال: ثلاثمائة وستون مفصلًا، فيكون المطلوب من المسلم أن يبذل كل صباح ثلاثمائة وستين صدقة».( أخرجه أبو داود (5242)، وأحمد (23037) باختلاف يسير)
والصدقة على نوعين: مادية أي مالية، ومعنوية أي غير مالية، وهي ما أخبر عنه (صلى الله عليه وسلم) بحديثه السابق.
ولكن كما أنه ليس كل أحد قادرًا على بذل ثلاثمائة وستين صدقة مالية كل صباح عن صحة البدن، وكما أنه ليس كل أحد قادرًا على أن يبذل ثلاثمائة وستين صدقة معنوية كل صباح على نعمة الصحة في البدن غالبًا، ربما لكثرة الانشغال ونحو ذلك، ولذا أرشد النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى البديل عن كل ذلك فقال: «ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (صحيح مسلم)
وتبدأ صلاة الضحى من شروق الشمس بعد ارتفاعها قيد رمح وتستمر إلى أذان الظهر، وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان، وقد صلاها النبي r ركعتين وصلاها أربعًا وصلاها ستًا وصلاها ثماني ركعات.
فينبغي المحافظة على هذه الصدقة، أو على بديلها بصورة دائمة: شكرًا لله تعالى، الذي قال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧)
الرسول القدوة (2)
علاء سعد حسن
اتبع سياسة التفويض لأصحابه ودربهم على أسلوب فريق العمل المتكامل
كانت الصدارة تبحث عنه ولا يبحث عنها وإذا أراد شيئًا أو أحبه أستأذن فيه ولم يجعله شرعًا
ذكرنا في العدد الماضي أن الاقتداء برسول الله فريضة شرعية، وضرورة حياتية، مشددين القول على أن الناس جميعًا في حاجة ماسة اليوم إلى الاقتداء بمحمد لتحقيق النجاح المطلق في الحياة، والسعادة في الدنيا والآخرة، وتطرقنا إلى أبرز معوقات هذا الاقتداء، مطالبين بالتمييز بين مجموعة من الصفات المهمة التي يجب أن يقتدي فيها الدعاة برسول الله r ، وهو ما يُعرف بـ «القدوة الخاصة» التي يجب على الدعاة عمومًا والقادة خصوصًا الانتباه لها والحرص عليها، ومن هذه الصفات شدة سماعه لأصحابه والإقبال على حديثهم بالاهتمام والتصديق، وإشعار كل فرد منهم بأهميته وأهمية ما أتى به من خبر أو اجتهاد أو رأي أو مشورة أو سؤال، والرحمة والشفقة وجميل حسن المصاحبة، وإظهار الحب لجميع الأتباع والشعور العاطفي الفياض بهم، إضافة إلى تيسيره على أصحابه وأتباعه وأمته، وهذا من باب الحب والشفقة والرحمة، ومشاركته لهم في الجهد والمشقة، علاوة على حفاظه دائمًا على الشورى وحرصه عليها. واليوم نكمل ذكر تلك الصفات:
6- سياسة التفويض: هو أن يكلف القائد شخصًا أو فردًا ينوب عنه في أداء بعض الأعمال، وهذه السياسة تنبع أساسًا من يقين القائد بعدم قدرته على أداء كل الأعمال بمفرده لكنه يعمل من خلال فريق عمل متكامل، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يولي أصحابه أو يفوضهم للقيام بكثير من الأعمال، فأرسل الطفيل بن عمرو الدوسي إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام بعدما أسلم، وأرسل مصعب بن عمير سفيرًا إلى أهل المدينة يعلمهم الدين ويدعو القوم إلى الإسلام، وكان يعقد السرايا للصحابة، وأمر حذيفة يوم الأحزاب أن يأتيه بخبر القوم، وقام حذيفة بدور المخابرات العسكرية الإسلامية، وهذا غير صنيعه (صلى الله عليه وسلم) يوم بدر عندما خرج بنفسه مع أبي بكر يستكشف، كأنه يومها كان يعلم الناس، وولى على الجيش يوم مؤتة، وكان جيشًا عظيمًا قوامه ثلاثة آلاف مسلم وهو أكبر جيش من حيث العدد يتحرك من المدينة وقتها ورتب على القيادة زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة، وفوض عثمان بن عفان بمفاوضة قريش يوم الحديبية، وأمر أبا بكر على الحج عام الوفود، واستعمل أسامة بن زيد على جيش يضم كبار الصحابة.
وإذا كان التفويض هو أمر طبيعي تحتاج إليه أي قيادة فإنه ينبني على أسس منها: الثقة في الجنود، العلم بمدى كفاءة هؤلاء الجنود، التوظيف الجيد لهذه الكفاءات بما يتناسب مع المهمة التي يقومون بها، إعطاء مساحة من الحرية للقائم بالأعمال لإنجاز مهمته دون الحاجة إلى الرجوع إلى القيادة المركزية في كل كبيرة وصغيرة، وتحمل أخطاء الولاة أو المكلفين بالأعمال والصبر عليهم، مثلما حدث في سرية نخلة عندما قاتل عبد الله بن جحش الأسدي وأصحابه عيرًا لقريش في آخر يوم من رجب وهو من الأشهر الحرم، فعاتبهم (صلى الله عليه وسلم) على ذلك وأطلق سراح الأسيرين وأدى دية المقتول إلى أوليائه.
