; الأندلس في ذاكرة رمضان.. أمجاد قامت على التقوى | مجلة المجتمع

العنوان الأندلس في ذاكرة رمضان.. أمجاد قامت على التقوى

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009

مشاهدات 70

نشر في العدد 1867

نشر في الصفحة 48

السبت 29-أغسطس-2009

الفاتحون المسلمون جابوا مدائن الأندلس ونشروا فيها الضياء.. ففي رمضان ۹۳هـ عبر موسى بن نصير وعسكر في الجزيرة الخضراء.

في الشهر الفضيل سقطت مدن «سرقسطة» سنة ٥١٢هـ و «بلنسية» سنة ٦٣٥هـ و «شاطبة» سنة ٦٤٥هـ.

استمر الفتح الإسلامي يقوده الفاتحون يجوبون مدائن البلاد الأندلسية، ينشرون فيها الضياء حتى كان رمضان من العام القابل ٩٣هـ، حيث عبر موسى بن نصير إلى الأندلس قادما إليها من سبتة ميناء الفتوح عبر المضيق ليعسكر في الجزيرة الخضراء، حيث يتجمع جند الدعاة والدعاة الجنود فيها ويدرسون الأحوال ويضعون الخطط وينظمون الأمور لما افتتح من مواقع منذ عبور طارق إليها قبل عام، حتى إذا ما استكمل جنده العبور إليها براياتهم.

لم يرحل عن الجزيرة التي اخضوضرت بدين الله، وهو أجمل سبب لاسمها من هذا المعنى إلى خضرة البحر المضيق حتى أقام فيها مسجد الرايات لاجتماعها بهاتيك الملتقى.

وفي رمضان سنة ٩٤هـ جرى فتح مدينة «ماردة» صلحًا، بعد حصار لأشهر سبقت من ذلك العام.

لا شك أنه خلال سني الفتح؛ حيث الانتصارات مستمرة على مدار سنواته الأربع أو تزيد، وبعدها عن أحداث جرى منها فيض رمضان غير قليل، واستمرت السنوات والـقـرون على الأندلس تدور أعوامها تحمل الأحداث المتنوعة وتبني لبنات الحياة الكريمة والحضارة المنيرة متمثلة بكل أشكالها وأحوالها وصورها المضيئة منبئة عن الحقائق الفضلى التي امتلكتها في رمضان وغيره، نستوقف بعضها في اختصار يستوعب الأخبار عنها.

نَصْرُ مُتَحَضّر وإبداعٌ مُتَجَدِّر

فكم من انتصارات تعددت ميادينها وأضاءت معانيها واتسعت أخبارها جرت فيه نصر هو الجهاد رؤساؤه قادته الدعاة والأعلام وحاملو راياته من كل لون بالسلاح في المعارك، وفي ميادين السلم لإقامة الخير والحق والفضيلة عبادة خالصة، في مسجد يقام وعلم ينتشر، وأداء طاعة وعمل، ودعوة لدين الله وتدوين بالأقلام على صفحات بيض أبهي كلام، وحق أقيم ومُثْل تَنْبُت وفضائل تُغْرَس تُسقى بماء واحد كريم، تزدهر الحياة ويعم خيرها، لكل من استظل بظلها وعاش في حماها وتمتع بثراها. كل ذلك يحرسها الدعاة من الميامين والمجاهدين في كل الأحوال والألوان والأنواع، أمر لا بد منه على الدوام وفي كافة الأوقات والأعوام حارس لا ينام.

وفي رمضان سنة ٣٦٠هـ كان هجوم المجوس النورمان من بلاد الدانمارك، على الأندلس فصدهم المسلمون وحَمَوا الأندلس من شرهم، فعادوا خائبين لا يلوون في هذه على شيء مما أرادوه.

وفي رمضان أو قبيله من عام ٤٥٦هـ حاصر وهاجم هؤلاء النورمان مدينة «بَرْبَشتَرُ» شمالي الأندلس - بعد أن تنصروا - فحثهم البابا «إسكندر الثاني» إذا أرادوا التقرب وخدمة النصرانية أن يقتلوا المسلمين في الأندلس والصليبية قديمًا مثلما تفعل حديثًا لبست أثواب الدين؛ فدخلوا المدينة بعد حصار دام أربعين يوما أو يزيد، واستباحوها في أبشع الصور المعروفة عن الصليبية التي جرت في الشرق الإسلامي.

وإذ ما جرى في الغرب الإسلامي كثير منها ومغرب في وحشيته، وهـذه إحدى اللوحات السوداء ارتسمت بيد الصليبية العمياء؛ فارتكبوا من المناكر واستباحوا الأموال والدماء وفتكوا بالناس وهتكوا الأعراض، إلى حد أنهم انتقوا آلاف المسلمات الأبكار يوزعونهن هدايا على الزعماء من وحوش الملوك في أوروبا الصليبية؟!

جرى ذلك رغم معاملة المسلمين للمغلوبين في تلك الديار خير معاملة عرفها التاريخ معبرة عن معاني هذا الدين ومنهجه الرباني الكريم، ولكن شاء الله أن يرد الكيد ويجتمع المسلمون بنداء الجهاد «الله أكبر»، ليتقاطر إلى تلك المدينة في هاتيك الظروف من أيام الطوائف البائسة بسيوف الجهاد، وينظفوا تلك المدينة ويغسلوها من النجس، ويجلو عنها تلك الوحوش الكاسرة، ومن الغريب أنه في كل تلك الأحداث اسْتُشْهد خمسون مجاهدًا من المسلمين، حقًا إن ضحايا الجبن والخوف أكثر بكثير من الجرأة والإقدام والتقدم للبذل والتضحية، والبون واضح في حقيقته ومدلوله ونتائجه في الصورة والمعنى، والجزاء جزاء الإيمان وشجاعته وإقدامه على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله وطلبا لرضاه، والإيواء والاحتماء بظله يوم القيامة إن شاء الله تعالى.

عبْرَةُ التلقي والمحاكاة

وهكذا نسير لنتقدم للقارئ بشرائح ولقطات من تلك الأمجاد الشامخات خلال هذا الشهر الكريم؛ ففي رمضان من عام ٥٢٨هـ أيام المرابطين كانت معركة «إفراغه» شمالي الأندلس التي انتصر فيها المسلمون صفحة من التضحيات والجهاد دفاعا عن الدين وأهله يقوده المرابطون الأنجاد وأهل الجهاد من الشمال الأفريقي.

انفراط آخر العقد

ثم تمضي السنوات التي دكت فيها كثير من الحصون وتناقصت الديار، لكنها ما كانت تخلو من الجهاد وصفحات بيضاء حتى كانت آخر العقد مملكة «غرناطة» التي ابتدئ تأسيسها مملكة ببيعة الشيخ الغالب بالله محمد بن يوسف بن نصر المعروف به ابن الأحمر» في رمضان سنة ٦٣٥هـ؛ حيث تتابعت الأحداث المتنوعة مدًا وجَزْرًا، حتى استسلام، ثم سقوط وتسليم هذه المملكة في الثاني من ربيع الأول سنة897هـ (2/1/1492م)

محنة التفتيش ومدلولها

وتتابع القتل والتشريد والتنكيل المريع بالعقيدة، وأهلها وهو أقصى وأقسى وأفنى تنكيل على المسلمين خلال قرون تلت هذا التاريخ، وكان رمضان يجري بصمت كئيب وحس مغلوب ونظر باك على تلك الأمجاد حيث يمر وهو يحمل إليهم تلك الذكريات في شتى المواطن والصور والمرابع، ليقض مضجعًا ومَهْجَعًا، وهم في ذلك البؤس منكوبون مطاردون خائفون ضاقت عليهم أرض الله، حتى ليكادوا ينسون تلك الذكريات الباهرات النيرات المتكاثرات، فما عادوا يرونها، فغابت عنهم عقب غيبة الكثير من معانيه وكم ارتَكَبَتْ محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال - أو إن شئت القول في الأندلس الذبيح – في حق المسلمين أكبر الآثام في حربها للدين باسم ما ادعت زورًا من دين حيث قضت على الملايين جاهدة لتطرد الإيمان والنور والخير والحضارة في أرضها، ويخيم الظلم والظلام، بعدما زهت تلك الأيام في تلك الأرض بنور الله تعالى، على مدى ما يزيد علي ٨٠٠ عام من الأعوام امتلأت خيرًا وبرًا.

تجدد الآمال والإقبال

هل يبدو من الغريب أن ترى الآن أو فيما بعد في إسبانيا تباشير الآمال ببداية انبثاق نور الإسلام تحمله قلوب من أهلها القائمين قادمة إليه يومًا تعتنقه، رغم ما خلفته تلك الأحداث من تغلغل تلك الروح من مكامن وبواطن الصليبية الكاثوليكية العتيقة التي لا بد أن يعف عليها الزمن بتوفر حسن النظر الذي بدأ يتجدد وينمو ويفرع، تتولى غرسه وتستنبت معانيه، لتزدهر في النفس وتنطلق تلك الأرض الكريمة الندية الأبية شجرة في باسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء لتؤتي أكلها جديدًا.

كان رمضان على الدوام شهر البر والخير يزداد جمالا وكثرة ونعمة عند المسلمين.

مستقبل الأيام وَلُود

كان ذلك يتم باطراد يوم تمثل المسلمون بكل أوضاعهم ومواقعهم ومسؤولياتهم معاني رمضان والقرآن الذي أنزل فيه، وسيرة الرسول الكريم التي أرادها الله تعالى أن تكون قدوة حسنة، صورة لهذا الدين العظيم فكان خلقه القرآن.

والأمل الآن أن تكون العودة الصادقة لهذا الدين آتية بعون الله تعالى نشم روائحها ونرى أعلامها ونحس آثارها، وهي تعلم أنها تسلك طريق الجهاد والاستشهاد في الله، وإقامة شرعه وحمل رايات هذا الدين عندها ستسير أعلام الإسلام في البلاد خفاقة تحوز جنته ورضاه سبحانه وتعالى إن شاء الله، وفي الحياة تشيع أمنًا وحضارة تهدي البشرية إنسانيتها وتقيم نور الله في أرضه وتقوده إلى سعادته في الدارين، وهي لأهل الأرض من كل الديار والأمصار والأجيال.

فليكن رمضان وغيره كذلك عبقًا مباركًا مليئًا بالأمجاد القائمة على التقوى والطاعة وهو حاضر بيننا استشهادًا وجهادًا في كل ميدان، وعندها ينصر الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، وبذلك تتعطر كل الأيام والأعوام بنفحات الخير، مثل نفحات تلك الأيام الكريمة المباركة المزدهرة جديدة قوية مليئة بمعاني الإسلام إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات.

(*) أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1229

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

119

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

111

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع