العنوان تعلم درسًا من العراق.. القصة الكاملة لانبطاح القذافي
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2004
مشاهدات 57
نشر في العدد 1596
نشر في الصفحة 34
السبت 10-أبريل-2004
(*) رئيس تحرير فلسطين تايمز
قبل أن تعلن ليبيا التخلي عن برنامجها.. زار عملاء السي آي إيه ومفتشون بريطانيون عشرة مواقع ليبية وحصلوا منها على وثائق مهمة لبرامج أسلحة الدمار الشامل.
مسؤول أمريكي: ليبيا هي التي اتصلت بمسؤولين أمريكيين عن بدء الحرب على العراق لتقديم التنازلات.
بعد التحول المفاجئ في السياسة الليبية يظل باب التكهنات باتصالات سرية مع الكيان الصهيوني مفتوحًا.
سجل ليبيا الأسود في مجال حقوق الإنسان مازال قاتمًا.. هل يتم السكوت عنه دوليًا بعد تنازلات القذافي؟!
كان يوم التاسع عشر من ديسمبر ٢٠٠٣ يومًا مشهودًا في تاريخ الانقلاب السياسي للنظام الليبي- ففي ذلك اليوم أعلنت ليبيا قرارها تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل لديها وفتح منشآتها الخاصة بتلك البرامج أمام المفتشين الدوليين والأمريكيين على وجه الخصوص- وظن المسؤولون الليبيون أن يؤدي القرار- إضافة إلى الخطوات الأخرى التي اتخذتها طرابلس قبل ذلك في مجال تطبيع العلاقات مع الغرب إلى فك عزلتهم الدولية وتجنيب نظامهم المصير الذي لقيه نظام صدام حسين في العراق.
القرار الليبي تضمن تعهدات من جانب طرابلس إلى الوكالات الدولية المختصة وإلى الولايات المتحدة وبريطانيا شملت:
تدمير كل مكونات برامج الأسلحة النووية والكيماوية لديها.
الإعلان عن جميع الأنشطة النووية للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تدمير الصواريخ التي يزيد مداها على 300 كيلومترًا.
قبول عمليات التفتيش الدولي لضمان أن ليبيا ملتزمة بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وتوقيع البروتوكول الإضافي.
تدمير كل مخزونها من الأسلحة الكيماوية والالتزام بمعاهدة الأسلحة الكيماوية.
السماح للمفتشين بعمليات التفتيش الفوري والمراقبة للتحقق مما سبق.
فلسفة الانبطاح الليبي أوضحها سيف الإسلام القذافي ابن الزعيم الليبي في مقابلة مع صحيفة الحياة (١٠ مارس)، جاء فيها أن واشنطن ولندن وعدتا ليبيا بمكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية مهمة إذا فككت برامج أسلحة الدمار الشامل لديها، وأعترف أن قرار ليبيا تفكيك تلك البرامج جاء بعد تسعة أشهر من المفاوضات السرية بين أجهزة الاستخبارات الليبية والأمريكية والبريطانية بدأت قبل الحرب على العراق.
وفي المقابلة أعترف نجل القذافي بأن أحد الأسباب الرئيسة الأخرى لقرار بلاده هو الخطر الذي يواجه طرابلس بسبب مشكلاتها مع الغرب وإذا أخبرنا الغرب أنه لا يريد قتالنا، وأنه بدلًا من ذلك يريد بناء شراكة معنا «فلماذا نصر على من أن نكون معادين له»؟!
أما السبب الثالث والذي يقول سيف الإسلام أنه الأهم فهو «أننا كنا نطور أسلحة استعدادا لمعركة مع العدو.. ثم رأينا أن الفلسطينيين حققوا في خمس سنوات من التفاوض «مع إسرائيل» أكثر مما حققوه في خمسين سنة من الكفاح المسلح»!!
والمعروف أن ليبيا ظلت تعارض اتفاق أوسلو الذي وقعته منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل عام ١٩٩٤م وأرادت القيادة الليبية إحراج السلطة الفلسطينية فطردت عام ١٩٩٥ آلاف الفلسطينيين الأبرياء من رجال ونساء وأطفال ممن كانوا يعيشون في ليبيا وألقتهم في الصحراء على حدودها مع مصر دون طعام ولا شراب ومع الأفاعي وفي ظل الحر الشديد والبرد القارس لشهور طويلة، فقط لكي تثبت أن السلطة الفلسطينية عاجزة عن إعادتهم إلى فلسطين!
