العنوان سورية: الفساد.. والاقتصاد
الكاتب طاهر إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000
مشاهدات 79
نشر في العدد 1402
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 30-مايو-2000
فاجأت القيادة القطرية لحزب البعث السوري الشعب والمراقبين السياسيين على السواء عندما «أعلنت الوكالة السورية للأنباء» يوم 10 مايو أن القيادة القطرية اقترحت على القيادة القومية لحزب البعث السوري طرد الرفيق محمود الزعبي من الحزب والطلب من الجهات المختصة التحقيق معه وإحالته على القضاء لمحاسبته وفق القوانين والأنظمة النافذة واستند قرار القيادة القطرية إلى حيثيات من بينها استغلال الزعبي هو وأبناؤه استثمارات عربية في سورية.
وقد نشرت جريدة الحياة، تقريرًا من دمشق يوم ١٢ مايو ذكرت فيه قائمة بأسماء بعض كبار البعثيين الذين ثبتت خيانتهم للمال العام، حيث صدر قرار وزير المالية عام ١٩٩٦م، بناء على كتاب الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش التي كان يرأسها الزعبي نفسه، تم بموجبه حجز أموال ثمانية من الوزراء والمسؤولين، وقد شملت تلك القائمة أسماء وزراء النفط الدكتور أحمد نادر النابلسي، والمالي السابق الدكتور محمد أحمد السقا، والسياحة السابق عدنان القولي، ورجال أعمال آخرين كما ذكر التقرير من تم طردهم من الوزارة بمراسيم جمهورية منهم وزراء: الكهرباء كامل البابا ۱۹۹۳م والسياحة محمد أمين أبو الشامات ١٩٩٥م والعدل عبد الله الطلبة، ومحافظو دمشق: محمد سعيد حمامية وزهير تغلبي ومحافظ درعا وليد عثمان ۱۹۹۹م، كما تمت محاسبة رئيس إدارة الاستخبارات العامة اللواء بشير النجار وحكم بسجنه ۱۲ عامًا، كما طردت القيادة القومية لحزب البعث العام الماضي ثلاثة من أعضائها منهم نائب رئيس الوزراء «المسؤول عن إبرام العقود الخارجية» محمد حيدر، وقد ذكر التقرير السابق أن الصحف السورية - وكلها حكومية - ركزت في السنوات الأخيرة على المهندس الزعبي وأولاده.
وإذا لم يكن طرد الزعبي من القيادة القطرية لحزب البعث وإحالته إلى المحاكمة مفاجئًا للشعب السوري، حيث تعود على سماع أنباء طرد مسؤولين بعثيين سابقين، بسبب إثرائهم غير المشروع من المال العام الذي كانوا قيمين عليه، فإن هذا الطرد بالذات شكل مفاجأة من العيار الثقيل للمراقبين للشأن السوري حيث طاول هذا الطرد رئيسًا للوزراء بقي في منصبه لمدة ١٣ عامًا، وقد أثار طرد الزعبي علامات استفهام ضخمة منها:
لماذا سكت نظام الحكم طوال هذه المدة على فساد رئيس الوزراء مع ظهور أدلة هذا الفساد خلال السنوات الأخيرة.
ما مغزى توقيت قرار الطرد؟
لماذا لم يقم النظام بعملية إخراج تحفظ ما تبقى من ماء في وجه الزعبي كما فعل سابقًا مع غيلان بعثية أضخم من الزعبي تم التغاضي عنها بعد أن ثبت ولوغها في المال الحرام؟
هل هناك من علاقة بين طرد الزعبي والتشهير به وبين استعدادات نقل السلطة في سورية؟
ما دور رئيس الوزراء الحالي محمد مصطفى ميرو الذي يحاول أن يظهر بمظهر حامي حمى الاقتصاد السوري علمًا بأن ماضيه القريب كمحافظ المدينة «حلب» -مركز الثقل في الاقتصاد السوري- لم يكن يوحي بذلك؟
ولا يعتقد المطلعون أن توقيت طرد الزعبي كان لمنعه من الترشح لانتخابات القيادة القطرية المقبلة.
وذلك لأن الانتخابات التي تجري حاليًا هي تحصيل حاصل، لأن أعضاء القيادة القطرية معروفون سلفًا ولا يحتاج منعه من الترشح لكل هذه «البهدلة» التي تعرض لها.
وأيًا كانت الأسباب التي دعت إلى طرد رئيس الوزراء السابق ومحاسبته على فساده فإن ذاكرة الشعب تحوي في تلافيفها «قائمة طويلة» تضم أسماء آلاف الرفاق البعثيين الذين دخلوا إلى المسؤولية وهم لا يملكون إلا رواتبهم، وعندما تركوا مناصبهم، أو طردوا منها، كانوا يملكون ثروات طائلة.
ولقد كان للقرارات الاقتصادية التي شرعها حزب البعث منذ مجيئه إلى الحكم في انقلاب مارس ١٩٦٣م دور كبير في مساعدة ضعاف النفوس من النخب البعثية التي تسلقت هرم السلطة في الإثراء غير المشروع واستغلال ثروات المال العام لصالحها، فقوانين التأميم التي تم بموجبها تأميم معظم المصانع التي ساعدت في ازدهار الاقتصاد منذ الاستقلال عن فرنسا، شكلت بيئة ملائمة استغلها رؤساء مجالس الإدارة - وهم عادة وزراء الصناعة، مثل المهندس علي طرابلسي، الذي طرد من منصبه وحوكم في بداية الثمانينيات - والمدراء العامون الذين جعلوا من هذه المعامل بقرة حلويًا تدر الملايين لجيوبهم وجيوب محاسبيهم وهكذا فإن هذه المصانع - التي كانت تدر على سورية معظم ما تحتاجه من العملة الصعبة من عائدات تصدير منتجاتها الجيدة وخصوصًا المنسوجات - تحولت إلى مصانع خاسرة وعبئًا على ميزانية الدولة بسبب سوء الإدارة، وسياسة النهب المنظم التي كان يمارسها من أوكلت إليهم إدارة هذه المصانع.
أما قانون الإصلاح الزراعي الذي شرعه حزب البعث منذ مجيئه إلى السلطة، فقد كان إفسادًا للزراعة، فسورية التي تحوي مساحات شاسعة وغنية زراعيًا، مثل سهول حمص وحماة الخصبة التي يجري فيها نهر العاصي، وسهول إدلب والساحل التي جعلت من سورية سادس دولة في إنتاج الزيتون، وسهول منطقة الجزيرة الشاسعة التي يجري فيها نهرا دجلة والفرات وتنتج القطن الذي اشتهر بجودته العالمية، قد أضر بها قانون الإصلاح الزراعي الذي نزع ملكية الأرض من مالكها الإقطاعي، وبدلًا من تمليكها للفلاح الذي كان يعمل بها استولى المتنفذون في حزب البعث على الأراضي الخصبة منها وحولوها إلى مزارع خاصة بهم، وماتبقى منها سلمت لمن لا يجيد استثمارها، فترتب على ذلك تقهقهر إنتاج المحاصيل الأساسية كالقمح الذي كان يؤمن كفاية سورية من هذه المادة الأساسية، والذي أصبحت مستوردة له بعد أن كانت تصدر الفائض منه إلى إيطاليا لجودته في صناعة المعكرونة، والقطن تردت جودته وقلت إنتاجيته بالرغم من زيادة المساحات المزروعة به.
ولقد عانى المواطن بسبب هذه السياسات من تردي الحالة الاقتصادية للبلاد وتفاقم التضخم الذي هبط بقيمة الليرة من (٤) ليرات للدولار الواحد عام ۱۹۸۰م إلى (٥٠) ليرة للدولار الواحد عام ١٩٩٩م.
لقد كان راتب المدرس عام ١٩٦٣م ٤٠٠ ليرة شهريًا قوتها الشرائية ما يعادل ثمن ١٠٠ كجم من لحم الغنم، وقد أصبح هذا الراتب الآن ٤٠٠٠ ليرة شهريًا لكنه لايشتري سوى ٢٠ كجم من لحم الغنم، أي أن القوة الشرائية لراتب الموظف انخفضت خلال حكم حزب البعث من عام ١٩٦٣م وحتى عام ۲۰۰۰ م - إلى خمس قيمتها، وهذان مثالان بسيطان انخفاض قيمة الليرة السورية، وانكماش القوة الشرائية لرواتب الموظفين يعطيان صورة واضحة لما آل إليه الوضع الاقتصادي.
أما الحديث عن تعديل قانون الاستثمار رقم 10 وإلغاء القانون رقم ٢٤ فإنه لا يخص سوى النخب الحزبية التي استولت على الاقتصاد الاستهلاكي وتركت الاقتصاد الحقيقي المنتج يعيش في ركود منذ بداية الثمانينيات وحتي الآن.
فشركات الاستثمار العقاري وشركات الاستيراد والتصدير - وهي شركات لا تساهم في القوة الحقيقية للاقتصاد المنتج، مثل المصانع والمشاريع الزراعية - أصبحت حكرًا على المتنفذين وأبنائهم الذين استخدموا نفوذهم وما تتيحه لهم مناصبهم من تسهيلات للحصول على رخص استيراد المواد تدر عليهم أرباحًا فاحشة مثل السيارات، وما توافر لهؤلاء المستغلين من سيولة نقدية قدرت بمليارات الدولارات تم تحويلها للخارج.
ومع الوضع الذي آل إليه الأمر في سورية والذي ألمحنا إلى جوانب منه لايستغرب ما تطالعنا به الأخبار من حملات تطهير في صفوف النافذين من الطبقة الحاكمة ومعظمها من القياديين في حزب البعث، ولكن لابد من الإشارة إلى أن هذا التطهير الذي يطول بعض الفاسدين، لا يعود سببه إلى الفساد فقط، بل إن الفساد هو سبب ظاهري يتكئ عليه من يملك قرار الطرد، وإنما الأسباب الحقيقية تحكمها حسابات داخل الطبقة الحاكمة، والتي قد يمكن التكهن بها، ولكن الأمر الذي يصعب أن نؤكده أن سلسلة التطهير لن تتوقف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل