; من الحياة صورة من حياة الناس في غزة | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة صورة من حياة الناس في غزة

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009

مشاهدات 57

نشر في العدد 1881

نشر في الصفحة 57

السبت 19-ديسمبر-2009

يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم  : مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد. بالسهر والحمى ( رواه البخاري ومسلم). ولما كان النسيان من صفات الإنسان رأيت أن أذكر نفسي والقارئ الكريم بأهلنا في غزة، وكيف يعيشون وخاصة أن الناس تفتر عواطفهم، ويضعف حماسهم بعد مرور العدوان برغم أنني أرى أن العدوان قائم ومستمر.

● أبو رمضان

كتب ماهر إبراهيم من غزة عن مواطن اسمه أبو رمضان .. عمره (٤٤) أربعة وأربعون عاما. مات والده وعمره (۷) سنوات، وعمل في مخبز يدوي لوالده، وبسبب العمل لم يكمل تعليمه في المرحلة المتوسطة، ولا يزال أعزب لم يتزوج.

لقد كرس أبو رمضان حياته لتربية إخوته وأخواته، وعددهم عشرون من البنين والبنات عشرة أشقاؤه، وعشرة إخوته لأبيه من زوجته الثانية. أدرك أبو رمضان أنه صار في خريف العمر، وهو في حاجة إلى أن يعيش حياته كأي إنسان، إنه يرغب في الزواج، وتلك فطرة في الناس جميعا، ولكن ثمة معوقات تحول بينه وبين ذلك، أهمها: حالته المادية المتعثرة التي لا تسمح له بمجرد التفكير في الزواج بالإضافة إلى ما يعانيه من مشكلات صحية، حيث إنه يعاني نوبات إغماء شبه يومية، تداهمه نتيجة زيادة كهرباء الدماغ عنده، حسبما شخص بعض أطباء غزة. أبو رمضان، عاطل الآن عن العمل، وقد فقد مصدر رزقه - وهو المخبز اليدوي الذي تركه له أبوه - وهو يجول في شوارع حي الشيخ رضوان وسط مدينة غزة حاملا كيسا فارغا من القماش، ويبحث في مجمعات القمامة، الجمع الأواني والأدوات البالية، وقطع البلاستيك المستعملة، وكل ما هو غير صالح للاستعمال فيجمع ذلك كله، ليبيعه إلى مصانع تعيد صهرها وصناعتها من جديد، ولما سئل عما دفعه إلى ذلك، قال: أعتاش من أشغال بسيطة تغطي حاجتي.. وأضاف أنا أستطيع أن أعمل في كل شيء: أنقل الرمل والأحجار، وأي عمل يطلب مني مقابل أن أجد قوت يومي ... يقول أبو رمضان: محظور علي أن أعمل في كثير من المهن، وذلك لتعرضي لنوبات إغماء بشكل دائم ومستمر، وهذا الأمر قد يعرضني لخطر حقيقي أثناء العمل ...

● لوحة من الأسى

أخال غزة الأبية لوحات من الحزن والأسى.. رسمها أبناء صهيون، وشاركهم في ذلك أناس بينهم وبين أبناء غزة جوار ونسب، وأبناء وطن واحد وجنسية واحدة، لقد أسهم أصحاب المصالح الشخصية في رسم هذه الصورة التي تقشعر لها الأبدان، ويشيب لها الولدان !! لعب أبناء صهيون بالأرواح الطاهرة من الأطفال الأبرياء والشيوخ العباد والرجال والنساء.

● أواه يا غزة

لقد التقط الشاعر ماجد سليمان بعض الصور من غزة، وهي صورة لم تلتقطها الكاميرا ، بل صور الشاعر صمت الناس على ذلك بكلمات موجزات يقول فيها:

كرب وبلاء

وأودية الموت تملؤها جثث الأبرياء

كرب وبلاء

قد خيط فم الحق

وقصت يد الرفق

واستأسد الفأر يا غزة

أنامل الشعر أدماها القلم

وطفلة الصبح يلاحقها العدم

أرقنا دم اليهود على الورق

كسرنا راية الغزاة

ولكن على الورق

وروائح الموت

تملأ أودية العرب

أواه

ما أبعدك يا صلاح

أواه

ما أخجلك يا تلك الرماح

●  ردود الفعل المخجلة

كان من المتوقع أن يبادر المسلمون والعرب بإنقاذ أهلهم في غزة، بيد أن الواقع كان مخجلا ، لقد صمت البعض تماما، واكتفى البعض بالاستنكار، بل انبرت فئات أخرى تنتمي إلى توجهات فكرية مستوردة، وهاجموا الأبرياء الذين يقاومون من أجل الأرض والعرض نسي أصحاب الأفكار المستوردة أن الصهاينة هم المعتدون، وصبوا جام نقدهم على الإسلام والمسلمين، وإن لم يستطيعوا أن يصرحوا بهجومهم على الإسلام، ولكنهم هاجموا المقاومة الشريفة، وفي الواقع هم يقصدون أن يهاجموا الإسلام في صورة تلك المقاومة. كان الأحرى بهؤلاء أن ينتهوا إلى قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم  ، وبراءته منهم:  ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم ( رواه مسلم). إن لسان حال أطفالنا الجوعى في غزة الآن يقول:

أَوما لنا في المسلمين أحبة *** فيهم من العوز المميت سداد

ما بال إخواننا استكانوا يا أبي *** لا شامنا انتفضت ولا بغداد

 إنني أدعوك - عزيزي القارئ الكريم - إلى أن تكون ممن قال فيهم رب العزة سبحانه ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾  (الإنسان: 8).

إن إغاثة هؤلاء الملهوفين ليست في إمدادهم بالطعام، ولو كان الأمر كذلك لهان فلو أننا أطعمناهم طوال العمر فهل يرفع ذلك عنهم القهر؟! وهل سنحرر بذلك الأرض ؟! وهل سنعيد إلينا بذلك مقدساتنا التي لا محالة سنسأل عنها أمام خالقنا ؟!

إن لأهلنا في غزة حقاً علينا، يمكن أن ندركه إذا فكرنا فيهم في كل لحظة نعيشها ونذكرهم في عملنا، في عطائنا الممتد الذي لا ينقطع، في أملنا وثقتنا بالنصر، ولسان حالنا يقول : صبرا غزة العز، فلن تزيدك دماؤك إلا طهرا، ولن يزيدك تجويعك إلا صبراً، ولن يزيدك إضعافك إلا عزما، وإن النصر القادم، لا محالة بإذن الله.

الرابط المختصر :