العنوان مع الشاعر الإسلامي علي أحمد باكثير
الكاتب محمد أبو بكر حميد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 781
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
•
عاش باكثير طوال حياته «متهمًا» بالإسلام عقيدة وسلوكًا ومنهاج حياة!
•
أنضج أدباء العرب المسلمين في القرن العشرين.
•
أعلن باكثير أن وطنه وهمومه تقع في كل مكان يسكنه الإنسان المسلم.
يعتبر علي أحمد باكثير (1905-1969م) من أنضج أدباء العرب المسلمين
في القرن العشرين، ذلك لفكره الإسلامي المستنير ولتعدد مواهبه التي قلما اجتمعت لواحد
من أبناء جيله.
فمنذ هبط أديبنا إلى مصر مهاجرًا من موطنه حضرموت باليمن في غضون
1934م وجدناه يضرب في فنون المعرفة ويتصل بعمق بالآداب الإسلامية والأجنبية، وما يكاد
يتخرج من قسم الأدب الإنجليزي حتى يبرز في القاهرة كاتبًا مسرحيًّا لا يقل براعة في
هذا الميدان عن ميدانه الأول كشاعر. وكما عرفته مسارح القاهرة في الأربعينيات يقدم
الخطوات الأولى لمسرح عربي يستمد فكره من الإسلام تاريخًا وعقيدة، عرفته مجلات ذلك
الزمان فارسًا إسلاميًّا مجددًا، كمجلة «الفتح» التي يصدرها صديقه وأستاذه محب الدين
الخطيب- الذي كان له يد طولى في استقدام باكثير إلى مصر- ثم عرفته مجلة «الإخوان المسلمين»
شاعرًا وكاتبًا مسرحيًّا منافحًا عن العقيدة واقفًا في صفها شارحًا لقضاياها، هذا إلى
جانب مواقفه الحركية الشجاعة في الوقوف إلى جانب «الإخوان» في محنهم، مؤديًا دوره الإسلامي
بما يرضي ربه وضميره على نحو ما يروي الكاتب الإسلامي محمد علي الطاهر في كتابه «ظلمات
السجن».
مشاكل المسلمين
والدارس لأدب باكثير لا يملك إلا أن يضعه في مقدمة الرجال الذين
خدموا في دائرة مبشرات الدعوة لنهضة إسلامية حديثة، فالمتتبع لشعره وحياته في اليمن
يجد أن معاركه كانت هناك كلها من أجل التجديد، ومن أجل العودة إلى أصول الدين وترك
الخرافات التي ألصقت بالإسلام بجهل أو بقصد، ونجده دائمًا يردد بيته الشهير:
كيف النهوض لأمة منكودة
منيت ديانتها بسوء تفهم
ومما يؤكد عليه باكثير أن مشكلة الإسلام اليوم في أهله الذين أساؤوا
إليه. ثم ينظر هو إليه فيبكي بمرارة:
فإلى متى تبقون في حال لها
يبكي الحليم وتضحك السفهاء
ويتنهد باكثير بحرقة- في الثلاثينيات- فيزفر بهذه الأمة المقهورة:
أواه من ذل نكابده
لا نستطيع لثقله طرحا
إنا بني قحطان ذل بنا
أنا نسينا السيف والرمحا
هل نستعيد قوى بها فتحت
آباؤنا الشم الدنى فتحا؟
ونثور متخذين عدتنا
«دمنا الصـريح» و«ديننا السمحا»
ذخران لو في غيرنا اجتمعا
بلغ السماء وصافح النطحا!
أعداء الإسلام الطغاة
وحين نتأمل إنتاجه الزاخر المتعدد منذ وصل إلى القاهرة، وننظر إلى علاقاته الحميمة برجال الإسلام وقضايا المسلمين في كل مكان نجده لم يحصر نظره على الساحة العربية وحدها بل امتد إلى كل أرض يشهد فيها بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كما نجد في شعره ووقفاته مع رجال الإسلام في الهند وإندونيسيا وشرق إفريقيا وفي أوروبا، كما يشهد له صديقه العالم المجري المسلم عبدالرحمن جرمانوس. وإذا ما وقفنا أمام غضباته الشهيرة على الطغاة من حكام العرب حيث نجد أن أحد النقاد يشهد بأن شعره في هذا الجانب يندر له مثيل في شعرنا المعاصر، كما نجد في هذه الأبيات الغاضبة للحق الثائرة على الطغيان، وهو ينظر المذلة التي وصلت إليها هذه الأمة على أيدي أبطالها العظام في القرن العشرين!
يا بني العرب يا بني العرب لا
أسمع إلا الصدى إليَّ يعود
أين أنتم؟ لا در در أبيكم
أقصور تضمكم أم لحود
عرب أنتم؟ كذبتم كذبتم
إنما أنتم يهود يهود
لعنات من السماء عليكم
تمتريها صواعق ورعود
إن أصلاب يعرب براء
منكم، أيها العبيد العبيد
يا مسوخ الرجال يا سبة الأجيـ
ـيال موتوا على الهوان وبيدوا
اذهبوا للجحيم تطهر بلاد الضـ
ــاد منكم، ويأت خلق جديد
ويقف باكثير صارخًا في الكثير
من شعره ومبشرًا بقدوم العملاق الإسلامي مذكرًا الطغاة في العالم بيوم لا ريب فيه:
إذا استيقظ العملاق من طول نومه
وراع الورى منه نبي ومارد
فيا ويل «باريس» و«روما» و«لندن»
ويا ويل «قزم» بات فينا يعاند
رجوعا إلى ما خلف طوروس وارحـ
ــلوا إلى حيث ألقت رحلهن المكايد
خذوا معكم إلحادكم وفجوركم
فليس بنام في ثرانا المفاسد
فلسطين الإسلام
ومع قضايا الإسلام خارج الأرض العربية وقضايا الاستعمار في الأرض
العربية ومشاكلنا مع أنفسنا ومع الطغاة والمفسدين وأعداء الإسلام في بلادنا من سدة
الاستعمار بكل لونيه الظاهر والمستتر.
تداعت على قومي الشعوب فما ونت
إن الفساد إذا اعترى بلـدًا
فالمجرمون به هم الرسل
ثم نجد أن فلسطين هي أساس القضية الإسلامية عنده، وشعره عن فلسطين
وحدها بحاجة إلى دراسة مستفيضة مستقلة، لأنه لا يترك مناسبة إلا ويعرج على هذه القضية
على نحو ما نعرف وقوفه مع إخوانه من «جمعية الشبان المسلمين» محييًا الزعيم الإندونيسي
سوتومو:
يا زعيم الإسلام في إندونيسيا
عش زعيمًا ليحيى شعبك شعبا
أنت أسمى من أن أزيدك ذكرى
بفلسطين أنت أرحم قلبا
أو أن يقول:
وفلسطين هل أطيق مقالًا
عن فلسطين أم أحير جوابا
وفلسطين آه ويح فلسطين
تعاني من العذاب عذابا
وينتهي شاعرنا الإسلامي بأن
فلسطين لن تعود إلا بجهود إسلامية خالصة، وأن العرب إذا استكملوا عقيدتهم والتفوا حولها-
كما في سالف عهدهم- التفت حولهم الأمم الإسلامية تلبي نداء الجهاد، إذن أيها العرب:
فما انتظاركم والحق حقكم
يعدى عليه ليعطى للملاعين
لا تطلبوه احتكامًا من مجامعهم
بل استردوه قسـرًا في الميادين
والمسلمون جميعًا من ورائكم
بإندونيسيا وباكستان والصين
وفي ذكرى أبي تمام يقف باكثير
مذكرًا أمة الإسلام بأن عدوها لم يتغير، وإنما تغيرت الأسماء والألقاب واستبدلت الروم
والفرس بقوتين من الشرق والغرب تتحكمان في العالم تحت شعارات زائفة تعبت من لوكها الأفواه:
أعداؤنا هم كعهدك لا
تغيير إلا الاسم واللقب
صهيون صار اسمًا لبابكم
والغرب فيه والروم ما غربوا
من ألف عام ما تزال لنا
معهم ملاحم ليس تنقضب
يبغون أن يمحوا رسالتنا
محوًا، ويأبى الله والحسب
الوحدة الإسلامية
ثم تكون الدعوة لتوحد المسلمين بشتى مذاهبهم وطوائفهم والتوجه لمواجهة
عدوهم الرئيسي عدو الإسلام، وإن هذه الحروب الصغيرة لا تخدم إلا أعداء الإسلام تحت
شعار «فرق تسد». ومادامت هذه الأمة تسعى لنهضتها الكبرى فلا بأس من التجاوز والإغضاء؛
لأننا اليوم بحاجة إلى كل قلب يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، انظروا
ماذا يقول باكثير- والأيام للأسف تعيد نفسها- كأنه يشير لما يحدث اليوم من خلاف بين
بعض الفرق الإسلامية:
بينما الشعوب تجد في نهضتها
لعبت بقومي -جهدها- البغضاء
شطوا وغالوا في الشقاق وبينهم
دين ووحدة موطن وإخاء
ظلموا المبادئ إذا أساءوا فهمها
يا للرجال المحسنين أساءوا
إن المبادئ لا تفيد ثمارها
ما لم يجدها الرفق والإغضاء
فتصافحوا بيد الإخاء فإنما
فوز العشير على العشير بلاء
ويتفاعل باكثير مع الروح الإسلامية
المشرقة، ويدعو بأمل كبير، ويتوجه بحب وصدق وحدب وإخلاص للمسلمين:
مضـى زمان الجمود فودعوه
ووافاكم زمان العاملينا
زمان ليس يعلو فيه إلا
مجاهد قد جرى في السابقينا
ويناشد بعض المسلمين الذي يتشددون
على أنفسهم، ويضيقون على عقولهم في حين أن الإسلام من السعة بما لا تدركه أخيلتهم أو
عقولهم:
الدين يأمر بالتحسـ
ـر من خيالات الأمور
الدين يأمر بالحيا
ة وليس يأمر بالدثور
طالع حياة المصطفى
أترى الخمول أو الظهور؟
إذن لا بد أن يتحرك المسلمون
أمام هذا الخيار، إما «الإسلام» وإما «الذل»، وهل يلتقيان؟ يقول باكثير:
لا يلتقي الإسلام والذل في خلد
أوَ يمكن الجمع بين الماء والضـرم؟
لأن الإسلام دين العزة، والعزة
لله ولرسوله وللمؤمنين:
الله يأمر أن نكون أجـ
ـل أهل الأرض شأنا
وأشدهم بأسًا وأر
فعهم وأعلاهم مكانا
حورب في أدبه ورزقه
ولما كان الإسلام- ولا يزال- تهمة يعاقب عليها القانون، وعقيدة لا
يجوز العمل بها خارج المساجد، في ظل مفاهيم الجاهلية المعاصرة، فقد عاش علي أحمد باكثير
طوال حياته متهمًا «بالإسلام» لأنه كان يصر على ممارسته عقيدة وسلوكًا وفلسفة لحياته
وأدبه، فلما بدأ أثره يظهر ونجمه الأدبي يلمع بلون إسلامي في أكثر من سماء تنبهت إلى
ذلك «شلة» من الحاقدين والشعوبيين والعملاء والانتهازيين، التي كانت متسلطة على الحياة
الأدبية في القاهرة في الستينيات، فعزلت باكثير عن الدائرة الأدبية من خلال سحب الأضواء
من حوله وإحكام جو التعتيم على أدبه، حتى وجد علي أحمد باكثير نفسه في أيامه الأخيرة
بلا مكتب أو وظيفة، بلا جريدة ينشر فيها، ولا مسرح يعرض أعماله، وحتى الأصدقاء كانوا
يتحاشونه ويخشون الاقتراب منه لئلا يصيبهم أذى الذين ظلموا.
وظل أديبنا صابرًا صامتًا لا يشكو ولا يتبرم، ولا يجادل، عاكفًا
على الكتابة بعزيمة المؤمن وثقته بنصر الله، وبأن كلماته سترى النور يومًا ﴿وَيَأْبَى
اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32). وهكذا
مضغ أديبنا يوم لم يحتمل جسده روحه الكبيرة حين ضاقت به الدنيا، فانكسر قلبه الكبير
من جور القهر والظلم، فأسلم الروح بعد أزمة قلبية في غرة رمضان 1389هـ الموافق 10/11/1969م
وهو يردد «واإسلاماه»، فلم يسمعها إلا قلة في زمانه، فهل تسمعها الكثرة في زماننا؟
وبعد.. فلقد كان باكثير علمًا رائدًا من قادة الأدب الإسلامي المعاصر،
وما أحوجنا اليوم أن نتوجه لإحياء أدبه وإضاءة نجومه لتستهدي بها حركة الإسلام اليوم
في نهضتنا، فالأدب من أمضى سيوف «الدعوة»، جدير باهتمام الدعاة لما له من تأثير في
الوجدان والعقل معًا، فالدعوة للالتفاف نحو أدب باكثير هي دعوة للالتفات نحو الأدب
الإسلامي وإنقاذه من أيدي العابثين، وهذا باب من أبواب الجهاد، وهو أكبر تكريم لباكثير
الذي قضى نحبه وهو يحض عليه، حين يقول موصيًا المسلمين بطريق رفع «الذل» عن كل من مات
مظلومًا.. ألا وهو «الجهاد».
لا تندبوني أني لم أمت ضرعا
فإن علمتم علي الذل فابكوني
وإن تريدوا لوجه الحق تكرمتي
فابغوا الشهادة للدنيا وللدين
فابن الوليد على اليرموك يرقبكم
وليث أيوب يرعاكم بحطين