; مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا «٦» المؤمن والمتردد | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنا «٦» المؤمن والمتردد

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1997

مشاهدات 86

نشر في العدد 1248

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 06-مايو-1997

 

• بانضمامك إلى صفوف الدعوة يكثر عدد المجاهدين ويعلو صوت الداعية وتتحمل نصيبك من الأعباء

أصناف الناس متعددة ومتنوعة، وبحسب النظرة التي تنظر بها إليهم يكون التقسيم، فها هو الإمام الشهيد يقول عن أقسام الناس عند الحديث عن ركن التجرد من أركان البيعة: «والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف: مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاهد أو محايد أو محارب، ولكل حكمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء أو العداء» «المجموعة: ص۳۹۸».

ثم في رسالة »دعوتنا» يقسم الإمام الناس بحسب ما نطلبه نحن كدعاة منهم إلى أقسام أربعة أو أصناف أربعة: مؤمن، ومتردد، ونفعي، ومتحامل، بحسب ما ننتظره منهم عند اتصالهم بالدعوة وموقفهم منها.

وقد استمع الإمام في فجر الدعوة إلى نصيحة الشيخ العالم العامل المجاهد محمد سعيد العرفي عالم دير الزور ونائبها السابق في مجلس النواب السوري كما وصفه الإمام الشهيد في «مذكرات الدعوة والداعية»، وهي التي قال له فيها: «لا تتحرج أبدًا من أن تضم إلى الدعوة المقصرين في الطاعات المقبلين على بعض المعاصي الخسيسة ما دمت تعرف منهم خوف الله، واحترام النظام، وحسن الطاعة، فإن هؤلاء سيتوبون من قريب، ولكن احذر من صنفين حذرًا شديدًا ولا تلحقهما لصفوف الدعوة أبدًا: الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح، فإنه لا أمل في إصلاحه، وهو بعيد عنكم بأصل العقيدة، فما ترجون منه؟ والصالح الذي لا يحترم النظام ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكن يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه، فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب، والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون خرج واحد، ولكنهم يقولون صف أعوج، فاحترس من هذا كل الاحتراس» ص: ۱۰۸، ۱۰۹.

وقد ذهب الدكتور عبد الكريم زيدان مذهبًا آخر في تصنيف المدعوين، فقد قسمهم إلى ٤ أقسام رئيسية: الملأ، والمنافقون، والعصاة، وجمهور الناس.

وهنا نرى الإمام الشهيد في هذه الرسالة ينظر من جهة استجابة المدعو للدعوة أيًّا كان موقعه في هذه الأقسام، بل إن ذلك ما يطلبه منهم عندما تعرض عليهم الدعوة، وإليك كلامه:

«وكل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدًا من أربعة:

الصنف الأول: المؤمن

مؤمن: إما شخص آمن بدعوتنا وصدق بقولنا وأعجب بمبادئنا، ورأى فيها خيرًا اطمأنت إليه نفسه وسكن له فؤاده، فهذا ندعوه أن يبادر بالانضمام إلينا والعمل معنا حتى يكثر به عدد المجاهدين ويعلو بصوته صوت الداعين، ولا معنى لإيمان لا يتبعه عمل، ولا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها والتضحية في سبيلها، وكذلك كان السابقون الأولون من شرح الله صدورهم لهدايته فاتبعوا أنبياءه وآمنوا برسالاته وجاهدوا فيه حق جهاده، ولهؤلاء من الله أجزل الأجر، وأن يكون لهم مثل ثواب من اتبعوهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا».

وهكذا يخاطب الإمام الشهيد الصنف الأول وهو المؤمن، وقد يتبادر إلى الذهن أن هناك تقسيمات إيمانية عقدية، مؤمن في مقابله كافر، وسرعان ما يتم رد هذه الشبهة، فها هو الإمام يعرف المؤمن بأنه: الذي آمن بدعوتنا والإعجاب بطريقتنا في العمل، وهذا التوضيح سيرد عدة مرات في ثنايا الحديث في الرسائل، ولم تكن قضية التكفير قد طرحت على الساحة بالصورة التي ظهرت عليها في الستينيات والسبعينيات، وقد حسمها الإمام الشهيد بصورة قاطعة في رسالة التعاليم في ركن الفهم عند الحديث عن الأصل العشرين الذي يقول فيه:

«لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض -برأي أو معصية- إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا غير الكفر»، مجموعة الرسائل: ص۳۹۳ دار الدعوة، الطبعة الشرعية ١٩٩٠م.

ويتضح لك من القراءة المتأنية عدة ملاحظات على هذا الصنف من الناس:

أولًا: أنه اتصل بالدعوة وتعرف عليها وأعجب بمبادئها، وهذا يدلك على أن الدعوة قد بذلت جهدًا لتصل إليه، فالواجب على الداعي أن يبادر هو بالاتصال وأن يقدم فكرته إلى المدعوين، ثم يطلب منهم بعد ذلك أن يحددوا مواقفهم، كما قال الإمام الشهيد.

ثانيًا: نتيجة هذا الاتصال الدعوي كانت طمأنينة النفس وسكينة الفؤاد، وهذا لا يكون إلا عن اتصال قريب مؤثر غالبًا عن احتكاك ومعايشة.

ثالثًا: إن المطلوب ممن آمن بالفكرة ورأى فيها خيرًا أن يبادر بالانضمام، وألا يتأخر عن ذلك حتى لا يكون من المثبطين أو المتقاعسين عن العمل حيث يكون عاملًا مثبطًا لغيره من المعجبين بالدعوة، وأيضًا يحرم الدعوة من جهده الذي تحتاجه أمس الحاجة لكثرة الأعباء، وقلة السالكين، لذلك حذره الإمام الشهيد بقوله: «ولا معنى لإيمان لا يتبعه عمل، ولا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها والتضحية في سبيلها»، ونستشعر هنا الطريقة التي يتبعها الإمام الشهيد في حث هؤلاء على الانضمام، فهو يركز على العاطفة القوية وعلى الإقناع العقلي، وأيضًا ضرب المثل بالسابقين.

فها هو يتبين له أثر انضمامه إلى صفوف الدعوة: يكثر به عدد المجاهدين ويعلو بصوته صوت الداعين بإقناع عقلي؛ لأن الفكرة إذا تمكنت من قبل معتنقها دفعته إلى العمل ولو كان في ذلك قدر من التضحية فلا بد من التضحية في هذا الطريق، والمثال الحي الواضح هو السابقون الأولون من أتباع الرسل والأنبياء.

رابعًا: لم يضمن الإمام الشهيد لهذا الصنف أي ميزة أو منفعة دنيوية، إنما بين له أن طريقنا هو نفس طريق السابقين، وأن ما ننتظره من الله عز وجل هو نفس ما انتظروه، أجزل الأجر، وأعظم الثواب، ولنرجع إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنر ما فعله العباس بن عبادة رضي الله عنه وقاله للخزرج ليلة العقبة الكبرى بمنى:

روى ابن هشام في سيرته قال: «قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن فضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: یا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلًا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله -إن فعلتم- خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: «الجنة»، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه» (الروض الأنف للسهيلي، ص۱۹۰).

وهذا الموقف من مواقف السيرة العظيمة مليء بالدروس والعبر والعظات، ولكننا نقف أمام الشاهد الذي يوضح لنا موقف الداعية من المستجيبين عندما يعدهم فلا يعدهم إلا بما عند الله عز وجل، فلا يعدهم بشيء من أمور الدنيا، لأنها ليست ملكه، ولا يدري ما الله فاعل به، ولا يتنافى هذا مع وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر والتمكين في الدنيا، فهذا وعد مطلق كما جاء في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِالآية (النور: 55)، وسورة الصف: ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الصف: 13). والمؤمن كما قال الإمام الشهيد: يعمل الأداء الواجب أولًا، ثم للأجر الأخروي ثانيًا، ثم للإفادة ثالثًا، وهو إن عمل فقد أدى الواجب، وفاز بثواب الله ما في ذلك من شك، متى توفرت شروطه، وبقيت الإفادة وأمرها إلى الله». «مجموعة الرسائل: ص٦٤، رسالة إلى أي شيء ندعو الناس؟».

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعد القوم من الأنصار إلا بالجنة، وكفى بها ثوابًا، وها هو نفسه يرفض بيعة آخرين اشترطوا عليه أن يجعل لهم الأمر من بعده كما حكت لنا سيرته العطرة.

قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: «وحدثني الزهري أنه أتى «أي النبي صلى الله عليه وسلم» بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم -يقال له بجيرة بن فراس-: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء، قال: فقال له: أفنهدف تحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك» «الروض الأنف للسهيلي، ص١٧٤».

