; عبد العزيز بن موسى بن نصير رائب الصدع.. وفاتح شرق الأندلس وغربه | مجلة المجتمع

العنوان عبد العزيز بن موسى بن نصير رائب الصدع.. وفاتح شرق الأندلس وغربه

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 03-مارس-2007

مشاهدات 41

نشر في العدد 1741

نشر في الصفحة 66

السبت 03-مارس-2007

     عبد العزيز بن موسى بن نصير: ظلم مرة وغمط دوره أخرى، ظلم بتشويه ما عرف من عمله، وغمط بجهل دوره الكبير في إتمام فتح الأندلس، الذي بدونه كاد أو كان سيضيع، فثبت أركان هذا الفتح العظيم، وهو أحد أولاد موسى بن نصير، وتعرف منهم خمسة، كلهم مجاهدون، هو وعبد الله (أكبرهم) وعبد الملك، وعبد الأعلى، ومروان الذي يقال إنه (أو أحد ممن) قتل «لذريق» ملك وقائد القوط في معركة شذونة.

     أما غمط حقه، فقد حجب الكثير مما قدم من دوره الجهادي في الأندلس، حيث يتزاحم مع ما قدمه أبوه موسى وطارق، ثلاثتهم أتموا الفتح، وبجهودهم المباركة تكاملت عمليته الباهرة، فعندما ترك موسى وطارق الأندلس في ذي الحجة ٩٥هـ، عين عبد العزيز واليًا واتخذ إشبيلية عاصمة للأندلس، واستمر أكثر من سنتين حتى مقتله.

     بدأ الوالي عبد العزيز بترتيب وإقرار ما تم فتحه وتثبيت واستكمال ما لم يتم، فقام بكل ذلك وأداه بأحسن وجه، فكان أول والٍ للأندلس، وضع أسسًا للسياسة الإسلامية اقتفاها الولاة بعده.

     كان عبد العزيز تقيًا صوامًا قوامًا قويًا وحريصًا، مع نشاط وإقدام، كما كان إداريًا وعسكريًا ماهرًا، إلى جانب حبه للإصلاح والقيام به دون تأخر.

      نظم أحوال البلاد، لم يثنه ذلك عن إتمام الفتح، قضى على الجيوب، أشادت مصادر بجهوده لخدمة الأندلس، حيث «ضبط سلطانها، وضم نشرها، وسد ثغورها، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة، مما كان قد بقي على أبيه موسى منها، وكان من خير الولاة، إلا أن مدته لم تطل». وكانت سياسته تجاه المجتمع تتسم بالرفق والاعتدال والوفاء بالعهود في كل الظروف، حتى لو فوت نفعًا.

     فلم يحدث أن نقض المسلمون عهدًا أبرموه أبدًا، وكان عبد العزيز من أول من سار بهذا النهج الإسلامي الفريد المشهود، حتى حين خدعهم «تدمير»، لكنهم مضوا على الوفاء له، وكان الوفاء عادتهم.

      إن المتابع لما ورد في المصادر عن عبد العزيز يجد ما يذهله من سعة الفجوة بين واقعه وكثير مما ورد عنه فقرًا ومكرًا، لنوعيته الفذة ونشاطه المتنوع المتقن.

     ولدى تدبرها وإمعان النظر في حياته ليعجب كيف غيمت وخيمت عليها من الظلم الذي شمل مرة تحجير وتضمير سيرته، وأخرى تشويه ما تبقى منها، أو إن شئت القول إنها توزعت بين الحجب والشجب، وهو في كليهما مظلوم.

     فلا بد من المتابعة لمعرفة ما غاب من أخباره والعمل على تجلية حقيقة ما حضر منها، لكن الاستدلال بالقليل الجيد من أخباره ليدل على فخامة وضخامة وكرامة ما قدمه كمًا وكيفًا.

      تذهب بعض المصادر إلى أن عبد العزيز تزوج أرملة لذريق ملك القوط، واسمها أجيلونا (Egilona أيله) ويسمونها: أم عاصم، وغير واضح إذا كانت قد أسلمت، ولا أستبعده لا سيما بعد الزواج، وأرشح أنه أقدم على ذلك لكسب ود قومها القوط، وإلا فالتوقع أنها كانت كبيرة، ولا مانع من قبول هذه الرواية، والأمر مألوف لا سيما في الأندلس.

     لكن هنالك مانع وألف مانع من قبول بقية القصة، وهي أنها دعته للتنصر ففعل، وألبسته التاج كالملوك، ووضع مدخلًا يضطر الداخل إليه للانحناء ولذلك قتل.

    الغريب من أين أتت هذه الحكاية؟ ألا يمكن أن تكون كنسية؟ لا فرق بينها وبين حكاية ابنة يليان وفتح الأندلس، بل أكثر إغراقًا.

      كيف يمكن أن يقبل هذا لإنسان تموج حياته بالتقوى والزهد والجهاد، ومن أسرة معروفة به؟ وفي أقل القليل أنه بعد توليه الأندلس استمر في الفتح والجهاد، وحتى حياته الخاصة بقي في بيته البسيط القريب أو المجاور للمسجد الذي كان ملتقى المسلمين ومجمع مداولاتهم وموضع عبادتهم، الذي كان هو يؤمهم فيه، حتى لدى مقتله في صلاة الصبح، وكان يمكنه أن يسكن أحد القصور المتاحة له، حيث كانت إشبيلية إحدى عواصم أربعة يتداولها القوط.

     الذي يبدو أن بعض أولاد موسى دخلوا الأندلس مع أبيهم (٩٢ه‍) مجاهدين، كان منهم عبد العزيز ومروان، وكلف كل منهما بمهمات الفتح، وأن عبد العزيز كان في ركاب والده خلال فتحه لمدن قبل طليطلة، فوجهه لاستكمال أو إعادة فتح إشبيلية، ثم فتح لبلة Niebla وباجة Beja (البرتغال)، وأقام بإشبيلية عقب شوال سنة ٩٣هـ، ويوم ترك موسى الأندلس عام ٩٥هـ اختاره واليًا.

     لكن لدينا معلومات أن عبد العزيز -خلال ذلك- فتح مناطق في شرقي الأندلس قبل ابتداء ولايته من مثل تدمير، ووقع مع أهلها صلحًا، وهي من الوثائق الأندلسية القليلة التي وصلتنا، ونصها: «هذا كتاب من عبد العزيز بن موسى لتدمير، رجب سنة ٩٤هـ». والظاهر أنه فتح مناطق هناك، ربما قبل ولايته وخلالها في شرقي الأندلس لعله حتى بلنسية Valencia وكذلك في غربيه، حتى استقرت الأمور، ثم قام بالتنظيم والحفاظ على أهداف الفتح والعمل على إقرار الأوضاع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 451

58

الثلاثاء 26-يونيو-1979

بالإيمان وحده

نشر في العدد 1857

43

السبت 20-يونيو-2009

مساحة حرة العدد (1857)