العنوان الديمقراطية بين النموذج الغربي والحس الحضاري العربي والإسلامي
الكاتب أ.د زكريا سليمان بيومي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
مشاهدات 58
نشر في العدد 1370
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-أكتوبر-1999
تتوالى في السنوات الأخيرة صيحات العديد من الكتاب والمفكرين في العالم العربي والإسلامي عبر كل وسائل الإعلام والإعلام المرئي على وجه الخصوص - مطالبة بالديمقراطية كحل سحري لكافة القضايا والمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وأن التأخر في تطبيقها والأخذ بها كمنهج حياة هو الأساس في بقاء الشعوب العربية متخلفة عن الركب الحضاري المعاصر.
ولا يستطيع أحد أن يجرد أغلب أصحاب هذه الصيحات أو النداءات من الحس الوطني والرغبة الأكيدة في إصلاح بلادهم ورفع المعاناة عن شعوبها. كما أنهم يرتكزون في توجههم على أسس موضوعية ومع كل ذلك، فإن هناك عديدًا من الجوانب التي تستوجب التوضيح، ولم تحظ بالمناقشة في غمرة الحماس الذي صاحب هذه النداءات، وربما يكون ذلك تابعًا من غفلة بعضهم أو تغافل البعض الآخر، وسواء اكان هذا أو ذاك فإنه يشكل عقبة في سبيل تحقيق ما يرون أنه الحلم الكبير. وإذا كان من الضروري أن نسعى نحن العرب والمسلمين إلى تحقيق قدر أكبر من الحرية والعدل الاجتماعي الذي هو أساس الدعوة لقيام المجتمع الديمقراطي.
فهل من الضروري أن نأخذ بالنظام الديمقراطي الليبرالي المطبق في الغرب
مع اختلاف اشكاله فنكون مقلدين؟ أو نستلهم أبعاد هذا النظام من جذوره اليونانية فتكون
رجعيين؟ أم نأخذ بالشكل الديمقراطي الأمريكي وتكون تبعيين؟ أم نستن لأنفسنا نظامًا
خاصًا نحافظ فيه على ذاتيتنا وتستقيه أو نصهره في تراثنا بحيث يتوافق مع أحوالنا
وقضايانا ومن خلال كل شرائحنا فيحقق مصالحنا ويستقر ويستمر بنا ومعنا؟ وقد يسارع
البعض إلى القول إن الشعوب العربية في مجملها وأغلب الشعوب الإسلامية لیست مؤهلة
لصياغة شكل أو نموذج للديمقراطية خاص بها لكونها تعاني من الأمية السياسية على
الأقل، وبالتالي فعليها أن تستلهم ذلك النموذج من الغرب على غرار ما حدث في شعوب
أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أو بعض بلدان أسيا وإفريقيا، وأن هذه
الشعوب إن لم تسارع في ذلك ستظل مدة أطول تعاني من التخلف والرجعية. لكن هذا البعض
لا يلمس وجدان الشعوب العربية والإسلامية الحقيقي في رؤيتها للديمقراطية باعتبارها
نظامًا غربيًا، وحقيقة نظرتها إليها وهو ما يتضح في بعض الجوانب وهي:
فشلت في تحقيق العدالة
أولًا : أن الديمقراطية الغربية ونظامها الرأسمالي
لا تحقق في نظر المسلم قدرًا كبيرًا من العدل الاجتماعي، مهما كانت مظاهر الحرية
المحيطة بها، فالحرية في المجتمع الرأسمالي نسبية، حيث تضمن لأصحاب رأس المال حرية
التربع على كراسي صنع القرار في حين تكون الحرية الممنوحة لمن لا يملك محدودة
وقاصرة على اختيار صناع القرار ووفق منظومة تحكمها المصالح لا المبادئ، وإن كانت
وسط هذه المنظومة تحافظ على قدر أكبر من حقوق الإنسان وحريته إذا قيست بالأنظمة
الأخرى فتبدو من هنا وكأنها النظام الأمثل الواجب الأخذ به.
ثانيًا:
أن انحصار الثروات في يد قلة من الأفراد في المجتمعات الرأسمالية الأخذة بالنظام
الديمقراطي، وهم صناع القرار، والسعي إلى تحويل العالم إلى هذا النظام فيما يسمى
بالعولمة أو النظام العالمي الجديد يجعل صنع القرار العالمي كله في يد هذه القلة
المحدودة التي تجمعها أو تتحكم في مصالحها مؤسسات مالية مهيمنة على نمط البنك
الدولي، وليس بخفي أن هذا التوجه على المدى البعيد يحقق حلم الحكومة الجمهورية
الديمقراطية العالمية الخفية التي يتزعمها ويعمل لها اليهود بحكم سيطرتهم على أكبر
قدر من رأس المال في العالم، وهو ما نص عليه البيان الماسوني المؤرخ في سنة ١٧٤٤م،
ولعل ذلك يتضح بشكل تدريجي في تحكمهم في صنع القرار في كثير من بلدان العالم
الآخذة بالنظام الديمقراطي الرأسمالي ومثل هذا الأمر يدعو الشعوب العربية
والإسلامية للتشبث بالمنهج الإسلامي على الصعيد السياسي والصعيد الاقتصادي ومحاولة
إيجاد صور عصرية تساعدهم على تأكيد ذاتهم من جهة والهروب من هيمنة أعدائهم من جهة
أخرى.
ثالثًا: إن من أهم الدلائل على سعي الغرب لفرض نظام
ديمقراطي مستورد على شعوب العالم العربي والإسلامي لتضعه في إطار التبعية وتفصل
بينه وبين جذوره الحضارية هو توقف الدوائر السياسية الغربية في العقدين الأخيرين
عن مطالبة بعض الأنظمة السياسية العربية بتطبيق أي شكل من أشكال الديمقراطية في
بلادهم بعد أن أفرزت التجارب الأولى للديمقراطية في البلاد العربية ظهور الأصوليين
الإسلاميين- كما يطلقون عليهم- وأكد الشارع العربي والإسلامي من خلالهم أنه يضيق
بسياسة الغرب المعادية لهم، ومن هنا فإن السياسة السائدة والمعلنة للغرب الآن
تتركز في محاربة ما يسميه بالأصولية الإسلامية كهدف مرحلي يسبق الأخذ بالنظام
الديمقراطي.
الغرب والحكم الشمولي
ولاشك أن هذا التوجه
الغربي يحظى بتأييد صحاب المصالح الاقتصادية والسياسية في العالم العربي، حيث
يلتقون جميعًا على مائدة محاربة الاتجاه الإسلامي، ولا شك أن سياسة الغرب هذه تؤكد
الانفصام والازدواجية حيث يؤيد دعاة الديمقراطية الكثير من أنظمة الحكم الفردي
والحكم الشمولي ما بقيت تسير في سبيل تحقيق أهدافهم ومصالحهم، وفي الوقت نفسه، فإن
هذه الدوائر المعادية لا تتورع عن تشويه بعض الأنظمة السياسية العربية أو
الإسلامية التي ترتكز على المنهج الإسلامي، وتسعى لتحقيق قدر أكبر من العدل
الاجتماعي والحرية لشعوبها، حيث تعتبر أن نجاح مثل هذا الاتجاه ولو بشكل نسبي
سيسهم بالضرورة في توسيع دائرة الساعين إلى الأخذ المنهج الإسلامي، وهو ما يعيق
هدفهم الآني المستقبلي في السيطرة والهيمنة.
ولا يبدو أن مثل هذا الأمر-وكما يريده الغرب- سيكون سهلًا
أو قريب التحقيق على مستوى جيل أو جيلين أو أكثر لارتباط هذه المسألة بالجذور
الحضارية الإسلامية من جهة، وبالوجود العربي والإسلامي ككيان أو حتى كيانات متفرقة
من جهة أخرى، فالعودة إلى الأخذ دومًا بالمنهج الإسلامي ليست ظاهرة عابرة
أو سطحية أو في إطار رد الفعل.
ولعل ما يحدث الآن في الشيشان وداغستان اللتين خضعت
شعوبهما للحكم الشيوعي قرابة قرن من الزمان، وما حدث ويحدث في البوسنة وكوسوفا لهو
خير دليل على صعوبة -أو استحالة- محو أو صهر هوية شعوب الإسلامية، أو فرض نظام
عليها مهما كانت الوسائل، ومهما طالت المدة الزمنية، ولم يكن ليتغير ذلك كثيرًا لو
أن هذه الشعوب كانت خاضعة لأنظمة ديمقراطية غربية، فالأكراد مثلًا عاشوا قرونًا في
ظل حكومات إسلامية بما لها وما عليها لكنهم تمردوا على النظام العلماني الديمقراطي
في تركيا.
رابعًا: إن الخلل الذي ظل يحيط بفهم نظام الشورى
الإسلامي كبديل إسلامي لديمقراطية الغرب لدى بعض الكتاب والمفكرين ومن يتصدون
للدعوة الإسلامية في بعض الأحيان يعود في أصله إلى وقوف الأنظمة السياسية في كثير
من فقرات التاريخ إسلامي كعقبة في سبيل التحقيق -أو توضيح- الصحيح لهذا النظام،
وبالتالي فإن ذلك قد يوحي للكثيرين بأن المنهج السياسي الإسلامي لا يشكل مصدرًا في
ذاته لاستلهام نظام سياسي عصري يحقق الحرية والعدل الاجتماعي وبالتالي لا ينبغي أن
يصبح بديلًا عصريًّا للنظام الديمقراطي. ومن هنا فإن على المفكرين المسلمين من
أصحاب الوعي والبصيرة إعادة صياغة وتوضيح نظام الشورى كمنهج سياسي أخلاقي لا تقتصر
فائدته على الشعوب الإسلامية وحدها لو تحقق مناخ من الحرية الفكرية الخالية من
التعصب، وتحطمت أطر الالتزام، وميز المفكرون في الشرق والغرب على السواء بين
التطور التاريخي للدين في أوروبا واختلافه عن العالم الإسلامي، ومدى الخلاف في
علاقة الدين بالسياسة في الديانتين المسيحية والإسلامية.
خامسًا: إن ورود الشورى في القرآن الكريم لم يقتصر
على البعد السياسي فقط وإنما كان أشمل وأعمل حيث ورد في ثلاثة مواطن اثنان منها في
الفترة المكية، أي التي نزلت في مكة المكرمة وهي الفترة السابقة لقيام الكيان
السياسي الإسلامي الأول، ونزلت الثالثة في المدينة المنورة التي شهدت مولد هذا
الكيان ولعل هذا يؤكد أن الشورى في الإسلام منهج تربوي يتصل بالبناء العقائدي
يتربى عليه المسلم منذ بداية حياته أو إسلامه ويشمل كافة مراحل الحياة ونواحيها.
ولا شك أن ذلك يجعل من الشورى أمرًا ملزمًا للمسلمين في
حياتهم لا في علاقة الحاكم بالمحكوم فقط، وإنما في علاقة المسلم بالمسلم وغير
المسلم في كافة أوجه الحياة، ولا يعد النموذج البلقيسي «أي بلقيس ملكة سبأ» نموذجًا
يتصل بنظام الشورى الإسلامي الصحيح لكونه كان في مجتمع غير إيماني ولفترة تاريخية
سابقة على المنهج الإسلامي وعلى ذلك، فإن قطاعًا كبيرًا من الشعوب العربية
والإسلامية تشكل عائقًا أساسيًّا في رفض نداءات الأخذ بالنظام الديمقراطي على
النموذج الغربي ووفق أهدافه، وليست الأنظمة السياسية العربية والإسلامية هي العائق
الأساسي كما يتراءى للبعض، وأن هذه الأنظمة إذا كان ظاهرها أنها مستفيدة من ذلك
كما يحلو لهذا البعض أن يردد فإنها وهي تنحو نحو قدر من الشورى، فإنها تتواءم مع
نبض شعوبها، بل إن العائق الأكبر يأتي كنتيجة لنزعة العداء في سياسة الغرب للشعوب
الإسلامية وبشكل يدعو هذه الشعوب إلى ضرورة رفض أي إطار أو نظام سياسي مرتبط
بالغرب، مهما كان بريقه، والسعي إلى إقامة نظام يرتبط بالواقع والجذور الحضارية أيًا
كان اسمه ديمقراطية أو شورى أو مشاركة يمكن به ومن خلاله تحقيق أكبر قدر من الحرية
والعدل في إطار أخلاقي قويم، بل والسعي من خلال ذلك لاستعادة الوحدة بأي صورة وتحت
أي اسم، باعتبارها مطلبًا عصريًا وملحًا يرتبط باستعادة السيادة والريادة التي
ترفض الانصهار والتبعية ويكون لها ذاتها المستقلة الفاعلة في حاضر الأمة ومستقبلها
في العالم المعاصر.
● نقاط.. المقاطعة
بقلم: أحمد عز الدين اثارت قضية «والت
ديزني»، ومعرض القدس الدعوة لمقاطعة منتجات الدول والشركات التي تختار جانب العداء
القضايا العرب والمسلمين والواقع أن مسألة المقاطعة لم تنس حتى تقول إنها أثيرت من
جديد... فماسي المسلمين كثيرة والمعتدون فيها كثيرون. وفي كل مرة تقع مأساة جديدة.
ترتفع الأصوات تنادي بالمقاطعة. على المستوى الرسمي، لم نلحظ أي تحسن في هذا
المجال، بل ربما كان العكس هو الصحيح، أما على المستوى الشعبي، فمن المؤكد أن هناك
تجاوبًا يحدث، واعتقد انه ينمو ويزداد وأصبح من الشائع أن تسمع من يقول إنه لا
يقرب هذا المشروب ولا يأكل من ذاك المطعم، أو لا يستخدم مسحوق الغسيل أو معجون
الأسنان الذي تنتجه شركة كذا، أو لا يلبس من منتجات شركة كذا. المقاطعة
سلاح مهم وهو اضعف الإيمان تجاه ما نرى من مؤامرات وتحيزات ضد قضايانا،
ولكن حتى تؤتي المقاطعة ثمارها، فإنها تحتاج إلى دراسات اقتصادية متعمقة تحدد لنا
من نقاطع، وكيف وما البديل، ففي ظل سياسات الانفتاح الاقتصادي المحلي وسياسات
التبادل التجاري الدولي، قد تجد من الصعب جدًا أن تحدد من تشجع بالشراء منه ومن
تحارب بسلاح المقاطعة فهناك منتجات تبدو محلية ١٠٠٪ ولكن بالبحث والتحري تجد أن
الشركة المنتجة مملوكة بالكامل الشركة اجنبية متحيزة، وقد لا تبدو هناك أي صلة بين
ذلك المنتج وبين الشركة التي تريد أن تقاطع منتجاتها، لأن الشركة الأجنبية الأم
تكون قد وسعت نشاطاتها ودخلت في نشاطات جديدة. وهناك منتجات تحمل أسماء
الشركات دولية، ولكن أفرع هذه الشركات في بلادنا يساهم في بعض رأسمالها مواطنون من
بلادنا، ويعمل في مصانعها أبناؤنا، صحيح أن الشركة الأم تحصل على نسبة قد تصل إلى
٤٠٪ من قيمة السلعة مقابل سر الصنعة والاسم التجاري، وإتاوة المبيعات ولكن يبقى أن
هناك نسبة لرأس المال المحلي وفائدة من تشغيل العمال في المصانع، وتنشيط صناعات
أخرى تقوم على توريد مستلزمات الإنتاج لذلك المصنع، ومن هنا يجب أن تكون المقاطعة
محكومة بحسابات الربح والخسارة ومن أهم عوامل نجاح المقاطعة توافر البديل
الذي يضاهي المنتج المراد مقاطعته أو يقترب منه في جودته، فلا تكون المقاطعة سببًا
لرواج صناعات أخرى رديئة لا يعمل منتجوها على تطويرها وربما حققوا أرباحًا طائلة
من تنشيط مبيعاتهم، لم يستفد منها الاقتصاد الوطني ولا المواطنون وربما
يشتري امرؤ سلعة من إندونيسيا مثلًا ويسر لأنه شجع الصناعة في دولة إسلامية، ولا
يدري المسكين أن ذلك المصنع يملكه بالكامل أمريكي يهودي او صيني بودي.
وربما بيعت أسهم شركة في البورصة، وتحولت بالتالي من ملكية مسلمين إلى آخرين
يعادون الإسلام. القضية بحاجة لدراسات متعمقة، مثلما نحن بحاجة إلى توفير
البديل المناسب الذي يغنينا عن اللجوء للآخرين، كما أننا بحاجة إلى عزيمة كبيرة
واستعداد للتضحية عند خوض غمار المقاطعة، يقول أحدهم إنه اشتبك أكثر من مرة في
جدال كبير مع زوجه وأولاده ليقنعهم بأهمية شراء المنتجات الوطنية.. وفي كل مرة كان
يصر على شراء منتج محلي، كان يفاجأ برداءة المنتج، ويصبح في موقف حرج أمام أولاده
الذين ينظرون إليه ولسان حالهم يقول: «خلي الوطنية تنفعنا».