وها هو تاريخ الدعوة الحديث شاء الله أن يكون دليلًا ساطعًا على صدق من آمن بهذه الرسالة وتجردهم لله تعالى، فقد بذلوا وضحوا بالغالي والنفيس وقضوا آجالًا طويلة في السجون والمعتقلات، لم تصرفهم رهبة، ولم تبعدهم رغبة، وها هم الإخوان المسلمون ومن سار على دربهم إلى يومنا هذا -رغم الاتهامات الباطلة- يعاهدون الله على التضحية في سبيل رفعة شأن هذا الدين ونصرة شريعة الله عز وجل، يتقدمون الصفوف، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ولا يخشون في الحق أحدًا غير الله، يوفون لله ببيعتهم على ركن التضحية الذي قال عنه الإمام الشهيد: «وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل» «مجموعة الرسائل: ٣٩٦». فعلى الداعية أن يبادر بالاتصال بالمدعوين، وأن يوضح أفكار الدعوة أمامهم، وأن يشحذ هممهم للانضمام، وأن يرغبهم فيما عند الله عز وجل، وهو خير وأبقى.

الصنف الثاني: المتردد

يقول الإمام الشهيد عن الصنف الثاني:

«وإما شخص لم يستبين له وجه الحق، ولم يتعرف في قولنا معنى الإخلاص والفائدة، فهو متوقف متردد، فهذا نتركه لتردده ونوصيه بأن يتصل بنا عن كثب، ويقرأ عنا من بعيد أو قريب، ويطالع كتاباتنا ويزور أنديتنا ويتعرف إلى إخواننا؛ فسيطمئن بعد ذلك لنا إن شاء الله، وكذلك كان شأن المترددين من أتباع الرسل من قبل».

هنا يصف الإمام الشهيد أسباب تردد هذا الصنف؛ فهي إما بسبب عدم وضوح الدعوة أمامه فلم يستين له وجه الحق، وهؤلاء كثير، فأنت تتصور أحيانًا أنك أبنت كل الإبانة ووضحت أعظم التوضيح، ثم إذا بك تفاجأ بأن مستمعيك في واد وأنت في واد، ولهذا أسباب وضحها الإمام الشهيد بنفسه في مقدمة رسالة «إلى أي شيء ندعو الناس؟»، فيقول: «قد تتحدث إلى كثير من الناس في موضوعات مختلفة فتعتقد أنك قد أوضحت كل الإيضاح وأبنت كل الإبانة، وأنك لم تدع سبيلًا إلى الكشف عما في نفسك إلا سلكتها، حتى تركت من تحدثهم على المحجة البيضاء، وما أشد دهشتك بعد قليل حين ينكشف لك أن القوم لم يفهموا عنك ولم يدركوا قولك، رأيت ذلك مرارًا ولمسته في عدة مواقف، وأعتقد أن السر فيه لأحد أمرين: إما أن كل ما يقول وما يسمع مختلف، فيختلف تبعًا لذلك الفهم والإدراك، وإما أن يكون القول في ذاته ملتبسًا غامضًا وإن اعتقد قائله أنه واضح مكشوف» «مجموعة الرسائل، ص٤١».

والسبب الثاني لتردد المتردد هو شكه في إخلاص الدعاة، أو قناعته بعدم فائدة هذا الطريق رغم وضوح القول وصدق الدعاة.

وعلاج هذا الصنف شرحه الإمام الشهيد، ويتلخص في:

۱- تركه لتردده دون بذل جهد إضافي قد يضيع الوقت دون طائل.

2- توصيته بالاتصال بنا أو القراءة عنا ومطالعة ما نكتبه وزيارة أنديتنا والتعرف على إخواننا.

ويصرف بعض الدعاة وقتًا طويلًا مع هذا المتردد محاولًا الاقتراب منه، ويبذل جهودًا كبيرة في محاولة إقناعه دون أن يضع إصبعه على أصل الداء ويضيع الجهد والوقت.

تنبيه

حدث اختلاف في نشر هذه الحلقات المسلسلة بحيث نشر الجزء الثاني من هذه المقالة في عدد المجتمع رقم ١٢٤٠ «۲٥ شوال ١٤١٧هـ» الموافق 4/ 3/ 1997م، وفيه يتحدث الكاتب عن الصنفين الثالث والرابع من المدعوين وهما: النفعي والمتحامل، قبل أن ينشر الجزء الأول الذي هو بين يدي القارئ الآن، لذا لزم التنبيه والاعتذار.

الرابط المختصر :