وعندما بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بعد فتح مكة فأسرهم وعرضهم على السيف وهم يقولون صبأنا، صبأنا يريدون أسلمنا، ولكنهم لم يحسنوا النطق بها، ولما علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالخبر رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات»، (من أفراد البخاري على مسلم) لكنه استعمل خالدًا بعد ذلك على سرية ليهدم العزى، وأمره على سرية بعد غزوة تبوك، وأرسله إلى دومة الجندل فأسر أكيدر وجاء به إلى النبي، وهذا الصبر لا يعني عدم محاسبة الولاة أو توجيههم إذا وقعوا في خطأ، ومحاكمتهم لتبرير موقفهم إذا اتهمهم الناس، ومن هذا سؤاله لعمرو بن العاص عندما منع جيشه في إحدى السرايا أن يوقدوا نارًا للتدفئة، ولومه لأسامة بن زيد لما قتل مرداس بن نهيك بعد أن قال لا إله إلا الله في سرية غالب بن عبد الله الليثي، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) : «هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟»
كما أن الحكمة في التفويض تتجلى في عملية الاختيار المناسب للولاة وتعدد المقاييس في ذلك ورجحان عنصر الكفاءة دائمًا على عنصر الثقة والقرب من رسول الله r فولى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وهما حديثا إسلام على من هم أسبق منهما، وولى أسامة بن زيد -وهو حدث- على من هم أسن منه ويقول: إنه لخليق بالإمارة كما كان أبوه خليقًا بها من قبل، ويطلب منه أبو ذر أن يستعمله فيقول له: إنك ضعيف، وإننا لا نعطي هذا الأمر لمن يطلبه، وفيها إشارة إلى أن القوة والقدرة على القيام بالتكاليف أساس التكليف، قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦)
والحرص على عدم حب الزعامة وطلب الإمارة، وسياسة التفويض هي سياسة إفراز القادة الجدد وتدريبهم والثقة بهم وتحميلهم المسؤولية وإكسابهم الخبرة وتعويدهم على مواجهة الظروف واتخاذ القرارات، وهي سياسة تدل على عدم تمسك القائد العام تمسكًا أبديًا بالقيادة، وعدم شعوره بأنه وحده الزعيم الملهم القادر على حل جميع المشكلات، لكنه قائد تتجلى قدرته الحقيقية في صنع القيادات وثقلها وإحلالها في العمل تدريجيًا لمواجهة الأعباء والمسؤوليات.
7- الصدارة تبحث عنه وهو لا يبحث عن الصدارة
كان (صلى الله عليه وسلم) لا يوطن الأماكن -لا يميز لنفسه مكانًا- إذا انتهى إلى القوم جلس حيث انتهى المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسة أن أحدًا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه لحاجته صابره حتى يكون هو المنصرف عنه... إذا سكت تكلم جلساؤه لا يتنازعون عنده الحديث من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر على الغريب وعلى الجفوة في المنطق، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ، كان أشد الناس تواضعًا وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، وكان لا يدع أحدًا يمشي خلفه، ولا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خدمه...
وكان في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: علي ذبحها وقال آخر: علي سلخها وقال آخر: علي طبخها، وقال (صلى الله عليه وسلم) : «وعلي جمع الحطب، فقالوا نحن نكفيك، فقال: قد علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه، وقام وجمع الحطب».
فأين أخلاقه بأبي هو وأمي ودنياي كلها ممن يحبون تصدر المجالس والترفع على القوم، إذا مشوا وسع لهم غيرهم في الطرقات وتبعهم الأتباع، وإذا جلسوا ففي الصدارة، وإذا حدثوا ارتقوا الوسائد العالية بينما العامة على الأرض، ولو كان بهم مرض يعجزهم عن الجلوس على الأرض مع أتباعهم، لم يستأذنوا في ذلك ولم يعتذروا عنه، كأنهم يرونه حقًا مطلقًا لهم أن يتميزوا عن العامة بما فتح الله عليهم من علم، أو وهبهم من حسن حديث أو كلفهم من مسؤولية.
8- البساطة والتواضع والحضور الدائم في وسط الأتباع:
تأخذ الأمة بيديه (صلى الله عليه وسلم) في طرقات المدينة ليقضي لها حاجتها، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويعمل بیده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشرًا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، لم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم ويشهد جنائزهم ولا يحقر فقيرًا لفقره»، (أخرجه أحمد (25341)، وعبد بن حميد في ((المسند)) (1480) سهل الدخول عليه r بغير حرس ولا حاجب.
