العنوان ويسألونك عن المحيض قل هو أذى
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1987
مشاهدات 69
نشر في العدد 799
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-يناير-1987
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (البقرة:222)
- الإسلام وحده على الجادة وسط الطريق لا يلغي الفطرة ولا الغرائز، ولكنه يهذبها.
- الإسلام ينظر إلى المحيض على أنه عملية فسيولوجية بحتة لا تستدعي احتقار المرأة كما تنظر إلى ذلك الديانات السابقة.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 222-223)
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يجامعوها» فسأل الصحابة رضي الله عنهم ما يصنعون فقال: اصنعوا كل شيء إلا النكاح» أخرجه مسلم في صحيحه.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر نساءه فوق الأزار. وروت أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت مضطجعة مع النبي صلى الله عليه وسلم في خميلة فحاضت فأنسلت من جانبه فدعاها الرسول الكريم وقال لها: «أنفست أي حضت فقالت نعم فدناها فاضطجعت معه في الخميلة» «أخرجه البخاري ومسلم»
وأخرج الشيخان أن عائشة رضي الله عنها كانت ترجل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد وهي حائض في بيتها.. وأنه كان يقرأ القرآن وهو متكئ في حجرها مما تقدم يتبين موقف الإسلام مع المرأة أثناء الحيض حيث رفق بالمرأة على عكس ما كان مقررًا عند اليهود حيث جاء في سفر اللاويين من الإصحاح الخامس عشر من التوراة المحرفة التي يتعبد بها اليهود والنصارى اليوم «إذا كانت امرأة لها سيل. وكان سيلها دمًا في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها. وكل من مسها يكون نجسًا. وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى الماء.. وأن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسًا سبعة أيام. وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسًا».
فنظرة الإسلام إلى المحيض تختلف إذن عن نظرة الديانات السابقة فهو ينظر إليه كعملية فسيولوجية بحتة لا تستدعي احتقار المرأة ولا امتهانها، بل يرفق بها رفقًا شديدًا. ويقبل الرسول زوجاته أثناء المحيض، بل و يباشرهن فوق الأزار. و يقول لعائشة عندما حاضت وهي في الحج فبكت فتودد إليها الرسول الكريم وخفف من حزنها وقال لها: «إن هذا شيء قد كتبه الله على بنات آدم. وافعلي كل شيء غير أن لا تطوفي بالبيت».
كما خفف الإسلام عن المرأة كثيرًا من واجباتها الدينية أثناء الحيض فأسقط عنها الصلاة وأعفاها من الصوم وأمرها بالقضاء في أيام أخر.. وأمر زوجها بعدم مجامعتها في المحيض لأن الوطء في المحيض أذى.. واللفظ القرآني دقيق معجز حيث قال رب العزة عنه أنه أذى.. ولم يقل نجس كما أخطأ بعض المفسرين والفرق بينهما كبير.
لماذا المحيض أذى؟
يقذف الغشاء المبطن للرحم أثناء الحيض. ويكون الرحم مثل الجلد المسلوخ. فهو معرض بسهولة لعدوان الميكروبات الكاسح وأوضحت الأبحاث الطبية أن دم الحيض يحتوي على كمية كبيرة من البروستاجلاندين التي تسبب الاحتقان في حوض المرأة وآلام الطمث ورخاوة عنق الرحم مما يجعل فتحته الضيقة تتسع فيؤدي ذلك إذا حصل الجماع إلى دخول البكتيريا والدم بسهولة والجدير بالذكر أن المني يحتوي أيضًا على كمية كبيرة من مادة البرستاجلاندين فإذا تجمعت هذه المادة أثناء الحيض كان ذلك إيذانًا بدخول الميكروبات. ومما يزيد الطين بلة أن مقاومة المهبل لغزو الميكروبات تكون في أدنى مستواها أثناء الحيض وذلك للأسباب التالية:
ا- نقص بكتيريا دودرلين التي تعيش في المهبل، أثناء الحيض، والتي تجعل إفرازات المهبل حامضية.. ويؤدي ذلك إلى جعل إفرازات المهبل أقرب إلى القلوية وأقل حامضية.
2- يرق جدار المهبل أثناء الحيض.
٣ - تقل المواد المطهرة في المهبل إلى أدنى مستوى لها أثناء الحيض.
لهذا فإن إدخال القضيب إلى المهبل أثناء الحيض ليس إلا إدخال للميكروبات في وقت تكون فيه أجهزة الدفاع في أدنى مستوى لها.
كما أن وجود الدم في المهبل والرحم لمما يساعد في نمو تلك الميكروبات وتكاثرها. ويقول كتاب THE PRINCIPALS AND PRACTICE OF INFECTIOUSDISEASES أن ميكروب السيلان «الجونوريا» يزداد ضراوة وشراسة في وجود دم الحيض. وسرعان ما ينتقل إلى بقية أجزاء الجسم لوجود عنصر الحديد الذي يساعد على شراسة ونمو ميكروب السيلان.
ويعتبر الجماع أثناء الحيض من أسباب التهاب قناتي الرحم مما يؤدي إلى التأثير على الأهداب الموجودة في بطانة غشاء قناتي الرحم.. ويؤدي ذلك إلى العقم أو الحمل خارج الرحم.