ولم يفت سيف الإسلام التذكير بتبرير جديد وهو أن العقيد القذافي «شعر بأن العرب يستغلونه ويسخرون منه ويهددونه بالورقة الأمريكية»! وبالتالي فإن حل هذه المشكلة سينهي عزلة ليبيا الدولية ويجعلها شريكًا محاورًا للدول القوية ومن ثم تعمل معها لتغيير الواقع العربي!
حل أزمة لوكربي يمهد الطريق
ظلت أزمة تفجير طائرة بان أمريكان الأمريكية فوق مدينة لوكربي في إسكتلندا عام ۱۹۸۸ شبحًا يلازم محاولات ليبيا فك عزلتها الدولية واندماجها في المجتمع الدولي.
وكان مجلس الأمن الدولي قد فرض عقوبات على ليبيا عام ۱۹۹۲ شملت حظرًا على مبيعات الأسلحة وعلى رحلات الطيران للضغط عليها لتسليم اثنين من مواطنيها مشتبه في تورطهما بتفجير الطائرة وهما عبد الباسط المقرحي وأمين خليفة فحيمة لمحكمة دولية خاصة في لاهاي قضاتها اسكتلنديون، وقد أذعنت طرابلس وسلمتهما للمحكمة في أبريل عام 1999، وأدين المقرحي وحكم عليه بالسجن المؤبد، بينما برأت ساحة فحيمة وأطلق سراحه عام 2001.
وعلى الرغم من التجاوب الليبي مع قرار مجلس الأمن فإن الأخير جمد عام ١٩٩٩ العقوبات المفروضة على طرابلس ولم يلغها وهي عقوبات قال المتحدث باسم الخارجية الليبية ثلاثة حسونة الشاويش إنها تكلف بلاده أكثر من مليارات دولار في العام الواحد، وقد وعدت ليبيا بالتفاوض مع أسر قتلى الطائرة لحل المشكلة نهائيًا ولرفع العقوبات عنها رفعًا تامًا.
وقد تم التوصل إلى اتفاق بين طرابلس وأسر الضحايا في أغسطس الماضي تدفع ليبية بموجبه عشرة ملايين دولار لعائلة كل قتيل، وبموجب الاتفاق تتسلم كل عائلة أربعة ملايين دولار دفعة أولى عندما يرفع مجلس الأمن العقوبات المفروضة على طرابلس نهائيًا وهو ما جرى في سبتمبر العام الماضي، كما ستدفع أربعة ملايين آخري لكل عائلة عندما ترفع الولايات المتحدة عقوباتها عن ليبيا، ثم تتسلم كل عائلة المبلغ المتبقي عندما تلغي واشنطن ما يسمى بقانون معاقبة إيران- ليبيا وتحذف اسم ليبيا من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب.
ولم ترفع العقوبات إلا بعد أن وافقت فرنسا التي تتمتع بحق الفيتو في مجلس الأمن على رفعها من حيث المبدأ لحين اتفاقها مع ليبيا على زيادة مبلغ تعويض أسر ضحايا الطائرة الفرنسية التي سقطت فوق النيجر عام ١٩٨٩، وهو ما حدث في 9 يناير الماضي إذ وافقت ليبيا على دفع تعويضات مالية قدرها ۱۷۰ مليون دولار إضافة إلى المبلغ المتفق عليه أصلًا وهو ٣٤ مليون دولار، وتتهم فرنسا ليبيين بالمسؤولية عن تفجير طائرتها وموت ۱۷۰ شخصًا كانوا على متنها.
ليبيا تخضع منشآتها النووية للتفتيش
وفي العاشر من مارس المنصرم وقعت ليبيا في فيينا على البروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية والذي يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بزيارات تفتيشية مباغتة لكل المنشآت النووية الليبية.
واعتبر المدير العام للوكالة محمد البرادعي التوقيع الليبي «مؤشرًا آخر على ابتعاد ليبيا عن حيازة الأسلحة النووية»، وقال إن البروتوكول الإضافي هو أحد الأدوات المهمة للتأكد من خلو ليبيا من أسلحة الدمار الشامل.
وعلى الرغم من ذلك أعلن متحدث باسم الوكالة أنها قررت إحالة الملف النووي الليبي المجلس الأمن بسبب انتهاكات في الماضي لاتفاقات حظر انتشار الأسلحة (1) مع أن الوكالة أشادت يتعاون ليبيا الحالي.