تدخل عليه وافدة النساء فتقول: ذهب الرجال بالأجر، وتدخل عليه خولة بنت ثعلبة فتشتكي له من ظهار زوجها لها، ويدخل عليه بلال ليؤذنه بالصلاة، تشعر من كل سطر من سطور سيرته (صلى الله عليه وسلم) أنه بينهم، يناديه أصحابه من وراء الحجرات عند حاجتهم إليه، حتى يضع له الله سبحانه وتعالى الحدود من فوق سبع سماوات لحيائه (صلى الله عليه وسلم) من أصحابه، كان يعطيهم من نفسه كل شيء فينزل قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات: ٤)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣)
9- إذا أراد شيئًا أو أحبه أستأذن فيه ولم يجعله شرعًا أو يصدر به قانونًا أو لائحة تفصيلية:
أسر زوج ابنته زينب رضي الله عنها يوم بدر، فأرسلت في فدائه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رق لها رقة شديدة واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوه، في مرض موته r شعرت نساؤه برغبته أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها، فأذن له في ذلك فخرج إلى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب .
قد تقدم استئذانه من القوم لما أراد إرجاع السبي إلى هوازن عن سهل بن سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتله وضعه رسول الله في يده». (أخرجه مسلم )
وفي سنة ست من الهجرة خرج أبو العاص في تجارة إلى الشام، وفي طريق عودته بعث الرسول زيد بن حارثة في سرية فاعترضوا غيره واستاقوها وأسروه، فبعث أبو العاص إلى زينب يستجير بها فأجارته وقبل الرسول وقال للمسلمين: «إنكم قد عرفتم مكان هذا الرجل منا، فإن تردوا عليه ماله، فإنا نحب ذلك وإلا فماله في لكم فردوا عليه ماله» لا محاباة ولا استثناءات، ولا قوانين يتم تفصيلها وفق الظروف وعلى حسب الأهواء، وهذه هي المساواة الحقيقية التي يريدها الإسلام أن تتمثل في دعاته، وما أعظم الدعاة حينما يتمسكون بها، إنهم يزدادون عظمة من حيث يحسبون أنهم يزدادون تواضعًا ومساواة مع الجنود والأتباع، وليس سر عظمتهم ينبع من تميزهم وعلوهم ولكن سر العظمة ينبع من قربهم حينئذ من خلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .
د. مجد الدين صادق.. مجاهد رحل.. إلى رحمة الله
انتقل إلى رحمة الله تعالى الأخ الدكتور مجد الدين صادق - طبيب الجراحة السابق بمستشفى الصباح بالكويت، وكان -يرحمه الله- من الرعيل الأول في جماعة الإخوان المسلمين، وبعد تخرجه في كلية الطب جامعة عين شمس، وفي أثناء تأديته سنة «الامتياز» تعرض مع إخوانه للاعتقال سنة ١٩٦٥ في سجن طرة الشهير الذي قضى خلف أسواره تسع سنوات -دون محاكمة- تعرض فيها لتعذيب شديد، كانت نتيجته تكسير عظام قفصه الصدري، وهو ما خلف آثارًا سلبية على صحته بقية عمره، وكان في محنته مثالًا للصبر والثبات والصدع بكلمة الحق في وجه زبانية عبد الناصر، متمسكًا بدعوته، مراعيًا حقوق إخوانه، حتى إنه عقد قرآن أخته الدكتورة راوية، على أحد إخوانه المعتقلين معه، وهو الأخ المرحوم الدكتور علي حتحوت، وأقام الإخوان داخل السجن أمسية شعرية بهذه المناسبة، وثقها الحاج أحمد أبو شادي في كتابه «رحلتي مع الجماعة الصامدة».
وقد عرف عن الدكتور مجدي بره الشديد بوالديه وإخوته، وبعد خروجه من المعتقل علم أنه محروم من العمل في مصر، فغادرها متوجهًا إلى الكويت التي سبقه إليها الدكتور علي حتحوت والدكتورة راوية، وكان حريصًا على إكمال دراساته العليا، وتنمية قدراته المهنية، فالتحق بأكثر من جامعة أوروبية ونال منها درجة «الزمالة» في الجراحة.
وفي أثناء ذلك كان دائم الحرص على بر والده الشيخ «صادق» الذي كان مسؤولًا عن شعبة الإخوان في قريتهم «الكفر الشرقي» بمحافظة كفر الشيخ، وأرسل في طلبه ليقيم معه في الكويت، وكان الشيخ صادق دائم الدعاء لله بأن يرزقه الثبات على الحق، وأن يدفن في «البقيع». وقد استجاب الله دعاءه. ففي إحدى السنوات خرج لأداء فريضة الحج بصحبة ابنته وزوجها، ومات في الأراضي المباركة ودفن بالبقيع.
وفي سنة ١٩٩٦، قرر الدكتور مجدي العودة إلى مصر والاستقرار بها، فأنهى خدمته وودع إخوانه، وشاءت إرادة الله أن تتكالب عليه الأمراض التي استقبلها راضيًا محتسبًا، وكان لا ينفك خلال فترة المرض، يدعو الله تعالى ألا يفتنه في دينه، حتى قبضه الله على ذلك، ودفن بمدينة «الزقازيق»، يوم الجمعة 23/ 8/ 2002.
نسأل الله أن يتقبله في الصالحين وأن يسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل