; شهر القرآن والفرقان | مجلة المجتمع

العنوان شهر القرآن والفرقان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2013

مشاهدات 73

نشر في العدد 2063

نشر في الصفحة 39

السبت 27-يوليو-2013

رمضان له في الإسلام مكانة سامية وعند المسلمين منزلة فريدة حيث نزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وتعينت فيه ليلة القدر واختص بها ولازمته وعز فيه المسلمون بـبدر بعد ذلة ومطاردة ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴿١٢٣﴾ (آل عمران)، وفتح الله عليهم في مكة، ونصر دينه وأعز جنده، وسادوا على الشرك والكافرين.

أما عن نزول القرآن في رمضان فهو تكريم لهذا الشهر الذي اختص بالفضل والهدى والنور دون الشهور، وجاء فيما يرويه البغوي عن أبي ذر عن رسول الله قال: نزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليالٍ مضين من رمضان ويروى في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة على موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان وأنزل الزبور على داود في ثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد في الرابع والعشرين من شهر رمضان ...

حيث ختمت الرسالات بالقرآن وجعله الله فارقًا بين الحق والباطل، وسماء سبحانه فرقانُا، فقال تعالى ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ﴿١﴾﴾ (الفرقان) وسمي فرقانًا لأنه فارق بين الجاهلية والإسلام وبين الهدى والضلال ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴿١٨٥﴾ (البقرة: ١٨٥).

واختص بليلة القدر التي شرقها الله بنزول القرآن ونزول الملائكة وزيادة الأجر ورفعة الدرجات فقال تعالى إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ﴿﴿١﴾وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ﴿٢﴾لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ ﴿٣﴾(القدر).

شهر القرآن حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم، والصراط المستقيم والعروة الوثقي والمعتصم الأقوى فيه نيا من قبلكم وخير من بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يملك الأتقياء، ولا يخلق على كثرة البرد ولا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ﴿٤٢﴾ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ ﴿٤٣﴾(فصلت)

 وقد كان سلفنًا الصالح رضي الله عنهم يخصون هذا الشهر بمزيد من العناية بكتاب الله عز وجل قراءة وتدبرًا، وتلاوة وتعبدًا في الصلاة وخارج الصلاة : لأنه شهر القرآن.

 فكان إبراهيم النخعي وقتادة يرحمهما الله تعالى يختمان القرآن في كل ثلاث ليالٍ مرة وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الإمام الزهري إذا دخل رمضان يترك قراءة الحديث ومجالس أهل العلم ويقبل على تلاوة القرآن في المصحف، وكذلك يفعل سفيان الثوري يرحمه الله تعالى.

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم.

وقال بعض السلف إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله فانظر قدر القرآن عندك.

 ولما كان شهر رمضان انتصارًا على النفس كان كذلك انتصارًا على الأعداء، وأراد الله سبحانه أن يجعله بركة على المسلمين وفوزًا فكانت موقعة بدر الكبرى التي ظهرت فيها قيم الرجال وعظيم التضحيات حين استشار الرسول أصحابه المهاجرين والأنصار، فقام من المهاجرين المقداد بن عمرو وقال يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.

 وقال سعد بن معاذ من الأنصار والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل .. قال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا. إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك.

 هؤلاء الأبطال هم الذين يتحقق بهم وعد الله سبحانه: لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ﴿٤٢﴾ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ ﴿٤٣﴾ (آل عمران)، وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ  وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴿٧﴾(الأنفال)

وكان النصر الذي أذهل التاريخ الإنساني والحربي ورفع الله به حزبه وجنده، وخفض به أعداءه ومحادي رسله، وقتلت هامات قريش وفرسانها، وأسرت سادتها وكبراءها.. وكان هذا أمرًا عجبًا أذهل الكثير حتى من المسلمين.. قالت سودة بنت زمعة زوج النبي كنت حاضرة عند مجيء الأسرى، فرجعت إلى بيتي ورسول الله فيه، وإذ أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قالت فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد رأس قريش كذلك أن قلت أي أبا يزيد أعطيتم أنفسكم بأيديكم ألا متم كرامًا! فوالله ما نبهني إلا قول رسول في البيت يا سودة أعلى الله ورسوله تحرضين قلت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت.

وأصيبت قريش بالذهول وتحرقت منها الأكباد وتصدعت منها القلوب، وخافت شماتة العرب في مصيبتها، ومنعت النحيب على رؤسائها وفرسانها القتلى، وقد كان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة، وعقيل والحارث وكان يتشوق البكاء عليهم، وبينما هو كذلك إذ سمع امرأة تنوح في الليل فقال الغلام له انظر هل أحل النحيب وبكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على زمعة، فإن جوفي قد احترق فلما رجع إليه الغلام قال إنها امرأة تبكي على بعير لها أضلته فقال الأسود:

اتبكي أن يقل لها بعير

 ويمنعها من النوم السهود ؟!

فلا تبكي على بكر ولكن

على بدر تقاصرت الجدود

وأبكي إن بكيت على عقيل

وأبكي حارثًا أسد الأسود

ألا قد ساد بعدهم رجال

ولولا يوم بدر لم يسودوا

إنه الإيمان الذي أعز الله به المؤمنين، وأذل به الشرك والمشركين وصدق الله ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴿٧﴾(الصف)

 وبعد.. فهذه أيام الفرقان، وليالي القرآن وقد تشوق المسلمون إليها، فهل يراجعون أنفسهم ويتذكرون أمجادهم؟ نسأل الله ذلك .

الرابط المختصر :