; الهاتف | مجلة المجتمع

العنوان الهاتف

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006

مشاهدات 70

نشر في العدد 1708

نشر في الصفحة 58

السبت 01-يوليو-2006

  •  يجب الاستفادة منه في توفير الوقت للأعمال الصالحة 

من كان يصدق أنه سيأتي يوم يكلم الإنسان فيه من مكانه شخصًا بعيدًا عنه في بلده أو في بلد آخر، وذلك من خلال قطعة من البلاستيك قد تكون في حجم الكف أو حجم الإصبع؟! لقد كانت هذه القطعة العجيبة خلاصة تجارب ومحاولات عديدة حتى صارت إلى ما هي عليه الآن وانتهت إليك وإليًّ، لتتحدث منها في ثوان معدودة في أي وقت تشاء، وفي أي ساعة من ليل أو نهار، وفي أي مكان تريد، ومن يدري فلعلها تتطور فتكون شيئًا آخر بعد حين.

 إن كل ما نرى ونستخدم من تكنولوجيا حديثة لم تكن موجودة عند أسلافنا الأوائل لكنها كانت موجودة في علم الغيب منذ خلق الله تعالى السماوات والأرض، وهي دلالة عظيمة على عظمة الخالق سبحانه الذي كرم الإنسان بالعقل وهداه لخدمته، وسخر له ما في الكون ليستعين به على رحلته في هذه الحياة ويجعل منه زادًا للدار الآخرة، ولما كانت الصنعة تدل على صانعها والهاتف يدل على رقي الإنسان وعقله، فإن العقل البشري تلك المعجزة الخارقة تدل على واهب العقل والحياة سبحانه وتعالى الذي كرمنا به وفضلنا على كثير من مخلوقاته تفضيلًا. 

أول من اخترع الهاتف العالم الأمريكي ألكسندر بل وكان ذلك في سنة ١٨٧٦م، ولا شك أن الهاتف أصبح الآن من ضروريات الحياة ولا يكاد يخلو منه بيت ولا جيب! فقد تطورت أنواعه حتى صار منه الهاتف المحمول أو النقال الصغير منه والكبير، ولا ضير في هذا التطور فإنه حسن لكن الأحسن منه أن تعرف كيف تسخره لخدمتك، وتجعل منه نعمة لك لا نقمة عليك، فتحسن استخدامه وتوفر به من وقتك ما تستغله في عمل صالح، إذ إن البعض قد يتخذونه وسيلة للتسلية وقتل الوقت كما يحلو لهم، فيكون سبيلهم لقول اللغو والغيبة والنميمة والكذب والتحدث إلى الجنس الآخر بهدف المعاكسة أو المغازلة أو تحت أي مسمى يمليه شيطان النفس والهوى عليهم.

أضف إلى ذلك اختلاف نغماته وتنوعها حتى أصبحت على شكل أصوات موسيقية صاخبة، وأغاني لا خير فيها ابتلينا للأسف بها فاقتحمت علينا أماكن خلوتنا في صلاتنا بالمساجد، ودور العلم والمدارس والجامعات فقطعت الخشوع وذهبت بالتركيز، وفي ذلك إفساد كبير للقلب، وقد قال رسول الله ﷺ: »لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» (أحمد). 

وقد فهم الصحابة ذلك وحفظوا ألسنتهم فكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم». كما فقهوا الأدب مع اللسان فكانوا يقولون: »إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه، وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه»..

وكانوا يكرهون فضول الكلام ويعدونه كل ما عدا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، أو أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها، ويقولون: أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين؟ أما أحدكم إذا نشرت صحيفته التي يستحيي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟ 

إن العاقل تزيده النعم تقربًا من ربه لا هربًا منه أو بعدًا عنه، وكلنا مسؤول عما أنعم الله علينا به من تلك النعم، ويمكنك أن تستخدم الهاتف في قول الخير من الأمر بالمعروف أو تلاوة القرآن أو النصح وأعرف بعض الصديقات يتخذن منه وسيلة لتسميع ما حفظنه من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة بدلًا من ضياع الوقت وكذلك في صلة أرحامك خاصة الذي تبعد عنك داره والسؤال عن أحوال إخوانك وما شابه ذلك، فإذا سولت لك نفسك قول السوء أو تضييع دقائق العمر النفيسة في فضول القول فتذكر نظر الله إليك ومكان الملائكة الكتبة بين يديك.. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:18).

وما تنفقه على هذه المكالمات الهوائية عديمة الفائدة أطعم به مسكينًا أو اكفل به يتيمًا أو أحسن به إلى محتاج. 

والهاتف ينقلك إلى بلاد بعيدة لم ترها عيناك ويقصر أمامك المسافات، وتستطيع من خلاله إيصال رسائل المحبة والتذكرة لإخوانك وأصدقائك في أي مكان، وهو - بلا شك - يوفر عليك الوقت حين تستخدمه في شراء ما تحتاجه وأنت في بيتك و ومع ذلك فإن له آفات، خاصة بعد ظهور الهاتف النقال أو المحمول، حيث أصبح كثير من الشباب يقضون أوقاتهم معه حتى في وسائل المواصلات، وبعد أن كان الواحد يمسك بكتيب صغير أو جريدة يقرؤها أثناء الطريق لتقصره عليه صار يلعب بالهاتف أو يرسل الرسائل التي لا طائل من ورائها إلا تضييع الوقت الذي لا ندرك أهميته إلا بعد فوات الأوان.. وكما قيل:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع 

لذا فقد قال الحسن البصري - يرحمه الله يا ابن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمك، وكذلك ليلتك».. 

ومن آفات الهاتف أن البعض جعله وسيلة للتجسس على الآخرين، وخاصة بعد أن زودت الأنواع الحديثة منه الآن بكاميرا تلتقط الصورة مع الصوت إن أردت، وقد يحدث ذلك في حياتنا العامة أو مناسباتنا السعيدة في عرس مثلًا والنساء بكامل زينتهن فتأتي من تصور العروس - عن طريق الهاتف النقال الذي تملكه - دون استئذان، وتفاجأ العروس فيما بعد بذلك! 

وقد تكون جالسًا في أي مكان ولا تدري أن هناك من يتجسس عليك بكاميرته الشيطانية، ناسيًا أو غافلًا أن لله ملائكة يسجلون كل يفعله ذلك الجاسوس المتطفل ومنهم من يستغله كغيره من الوسائل في التنصت على الناس بحجة حفظ الأمن كما يزعمون فتتجسس الدول القوية على من تشاء، وتتجسس أجهزة المخابرات على من تريد لكن الغاية لا تبرر الوسيلة، وقد حرم الله التجسس فقال: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات:12)، وجعله انتهاكًا لحرمات الناس وهكتًا لأعراضهم.

ومن آفات الهاتف المحمول لهاث البعض وجريهم وراء الموضة في أنواعه، واتخاذه علامة على مستوى حامله الاجتماعي والطبقي، والتفاخر بذلك - وخاصة من قبل الشباب - أمام أقرانهم فتحول الغرض الأساسي من اقتنائه إلى غرض آخر أدى إلى التباهي الذي نهينا عنه، وليتنا صنعناه نحن بأيدينا، إذن لراجت تجارتنا وربحت، وكان المال المبذول فيه منا وإلينا. 

ومع كل ما ذكرنا من آفات إلا أنه لا  يستطيع أحد أن ينكر ما لهذا الهاتف من مزايا كثيرة تجعله نعمة عظيمة تستحق شكرًا عظيمًا يماثلها، المهم أن تحسن له الاستخدام، وإذا ما دعاك هذا الهاتف لارتكاب المحظورات فلا تستجب له، واجعل هاتف الخير في نفسك منه أقوى. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 141

102

الثلاثاء 13-مارس-1973

محليات (141)