وقد اعتمد مجلس حكام الوكالة إحالة الملف الليبي إلى مجلس الأمن بالإجماع، وعلى الرغم من أن إحالة الملف إلى مجلس الأمن قد يكون إجراء شكليًا لن يترتب عليه فرض عقوبات فإن ذلك يظل سيفًا مصلتًا على رقبة طرابلس وهاجسًا يقض مضجعها بعد كل هذه التنازلات التي قدمتها وأهمها تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل لديها.
ملف الدمار الشامل: عشية إعلان ليبيا قرار تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل لديها، أعلن مسؤول أمريكي أن البرنامج النووي الليبي كان متقدمًا أكثر مما كانت الاستخبارات الأمريكية والبريطانية تعتقد، وقد تضمن كل العناصر اللازمة لصنع قنبلة نووية، وأضاف أن ليبيا اعترفت بوجود مشاريع لإنتاج الوقود النووي التي كانت ستدعم برنامجها لإنتاج أسلحة نووية، وكانت تلك المرة الأولى التي تعترف فيها طرابلس بوجود برنامج نووي لديها.
وقال المسؤول الأمريكي إن ليبيا عرضت على مفتشين بريطانيين ودوليين كميات كبيرة من غاز الخردل لديها وهو غاز أعصاب قاتل يتسبب في نزيف داخلي وخارجي في جسم الإنسان.
وقد كشف هذا المسؤول- حسب ما ذكرته شبكة سي إن إن- أن المفتشين البريطانيين وآخرين من الأمم المتحدة زاروا ليبيا في أكتوبر الماضي ثم في ديسمبر، أي قبل إعلان ليبيا تخليها عن برامج أسلحة الدمار الشامل وفتح منشآتها للتفتيش، حيث فتشوا أكثر من عشرة مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي، كما زاروا منشآت زراعية وطبية يمكن أن تستخدم في تطوير أسلحة بيولوجية- كما قام مسؤولون من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بزيارة عدد من المواقع المهمة في ليبيا: حيث حصلوا على وثائق كثيرة ومهمة عن برامج أسلحة الدمار الشامل وأخذوا معهم عينات وصورًا وأدلة أخرى.
في الثامن من مارس الماضي أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن ليبيا وبمساعدة من الوكالة أعادت إلى روسيا وقودًا نوويًا مخصبًا كانت طرابلس قد استوردته من الاتحاد السوفييتي السابق بين عامي ١٩٨٠ و ١٩٨٤، وكلفت عملية إعادة شحن الوقود والمعدات إلى روسيا حوالي ۷۰۰ ألف دولار تحملتها وزارة الطاقة الأمريكية (!) وقال متحدث باسم وزارة الطاقة الذرية الروسية إن معدات وقطعًا خاصة بالوقود النووي الذي يستخدم في المفاعلات النووية أعيد إلى موسكو من مركز أبحاث تاجوراء القريب من طرابلس، وكانت اليورانيوم مـخـصـبًا بنسبة ٨٠% ولم يكن مستعملًا وفق ما أعلنته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتضم منشأة تاجوراء مفاعلًا بطاقة 10 ميجاوات تم بناؤه عام ۱۹۸۰ بمساعدة من الاتحاد السوفييتي.
وتعبيرًا عن كامل انبطاحها بادرت ليبيا بشحن جميع المعدات التي يعتقد أنها بقيت من برنامج أسلحتها النووية مع الصواريخ بعيدة المدى وقاذفات الصواريخ وسلمتها للولايات المتحدة، وتضمنت الشحنة خمسة صواريخ سكود (سي) ذات المدى البعيد «حوالي ١٠٠ میل» مع القاذفات التي أنتجت بمساعدة من كوريا الشمالية، و٥٠٠ طن متري من المعدات تشمل أجهزة الطرد المركزي التي تستخدم في تخصيب اليورانيوم.
وقد أرسلت هذه المعدات إلى المختبر الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية بولاية تينيسي وهو أكبر مختبر علمي أمريكي لكي يتم معاينتها وإتلافها هناك.
وقال مسؤول أمريكي إن ليبيا قد يسمح لها بالاحتفاظ بعدد من صواريخ سكود (بي) ذات المدى الأقصر وذلك لأغراض دفاعية حسب الطلب الليبي، وكانت ليبيا قد استوردت صواريخ سكود بي من الاتحاد السوفييتي خلال السبعينيات، لكن تقريرًا للسي آي إيه أوضح أن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على ليبيا بين عامي ۱۹۹۲ و ۱۹۹۹ قد حدت كثيرًا من قدرة ليبيا على تدعيم ترسانتها من الصواريخ.
في تقرير للواشنطن بوست قبل أسابيع، اكتشف المحققون وفقًا لمسؤولين أمريكيين ليبيا حصلت على تصاميم الأسلحة النووية سلمتها للولايات المتحدة، من خلال «شبكة تهريب باكستانية منشؤها الصين»، وكان محققون أمريكيون قد توصلوا إلى نتيجة باكستان حصلت على التكنولوجيا النووية من الصين، وقد وجهت إشارات إلى أن العالم النووي الباكستاني المعروف عبد القدیر خان الشخصية المركزية في تلك الشبكة، وقد اعترف خان بأنه زود بعض الدول بأسرار نووية، وقد احتوت الوثائق التي سلمتها ليبيا للولايات المتحدة على كل المعلومات اللازمة لصناعة قنبلة نووية والتي كانت تفترض حاجة ليبيا إلى اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم وهي إحدى المشكلات التي تواجـه أي دولة لإنتاج سلاح نووي، وحسب المخططات المسلمة فقد أحرزت ليبيا تقدمًا ضئيلًا إنتاجه، كما أنها لم تكن تملك صاروخًا قادرًا على حمل رأس نووي بزنة كبيرة، وتشعر واشنطن بالخوف من احتمال وجود هذه المخططات نفسها لدى إيران وكوريا الشمالية اللتين تملكان صواريخ بعيدة المدى قادرة حمل رؤوس نووية.
وقد قدمت ليبيا وثائق برنامجها النووي لواشنطن في نوفمبر الماضي أي قبل إعلانها التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل.
ويدعى مسؤول في مجلس الأمن القومي الأمريكي أن ليبيا دفعت أكثر من مائة مليون دولار لما يسمى بشبكة الأسلحة النووية التي يديرها عبد القدير خان، واتهم هذا المسؤول خان بأنه توصل إلى هذا العقد المغري عام ١٩٩٤ لتزويد ليبيا بكل ما تحتاجه تقريبًا لبرنامج إنتاج الأسلحة النووية بدءًا من أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم إلى تدريب الليبيين.
برنامج الأسلحة الكيماوية
حسب ما أعلنته منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ومقرها في لاهاي فإن ليبيا دمرت ٣٣٠٠ قنبلة غير فعالة كانت مخصصة أصلًا لتزويدها بشحنات من الأسلحة الكيماوية، وأوضحت المنظمة في بيان لها أن هذه القنابل التي يمكن إلقاؤها من الجو جرى تدميرها بإشراف دولي خلال الفترة من ٢٧ فبراير والثالث من مارس الماضيين.
وقالت المنظمة إن ليبيا سلمتها تقريرًا رسميًا عما تمتلكه من مخزون غاز الخردل، والمكونات الخاصة بإنتاج غازي السارين والأعصاب، وقد سلم مسؤول ليبي اثني عشر ملفًا تتضمن تفاصيل مخزون الأسلحة الكيماوية.
وقال بيان المنظمة إن التقرير الليبي تضمن بيانات عن أحد مواقع إنتاج الأسلحة الكيماوية، ومنشأتين للتخزين ومخزونات تزيد على ۲۰ طنًا من غاز الخردل.
وكانت ليبيا قررت في السادس من يناير الماضي الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي تأسست بموجبها المنظمة بعدما أعلنت يوم ١٩ ديسمبر المنصرم قرارها التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل، ومهمة المنظمة مراقبة تنفيذ اتفاقية منع هذه الأسلحة، وقد دخلت الاتفاقية التي تنص على تدمير الأسلحة الكيماوية «وكل قدرة على تطويرها» حيز التنفيذ عام ١٩٩٧.
في أواخر الثمانينيات، أنشأت ليبيا مصنعًا لإنتاج أسلحة كيماوية في منطقة الربطة ثم أغلقته عام ۱۹۹۰، وفي الفترة الأخيرة أنشأت مصنعًا آخر تحت الأرض في منطقة ترهونة، واحتفظت بكمية صغيرة من هذه الأسلحة، وقبل إغلاق منشأة الربطة أنتجت ليبيا حوالي مائة طن من غاز الأعصاب والغاز المنقط «نوع من الأسلحة الكيماوية» في ذلك الموقع الذي أعيد فتحه حسب تقرير البيت الأبيض عام ١٩٩٥ على أنه مصنع أدوية، لكنه ظل قادرًا على إنتاج أسلحة كيماوية حسب المزاعم الأمريكية.
وقال مساعد وزير الخارجية الأمريكي، جون بولتون، في خطاب له إن طرابلس «أنتجت مائة طن على الأقل من أنواع مختلفة من الأسلحة الكيمائية»، وبعد تعليق عقوبات الأمم المتحدة في ۱۹۹۹، «جددت اتصالاتها مع مصادر أجنبية غير شرعية من الخبراء ومصنعي قطع التجهيزات، وجهات رائدة في مجال الكيمياء، في الشرق الأوسط وأسيا وأوروبا الغربية»، حسب ادعائه.
وإنهم بولتون طرابلس بأنها «تواصل تطوير برنامجها في مجال الأسلحة البيولوجية»، وأنه على الرغم من أنها لا تزال في مرحلة البحث والتطوير، فإن ليبيا قد تكون قادرة على إنتاج كميات صغيرة من الأسلحة البيولوجية.
علاقات وزيارات سرية
الإعلان الليبي باستعدادها التخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل جاء بعد تسعة أشهر من المباحثات والزيارات السرية مع مسؤولين أمريكيين وبريطانيين، وقد أعلن مسؤول أمريكي أن ليبيا هي التي اتصلت بمسؤولين بريطانيين وأمريكيين بعد منتصف مارس من العام الماضي أي في الوقت الذي بدأت فيه الحرب على العراق، في خطوة على ما يبدو لكي تنفي طرابلس أي تعاون لها مع نظام صدام حسين في مجال إنتاج الأسلحة الكيماوية أو النووية، واعترفت ليبيا لهؤلاء المسؤولين بالتعاون مع كوريا الشمالية في مجال تطوير وزيادة مدى صواريخ سكود .
ويبدو أن تلك الخطوة الليبية كانت السبب في أن الرئيس الأمريكي لم يدرج ليبيا في دول محور الشر قبل الحرب على العراق، ولم يضمها للعراق وإيران وكوريا الشمالية.
وكان القذافي قد فاجأ الجميع عندما كان أول رئيس عربي يدين هجمات الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱ على واشنطن ونيويورك، وذهب أبعد من ذلك حين أعرب عن تأييده لحق واشنطن في الانتقام لتلك الهجمات وتوجيه ضربة عسكرية لمنفذي الهجمات.
وكان تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية صدر العام الماضي قد أشار إلى أنه لا يوجد دليل على أن ليبيا تورطت في أعمال إرهابية منذ عام ١٩٩٤.
واعترافا بالخطوة الليبية لتفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل سمحت الإدارة الأمريكية لشركات النفط الأمريكية بالعودة للعمل في ليبيا، كما رفعت القيود التي كانت تفرضها على سفر الأمريكيين إليها منذ حوالي عقدين، وقررت فتح مكتب رعاية للمصالح الأمريكية في السفارة البلجيكية في طرابلس وأرسلت عددًا من الدبلوماسيين إلى هناك، وسمحت لليبيا بوجود دبلوماسي في واشنطن.
وأعلن مساعد وزير الخارجية الأمريكية جون بولتون في برلين أن الولايات المتحدة تدرس رفع عقوباتها عن ليبيا لكنه قال إن توقيت ذلك سيعتمد على مدى سرعة ليبيا في التخلص من برامج التسلح المحظورة، وأكد أنه لا يوجد موعد نهائي أو جدول زمني تعمل بموجبه واشنطن لرفع عقوباتها عن طرابلس، وأشار إلى أن مسؤولية الإدارة الأمريكية حاليًا تتمثل في التعاون مع الحكومة الليبية لتنفيذ تعهداتها.
وتزامنت تلك التصريحات مع زيارة قام بها وقد من الكونجرس الأمريكي إلى طرابلس هي الأولى منذ القطيعة بين البلدين عام ۱۹۸۱، وأكد أعضاء الوفد الذين التقوا الزعيم الليبي أن الخطوة التي أقدمت عليها طرابلس ستتيح للولايات المتحدة في النهاية إقامة علاقات طبيعية تؤدي لتحسين مستوى معيشة المواطنين الليبيين(!!)، واعتبروا أن ليبيا خطت الخطوة الأولى، وأعرب أعضاء الوفد عن أمنيتهم في رؤية الشركات الأمريكية تعود إلى ليبيا من جديد «لتوفر فرص عمل وتحقق ثروة».
اتصالات سرية مع «إسرائيل»
ولا يقف الأمر عند حد الاتصال السري بالأمريكيين والبريطانيين، وعلى الرغم من النفي الليبي يظل باب التكهنات بشأن اتصالات وعلاقات سرية مع تل أبيب مفتوحًا على مصراعيه: خاصة بعد التحول المفاجئ في السياسة الليبية ومن خلال المواقف غير الحكيمة لقيادتها، ففي يناير الماضي ذكرت صحف إسرائيلية أن مسؤولين صهاينة عقدوا اجتماعين على الأقل مع مسؤولين ليبيين، أحدهما كان أحد طرفيه دبلوماسيا إسرائيليًا رفيع المستوى يقال إنه رون بروسو، كبير مستشاري وزير الخارجية سلفان شالوم، والطرف الآخر مسؤول ليبي رفيع المستوى لم يكشف عن اسمه، وقد عقد في باريس في ديسمبر الماضي، وقد ألمح شالوم إلى حدوث اللقاء لكنه قال «في الوقت الذي يعتبر الحوار فيه جيدًا، فإن تسريب ذلك للصحفيين يضر بمصالح إسرائيل».
وكان اجتماع آخر قد سبقه في أثينا في أغسطس الماضي بين عضوين في الكنيست هما أفرايم سنيه من حزب العمل المعارض، وإيلان شالغي من حزب شينوي المشارك في حكومة شارون، مع سيف الإسلام القذافي الذي تشير التوقعات إلى أنه سيخلف والده في الحكم.
وصرح سنيه بأن اللقاء كان الخطوة الأولى في الاتصالات بين طرابلس وتل أبيب والتي ستقود في النهاية إلى إقامة علاقات دبلوماسية، وكشف أن اثنين من المسؤولين الإسرائيليين السابقين، وهما رئيسان سابقان الجهاز استخبارات إسرائيلي، حضرا اللقاء أيضًا، وقال سنيه في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي: «انطباعي عن اللقاء أن القذافي توصل إلى قرار استراتيجي وأنه ليس رجل الخطوات الصغيرة.. إنه لن يقف في منتصف الطريق، بل سيذهب بعيدًا في علاقاته مع إسرائيل ..».
وكشفت مصادر إسرائيلية أن سيف الإسلام أعرب في لقائه مع سنيه وزميله عن قناعة ليبيا بضرورة أن يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون في دولة واحدة وهو ما روج له القذافي حين اقترح في مارس عام ٢٠٠٢ إقامة دولة «إسراطين».
صحيفة السياسة الكويتية كشفت هي الأخرى- نقلًا عن دبلوماسيين أوروبيين- عن لقاء عقد في مقر السفارة الأمريكية في فيينا أوائل يناير الماضي بين مسؤولين إسرائيليين وليبيين- وذكرت الصحيفة أن المشاركين اتفقوا على قيام وفد إسرائيلي يضم ممثلين عن وزارتي الخارجية والدفاع وعن جهاز الموساد بزيارة لطرابلس.
وتنفي طرابلس وجود هذه الاتصالات، وبعد إذاعة أخبار اللقاء أكد بيان رسمي عبر وكالة الجماهيرية الليبية للأنباء «جانا» «أن الجهات الرسمية في ليبيا انهمكت في البحث والتحقق والتحري طيلة الثماني والأربعين ساعة الماضية التي تلت بث هذه الإشاعة، ولم تجد أثرًا لها الموضوع»، وأضافت أن «الذين نشروا هذه الأخبار عليهم إثبات ذلك وذكر الزمان والمكان والأشخاص، وعلى الطرف الآخر أن يبرز اسم ومنصب وهوية الشخص الذي اتصل به من ادعى أنه من الخارجية الليبية، وعلى الجهات الرسمية الأخرى أن تنشر للعالم مع من رتبت هذه المواعيد الوهمية والزيارات المستحيلة بين الطرفين »(!!).
ومهما تكن حقيقة الاتصالات فإن سعى ليبيا إلى فك عزلتها دوليًا يسير مع سلخ جلدها العروبي الذي عرفت به منذ أن جاء القذافي للحكم بانقلاب عسكري عام ١٩٦٩، ويومها ظهر القذافي بأنه خليفة جمال عبد الناصر المنتظر وقد دفعت المواقف الليبية المتقلبة والغريبة إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من جامعة الدول العربية قبل أن تعود إلى تعليق قرارها- وجهدت في تشكيل الاتحاد الإفريقي الذي ادعت أنها تشعر بالانتماء إليه أكثر، ولأن الطريق إلى واشنطن أصبح يمر عبر تل أبيب فإن إقامة علاقات واتصالات مع الكيان الصهيوني أصبح أسلوبًا دارجًا لمن يريد تحسين سجله في واشنطن.
صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية ذكرت أوائل العام الحالي أن ليبيا أعربت خلال تلك اللقاءات السرية عن رغبتها في السماح لمن تبقى من اليهود الليبيين بالهجرة إلى فلسطين المحتلة وتعويض الذين هاجروا منهم عن ممتلكاتهم على الرغم من المعلومات التي تتحدث عن «انقراض» اليهود في ليبيا.
مصادر يهودية تزعم أن ٣٠ ألف يهودي غادروا ليبيا منذ عام ١٩٤٨ معظمهم استوطن في فلسطين المحتلة، وعندما استولى القذافي على الحكم عام ١٩٦٩ كان قد بقي في ليبيا حوالي خمسمائة يهودي فقط، وتزعم المصادر اليهودية أنه صادر أملاك اليهود وألغى ديون الليبيين المستحقة لليهود- وفي عام ١٩٧٤ لم يعد في ليبيا سوى عشرين يهوديًا ثم توفي آخر يهودي هناك وكانت امرأة في فبراير عام ٢٠٠٢ وتدعي المصادر اليهودية أنه في عام ١٩٩٩ تم تجديد بناء كنيس في طرابلس لكنه لم يفتح من جديد (!)، ولم تذكر هذه المصادر كيف يجدد بناء لميس مع انقراض اليهود في ليبيا.
حقوق الإنسان
سجل ليبيا في حقوق الإنسان قاتم باعتراف منظمات حقوق الإنسان الدولية والعربية والليبية وبحسب الوقائع والأحداث التي طفت على السطح خلال السنوات الثلاثين الماضية.
وفي سياق حملة العلاقات العامة الجديدة دعت الحكومة الليبية منظمة العفو الدولية «امنستي» لزيارة ليبيا التي قام بها الشهر قبل الماضي وفد من أربعة أشخاص وهي أول زيارة لطرابلس منذ خمسة عشر عامًا، وقابل الوفد في اليوم الأخير للزيارة القذافي، كما سمح للوفد بتفقد بعض السجون ولقاء عدد من المساجين على انفراد ولفترات طويلة، إضافة إلى لقاء عدد من المسؤولين الأمنيين والقضائيين والسياسيين..
وقد أثار الوفد مع السلطات قضية مجموعة من الإخوان المسلمين المعتقلين بموجب القانون رقم ۷۱ الصادر عام ١٩٧٢ الذي يجرم تأسيس أحزاب سياسية، ووفق بیان منظمة العفو فإن الوفد تأكد من أنه لم يتم توجيه أي تهمة للمعتقلين باستخدام العنف ولذلك حثت المنظمة السلطات الليبية على إطلاق سراحهم، كما أثارت منظمة العفو مسألة المحاكمات غير العادلة أمام المحاكم الاستثنائية وخصوصًا ما يسمى بمحكمة الشعب، وقد تسنى لوفد أمنستي حضور إحدى جلسات الاستماع في إحدى محاكم بنغازي والمتعلقة بقضية عدد من الممرضين البلغار وآخر فلسطيني متهمين بحقن ٤٢٦ طفلا ليبيا بفيروس الإيدز، ووفق بيان أمنستي استمع الوفد من المتهمين إلى أقوال عن تعرضهم للتعذيب الذي تضمن استخدام الصدمات الكهربائية خلال فترات العزل الانفرادي التي استمرت شهورًا.
كما أثارت منظمة العفو مع الليبيين ظاهرة اختفاء عدد من المواطنين والمعارضين داخل ليبيا وخارجها مثل الزعيم الشيعي موسى الصدر الذي اختفى مع اثنين من مرافقيه خلال زيارتهم لطرابلس عام ۱۹۷۸، وقد نفت ليبيا أي مسؤولية لها عن اختفائه قائلة إنه غادر أراضيها سليمًا.
وطالبت المنظمة في تقرير لها صدر في 14 أكتوبر ۲۰۰۳ بإطلاق سراح أكثر من ١٥٠ طالبًا وأستاذًا جامعيًا اعتقلوا عام ١٩٩٨ وحوكموا في «محكمة الشعب» عن أعمال تتعلق بحرية التعبير وبسبب دعمهم أو انتمائهم للجماعة الإسلامية الليبية، ولم يلجؤوا لأي نوع من العنف.
اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة انتخبت ليبيا في يناير ٢٠٠٣ رئيسًا لها بعد إصرار الدول الإفريقية على ترشيحها للمنصب، وعلى الرغم من معارضة دول ومنظمات عديدة على رأسها الولايات المتحدة، وجاء انتخاب ليبيا بعد أن أصرت واشنطن على إجراء تصويت سعيًا لإحراج مؤيدي ليبيا، وقد صوتت ٣٣ دولة لصالح ليبيا، فيما عارضت الولايات المتحدة وكندا وجواتيمالا وامتنعت ۱۷ دولة عن التصويت من بينها سبع دول من الاتحاد الأوروبي.
وجاء انتخاب ليبيا على الرغم من سجلها الأسود في مجال حقوق الإنسان ومزاعم دعمها للإرهاب والتهم التي وجهت لها بتفجير طائرة أمريكية وآخري فرنسية وهي تهم أقرت طرابلس بمسؤوليتها عنها فيما بعد، وفي العادة يتم تسليم رئاسة اللجنة دوريًا وتدويرها بين القارات الخمس بالإجماع، وعندما جاء الدور على إفريقيا التي رشحت ليبيا عنها، أصرت واشنطن على إجراء التصويت.
وقد اعترضت مندوبة منظمة هيومان رايتس واتش في الأمم المتحدة على تعيين مندوبة ليبيا رئيسة للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، واعتبرت أن أي دولة تريد أن تكون عضوًا فضلًا عن رئيسًا للجنة الدولية لحقوق الإنسان- لابد أن تتوافر فيها عدد من الشروط أهمها:
- أن تصادق على معاهدات حقوق الإنسان الرئيسية.
- أن تلتزم بتقديم تقارير تبين التزامها بالمعاهدات التي صادقت عليها.
- أن تسمح لمفتشين من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان بزيارة أراضيها.
- ألا تكون قد وجهت لها إدانة من اللجنة في الماضي القريب.
- وتقول إن جميع هذه الشروط لا تنطبق على ليبيا.
فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية كان سجل طرابلس مرعبًا شمل عمليات خطف أو اغتيال المعارضين السياسيين، وإعدام وتعذيب المعتقلين، والاعتقال لمدد طويلة دون تهمة أو محاكمة وإجراء محاكمات ظالمة، وحسب الأرقام التي أعلنتها منظمات حقوق الإنسان الدولية فإن المئات من الليبيين رهن الاعتقال التعسفي بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من عشر سنوات بل إن بعضهم معتقل منذ أكثر من عشرين عاما
وكان اختفاء المعارض السياسي والناشط في حقوق الإنسان، منصور الكيخيا، عام 1993 في مصر مثالًا آخر على أن أيدي النظام الليبي تطال معارضيه في الخارج، الكيخيا لم يظهر له أي أثر حتى الآن، ومازال النظام الليبي ينكر علاقته بالأمر، وفي فبراير عام ۱۹۹۹ أمرت محكمة الاستئناف العليا في القاهرة وزارة الداخلية المصرية بدفع مبلغ ۳۰ألف دولار تعويضًا لزوجة الكيخيا بسبب فشل السلطات المصرية في توفير الحماية الضرورية لزوجها.
مسلسل التراجعات الليبية
- اعترفت ليبيا رسميًا في رسالة سلمتها إلى مجلس الأمن في أغسطس من العام الماضي بمسئوليتها عن حادث تفجير طائرة «بأن أمريكان» عام 1988 وسلمت اثنين من المسئولين الأمنيين لديها لمحاكمتهما في محكمة خاصة في لاهاي للاشتباه بعلاقتهما في التفجير، وقدمت تعويضات لأسر الضحايا بلغت 2.7 مليار دولار.
- اتفقت ليبيا مع فرنسا على تسوية قضية الطائرات الفرنسية التي سقطت فوق النيجر ووافقت على دفع تعويضات بأكثر 200 مليون دولار.
- هددت ليبا مرارًا بالانسحاب من جامعة الدول العربية، وقالت إنها ستركز على «القضاء الإفريقي» وكانت المحرك الفعلي لتشكيل الاتحاد الإفريقي.
- في 19 ديسمبر 2003 أصدرت الخارجية الليبية بيانًا أعلنت فيه أنها قررت «بإدارتها الحرة التخلص تمامًا من كل أسلحة الدمار الشامل المحظور دوليًا».
- اتصالات سرية بين مسؤولين ليبين وصهاينة يقال إنها بدأت مع إعلان طرابلس تخليها عن برامج أسلحة الدمار الشامل لتكون مدخلًا لتطبيع شامل في علاقتها مع الولايات المتحدة.
- صدرت إشارات من طرابلس تعلن قبولها تعويض حوالي 28 ألف يهودي ليبي غادروا إلى فلسطين المحتلة بعد عام (5/ 1/ 2004) فإن منظمة «أليجي» اليهودية بالولايات المتحدة بدأت جمع طلبات الدعوات الفضائية من يهود ينوون تقديمها ضد الحكومة الليبية أمام المحاكم الأمريكية.