وتكون تقلصات قناة الرحم على أشدها في أثناء الحيض وتكون على هيئة نوبات فجائية من التقلصات ثم تعقبها فترات من الهمود بينما يكون البرزخ مرتخيًا بسبب البروستاجلاندين الموجود في دم الحيض وكذلك في المني.
فإذا حصل الجماع أثناء الحيض أدى ذلك إلى انتقال جزء من بطانة الرحم عبر الأنابيب المفتوحة وكذلك تسمح بمرور الميكروبات مما يؤدي إلى التهاب قناة الرحم «أنبوب الرحم».
وفي الجماع تحصل تقلصات لعضلات الرحم فإذا حدث الجماع أثناء الحيض كان ذلك مؤذنًا بانتباذ قطع من غشاء الرحم إلى مناطق أخرى من الجسم انتباذ بطاني رحمي فتلتصق هذه القطع في أنحاء من البطن والأحشاء وتنزف وقت العادة فتسبب آلاما قد تكون شديدة في البطن. كما يؤدي ذلك أيضًا إلى الإصابة بالعقم.
وبما أن الحيض عملية فسيولوجية تنخفض فيها عمليات الأيض إلى أدنى مستوى لها كما تقل فيها أيضًا إفرازات الهرمونات بالجسم فإن درجة حرارة الجسم تنخفض أثناء الحيض بمقدار درجة مئوية.
وتقدي هذه التغييرات بالإضافة إلى آلام الطمث إلى أن تصاب كثير من النساء بحالة من الكآبة والضيق وخاصة عند بداية الحيض.
وتكون المرأة بالذات في هذه المرحلة متقلبة المزاج سريعة الاهتياج قليلة الاحتمال، كما تكون حالتها الفكرية في أدنى مستوى لها أثناء الحيض.
لهذا نهى الرسول الكريم الشفيق بالمرأة أن تطلق المرأة أثناء الحيض. واعتبر ذلك من الطلاق البدعي المكروه كراهة شديدة والذي يأثم فيه من يقوم به - والطلاق إذا كان لا بد أن يقع فليكن في فترة طهر لم يجامعها فيه «وحكمة عدم مجامعتها فيه أن لا تطول فترة العدة بالحمل تسعة أشهر».
وعادة تقل الرغبة الجنسية عند المرأة أثناء الحيض.. وهذا أمر فسيولوجي إذ أن الجهاز التناسلي في هذه الفترة في حالة غير عادية... والجماع في هذه الآونة لا يؤدي أي وظيفة فسيولوجية إذ لا يمكن أن يحدث حمل مطلقًا أثناء الحيض، بل على العكس يؤدي إلى كثير من الأذى.
وتؤدي الالتهابات الموجودة في الجهاز التناسلي إلى التهاب المجاري البولية المجاورة كما أن هناك احتمالات بزيادة نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم إذا تكرر الجماع أثناء الحيض.
ولا يقتصر الأذى على المرأة الحائض وإنما ينتقل الأذى أيضًا إلى الرجل الذي وطأها أثناء الحيض. وإدخال القضيب في المهبل المليء بالدماء يؤدي إلى تكاثر الميكروبات.
والتهاب قناة مجرى البول لدى الرجل.. وتنتقل الميكروبات إلى المثانة والبروستاتة إلى الجهاز البولي التناسلي بأكمله.. ومما يساعد على ذلك وجود الدم ومادة البروستاجلاندين الموجودة بكثرة في دم الحيض. هذا موجز للأذى الذي يصيب المرأة والرجل إذا حدث الوطء في الحيض، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: ٢٢٢)
ومن كان به رغبة وأراد أن يستمتع بزوجته أثناء الحيض فلا بأس أن يفعل ذلك بشرط أن يكون فوق الأزار إذا وثق من نفسه أنه لا يتعدى الحدود.
والاستمتاع بالحائض فوق السرة ودون الركبة مباح بلا خوف عند الفقهاء والجماع في الفرج حرام بالكتاب والسنة. قال الإمام الشافعي: من وطئ الحائض وهو عالم بحالتها عالم بالتحريم غير جاهل فقد أتى كبيرة.. وقال العلماء من استحل وطء الحائض حكم بكفره لأنه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة.
ومما سبق يتبين رفق الإسلام بالمرأة وخاصة أثناء الحيض والأمر بالاعتزال لا يعني عدم المخالطة كما تفعل اليهود.
وفي العصور الحديثة تجامع المرأة وهي حائض... وبين التفريط والإفراط تضيع المرأة وكرامتها وصحتها.
ويبقى الإسلام وحده على الجادة في وسط الطريق لا يلغي الفطرة ولا الغرائز، ولكنه يهذبها ويرتفع بها ويوجهها الوجهة السليمة.. يأمر الرجال باعتزال النساء في المحيض حتى يطهرن ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. (البقرة:222)
و يقول لهم: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾ (البقرة:223) يبيح لهم الوطء في القبل دون الدبر.
وهكذا الإسلام دومًا دين الفطرة لا يلغي الغريزة ولا يكبتها بل يوجهها إلى غايتها النبيلة ويرتفع إلى القمة السامقة دون إفراط أو تفريط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل